دمشق والرياض وباريس.. مجلس أعمال ثلاثي يرسم شكلاً جديداً للشراكة

زمن القراءة: 13 دقائق

إذا كان حجم التجارة الثنائية بين الرياض وباريس قد بلغ في عام 2025 نحو 11.8 مليار دولار، بحسب مصادر رسمية سعودية، فإن وجود سوريا ضمن هذه العلاقة سيشكل حتماً عامل نمو كبيراً في حجم هذه التجارة بين الأطراف الثلاثة، ويضيف ميزات اقتصادية نوعية تمتلكها سوريا بحكم موقعها الجغرافي ومواردها المتنوعة وتوقيت إعادة الإعمار، وقبل كل شيء تنسيقاً سياسياً يرسخ الأمن الإقليمي ويربط الاستقرار بالنمو.

تبدأ الأهمية الاستراتيجية للبيان المشترك السعودي الفرنسي، الذي صدر في ختام زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا ولقائه الرئيس إيمانويل ماكرون، من كونه يجدد التزام الرياض وباريس بوحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، إذ سلط الجانبان الضوء على أهمية وجود إطار مؤسسي قوي يفضي إلى تكثيف الاستثمارات الاقتصادية، وإتاحة الفرصة لإعادة تموضع سوريا بوصفها جسراً يربط بين أوروبا والخليج وآسيا من خلال بناء طرق بديلة.
كما رحبا بشكل خاص بتأسيس مجلس أعمال سعودي-سوري-فرنسي مشترك، وذلك في أحدث مؤشر على تنامي الدورين السعودي والفرنسي في جهود إعادة دمج الاقتصاد السوري وجذب رؤوس الأموال بعد العزلة.

وتضمن البيان أيضاً إشارة إقليمية إلى أهمية التوصل إلى حل تفاوضي لتجنب المزيد من التصعيد، وضمان استتباب الأمن الإقليمي، مجددين التزامهما بالحل الدبلوماسي، ومدينين في الوقت نفسه الهجمات التي تستهدف السفن في مضيق هرمز والتهديدات التي تمس أمن الممرات المائية.
وكانت السعودية وفرنسا أعلنتا تأسيس مجلس أعمال سعودي-سوري-فرنسي مشترك، بعد خطوات متوازية اتخذتها كل من الرياض وباريس خلال الأشهر الماضية لتوسيع علاقاتهما الاقتصادية مع دمشق، إذ يشكل الإطار المؤسسي نظام عمل رسمي ومنظم لتوحيد الجهود وقياس النتائج وتقييم الأداء بدقة، عبر مؤشرات واضحة ومنهجية ثابتة ذات أهداف كبرى.
وتبذل السعودية جهوداً استثنائية في دعم التعافي الاقتصادي السوري، وهو ما أشار إليه السيد الرئيس أحمد الشرع خلال زيارته الرياض للمشاركة في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، في تشرين الأول من العام الماضي، إذ أكد أن السعودية مفتاح سوريا للتنمية الاقتصادية والتكامل.
وأضاف الرئيس الشرع حينها أن سوريا بوابة الشرق والاقتصاد، وركيزة أساسية في المنطقة، موضحاً أن الدولة بدأت صفحة جديدة وانفتحت على العالم، ولديها فرص اقتصادية استراتيجية، وستصبح ممراً تجارياً مهماً في المنطقة والعالم.
وكان الرئيس الشرع اختار الرياض لتكون أول محطة خارجية له عقب توليه منصبه رسمياً، وأكدت المملكة في عدة مناسبات التزامها بدعم جهود السلطات السورية من أجل التعافي والتنمية.

وخلال زيارة وفد استثماري سعودي في تموز من العام الماضي، وقعت السعودية مع سوريا 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم في نحو 11 قطاعاً، بقيمة تجاوزت 6.4 مليارات دولار، واتفقت الرياض ودمشق لاحقاً على نقل هذه التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ وتحويل الاتفاقيات المعلنة إلى مشروعات فعلية.

وفي موازاة جهود الرياض، تعمل فرنسا على تعزيز حضورها في سوريا، وظهر ذلك جلياً في تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق مؤخراً، عندما أشار إلى استعداد بلاده للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، معلناً تشكيل لجان اقتصادية مشتركة وموسعة.
وقال ماكرون آنذاك: إن فرنسا يمكن أن تكون شريكاً لسوريا في قطاعات، من بينها الطاقة والقطاع المصرفي، معتبراً أن التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري تقابلها فرص واعدة أمام الشركات الفرنسية.

الدلالة السياسية لقيام منصة ثلاثية تجمع سوريا والسعودية وفرنسا
يقول الباحث السياسي والاقتصادي طلال أسعيد، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: إن هناك ديناميكية جديدة في التحالفات، واستجابة واضحة من قبل فرنسا والمملكة العربية السعودية للمتغيرات السريعة التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط منذ سقوط النظام المخلوع، إلى نهاية النفوذ الإيراني، وصولاً إلى بروز تركيا مؤثراً بارزاً.
ولذلك، فإن التنسيق المشترك السعودي الفرنسي، من خلال مجلس الأعمال المشترك مع سوريا، سيشكل قوة ديناميكية سياسية تؤدي دوراً مهماً في مقاربات الأمن والاستقرار في سوريا.

وتتحدث التحليلات السياسية عن تزامن الإعلان السعودي الفرنسي مع الإعلان الأميركي عن إزالة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في إشارة التقطها الكثيرون من السياسيين والاقتصاديين، ومفادها أن الاستثمار في سوريا لم يعد مغامرة، وإنما فرصة استراتيجية تتنافس عليها دول إقليمية وأوروبية.
كما تشير القراءات إلى أن مجلس الأعمال بحد ذاته يعد ضماناً أمنياً ونوعاً من أنواع التحالف السياسي القائم على التوافقات الإقليمية والدولية، لتحويل مذكرات التفاهم والاتفاقيات إلى مشروعات فعلية واستثمارية، بما يعزز الطرح السوري المستند إلى الموقع الجيوسياسي بوصفه ممراً آمناً لنقل الطاقة وسلاسل التوريد بين الشرق والغرب، ضمن منظومة متكاملة تضم المؤسسات والأشخاص والتكنولوجيا والأنشطة اللازمة.

وهنا يرى الباحث أسعيد، في حديثه للصحيفة، أن الإعلان يمثل خطوة في اتجاه إعادة دمج سوريا في منظومة إقليمية تقودها السعودية وتتصل بأوروبا عبر فرنسا، وهو في الوقت نفسه مؤشر على أن الرياض وباريس تريدان أن تكونا من اللاعبين الرئيسيين في رسم الاقتصاد السوري الجديد، وليس مجرد ممولين لإعادة الإعمار، وهذا يجعل الإعلان اقتصادياً في شكله وجيوسياسياً في مضمونه.

وأجرى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في السادس من تموز الفائت، زيارة غير مسبوقة إلى دمشق، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى، وعضو في الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ التحرير في الثامن من كانون الأول 2024.
ووصفت الزيارة بالتاريخية، وبأنها محطة مفصلية في مسار استعادة سوريا حضورها الدولي، واعتبرتها الأوساط السياسية تجسيداً لانتقال العلاقات السورية الفرنسية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والشراكة المتكافئة، مع الإشارة إلى أن الرئيس ماكرون كان أول رئيس غربي يستقبل الرئيس الشرع في أيار 2025.

ويوضح الباحث أسعيد أن الفرنسيين يدركون حقائق الجغرافيا السياسية، وأن عودة باريس إلى سوريا ستكون من بوابة السعودية، إذ ترتبط السعودية وفرنسا بمجلس تنسيق استراتيجي مشترك، وتقوم هذه الشراكة على تعاون واسع في الطاقة المتجددة والتقنيات الرقمية، إضافة إلى قطاع المصارف والتمويل.
ويضيف أن مجالس الأعمال تشكل طاقة تأثيرية تتمثل في القوة الناعمة، إذ تعد منصة لبناء صورة ذهنية إيجابية عن الدولة في دوائر القرار الاقتصادي غير الرسمية.
كما أنها بمنزلة أندية اقتصادية لأصحاب الأعمال تتبع لغرف التجارة والصناعة والزراعة، وتنشأ باستقلالية في كل غرفة، وتقابلها مجالس في الدول الشقيقة والصديقة، لتكون بمنزلة محطة واحدة يجتمع فيها أصحاب الأعمال الذين لديهم مصالح مشتركة في البلدين، ويلتقون ويتبادلون المصالح والمبادرات والشراكات والأفكار، وصولاً إلى اتفاقات تخدم مصالح الجميع.

كيف يتوزع التمويل والخبرة والسوق بين الأطراف؟
تشكل سوريا بالنسبة إلى الرياض وباريس سوقاً واسعة للاستثمار وممراً استراتيجياً حيوياً بين غرب آسيا وأوروبا.
ويرى خبراء أن السعودية، التي استثمرت سياسياً في دعم استقرار سوريا، واقتصاديا في مشروعات تنموية كبرى، تتحرك أيضاً في موقع الوسيط الاقتصادي والاستراتيجي الذي يستطيع وصل سوريا برأس المال الخليجي وبالشركات والخبرات الأوروبية، إذ استثمرت شركات فرنسية في الموانئ والنقل.
لذلك، يأتي المجلس الثلاثي اليوم ليوفر إطاراً مؤسسياً لتحويل الانفتاح السياسي إلى مصالح استراتيجية ضمن منظومة اقتصادية مرتبطة بشركاء أقوياء.

وفي هذا السياق، يقول الباحث أسعيد: إن القدرة التمويلية السعودية تتقاطع مع الخبرة التقنية الفرنسية، على أن تكون سوريا سوقاً تجارية تربط بين أوروبا والخليج.
فالسعودية، بما تمتلكه من قدرة مالية كبيرة، ستشكل رافعة لهذه المنصة، إذ سبق أن وقعت اتفاقيات ومذكرات تفاهم تجاوزت قيمتها 7 مليارات دولار في سوريا، فيما تمتلك فرنسا خبرات واسعة في قطاعات الطاقة والمصارف والنقل البحري.
ويضيف: أما سوريا، فإن موقعها الجغرافي بوصفه ممراً لوجستياً وتجارياً سيربط أسواق الخليج بأوروبا وفرنسا، ولتسهيل التجارة البينية تحتاج سوريا إلى تحديث المنافذ والجمارك عبر تطوير الأنظمة الجمركية وجعلها أكثر رقمنة، ويمكن هنا الاستفادة من الخبرات الفرنسية في القطاع الرقمي.
كما يمكن لفرنسا أن تقدم مساعدة تقنية مصرفية لتفعيل عمل مصرف سوريا المركزي والمصارف الخاصة لإيداع أموال المستثمرين وفق أطر تضمن الشفافية والثقة.
وحول القطاعات الأكثر قابلية للعمل المشترك، تشير التحليلات إلى إمكان استشرافها من خلال تصريحات وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف، على هامش زيارة ولي العهد إلى باريس، إذ قال: إن المملكة لديها نحو 650 رخصة لشركات فرنسية، منها 39 شركة تتخذ من العاصمة الرياض مقرات إقليمية لها.
ونوه بأن الاستثمارات الفرنسية في السعودية موزعة على أكثر من 18 قطاعاً، مضيفاً أن فرنسا تعد رابع أكبر مستثمر في المملكة، مع تركز جزء يسير من استثماراتها في قطاعي النفط والغاز.
كما تشير المعلومات إلى أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في السعودية بلغ نحو 16.3 مليار يورو في عام 2024، بحسب وزير الاستثمار، الذي كشف عن هيكل هذه الاستثمارات واستحواذ الصناعات التحويلية على نحو 60 بالمئة من رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر.

وتتمتع فرنسا بحضور كبير في السوق السعودية في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والمياه والضيافة والصحة، مع التركيز على الطاقة التي تتجاوز قيمة مشروعات الشركات الفرنسية فيها داخل المملكة 16.3 مليار يورو، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والتعدين والثقافة والصناعات الإبداعية.

وتستهدف السعودية الوصول إلى سعات بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تبلغ 3 غيغاواط بحلول عام 2030، لذلك تعد هذه القطاعات من بين الأكثر قابلية للعمل المشترك في سوريا، خاصة مع الأولويات التي تطرحها الحكومة السورية بما يدعم توجه إعادة الإعمار وتعزيز التنمية الشاملة والمستدامة.

من إطار لقاءات إلى مشروعات فعلية.. هل يتكرر النموذج؟
بالتزامن مع البيان المشترك السعودي الفرنسي، كانت دمشق تستضيف لقاءً استثمارياً سورياً سعودياً لبحث سبل الانتقال من استعراض الفرص المتاحة في سوريا إلى إطلاق مشروعات عملية، وتطوير التعاون المباشر بين رجال الأعمال والمستثمرين.
وذلك بحسب هيئة الاستثمار السورية، التي قالت: إن اللقاء جمع رئيس الهيئة أحمد رواد رمضان مع وفد من المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين برئاسة محمد أبو نيان، رئيس مجلس الأعمال السعودي السوري، بحضور القائم بالأعمال السوري لدى المملكة العربية السعودية، الوزير المفوض محسن مهباش.

وكانت أبرز النقاشات تتمحور حول استعراض الإمكانيات الاستثمارية التي توفرها السوق السورية، والمسارات الممكنة لبناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد تحقق مصالح متبادلة، واحتياجات المستثمرين، والإجراءات اللازمة لتسهيل دخول الاستثمارات السعودية ومتابعة مراحل تنفيذها.

وأطلقت المؤسسة العامة للإسكان وشركة “ثرا” السعودية للتطوير والاستثمار العقاري، أمس الأول، مشروع “شام فيو” السكني والتجاري بين ضاحية قدسيا ومشروع دمر في ريف دمشق، بوصفه أكبر مشروع عقاري في سوريا.
ووصف أبو نيان المشروع بأنه ثمرة للتعاون المشترك وخطوة عملية نحو تعزيز الاستثمارات السعودية-السورية، مشيراً إلى أن العلاقات بين سوريا والسعودية تشهد مرحلة جديدة من الشراكة الاستثمارية تعكس عمق الروابط التاريخية بين البلدين.

ويُذكر أن المؤسسة العامة للإسكان، بالتعاون مع شركة “أبيات” السعودية للاستثمار والتطوير العقاري، أطلقتا في حزيران الماضي مشروع “أبيات هيلز” في ضاحية قدسيا بريف دمشق.
وهنا يشير الباحث أسعيد، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن المجلس الثلاثي يؤدي دوراً مهماً في تنفيذ مشروعات مشتركة في سوريا من خلال مساهمته في تحديد الفرص الاستثمارية ودراسة الجدوى الخاصة بالمشروعات المشتركة.

كما تشكل المنصة حلقة وصل تجمع بين المستثمرين والموردين، وتوجه التمويل والخبرات نحو المشروعات ذات الأولوية.
وبالتالي، تكمن أهمية مجلس الأعمال المشترك في تكثيف الاستثمارات الاقتصادية السعودية الفرنسية المشتركة في سوريا، وخاصة في القطاعات التي تعيد ربط طرق التجارة من خلال تكامل مشروعات النقل البحري والبري.
ويحتاج هذا المجلس إلى آليات عمل تتمثل في تشكيل لجان اقتصادية وقطاعية مشتركة، إضافة إلى التنسيق المباشر عبر السفارات وهيئات الاستثمار والمصارف المركزية بين هذه الدول، لتنسيق عمليات تحويل الأموال.

وحول إمكانية تكرار النموذج مع دول أخرى، أشار الباحث أسعيد إلى أن تشكيل مجلس الأعمال السوري السعودي الفرنسي سيفتح الباب أمام مجالس أعمال مشتركة بكل تأكيد، وخاصة أن هناك استثمارات مشتركة في سوريا بين تحالف شركات من عدة دول تركية وقطرية وأميركية تعمل على تنفيذ مشروعات طاقة ضخمة في سوريا تصل قيمتها إلى 7 مليارات دولار.

وأضاف أن سوريا تستقطب اهتمام عدة دول إقليمية وعالمية للتعاون والاستثمار، وتكمن أهمية مجالس الأعمال المشتركة في تحويل العلاقات التجارية الفردية إلى عمل مؤسسي منظم.

علي إسماعيل

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار