في مواجهة سنوات متتالية من الجفاف وتراجع الموارد المائية، يتجه المغرب إلى توسيع سياسة إعادة توزيع المياه بين الأحواض، في محاولة لتحويل فائض الموارد في المناطق الأكثر وفرة إلى المناطق التي تواجه عجزاً متزايداً.
ويرى خبراء أن مشروع “الطريق السيار للماء” يمثل أحد أبرز رهانات المملكة لتعزيز أمنها المائي، لكنه لا يمكن أن يكون حلاً منفرداً لأزمة تتفاقم بفعل التغير المناخي وتراجع التساقطات، فالمملكة تستعد لإطلاق مرحلة جديدة من المشروع الضخم لنقل فائض المياه من شمال البلاد إلى المناطق التي أنهكها الجفاف، فيما تتزايد الحاجة إلى حلول طويلة الأمد تضمن توزيعاً أكثر توازناً للموارد المائية بين المناطق والقطاعات الاقتصادية.
في هذا الصدد، يعتقد الخبير البيئي المغربي مصطفى بنرامل، في حديث مع “العربي الجديد”، أن إطلاق مرحلة جديدة من المشروع يمثل خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز الأمن المائي في المغرب، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن سنوات الجفاف المتتالية وتزايد آثار التغيرات المناخية على الموارد المائية، مضيفاً أن مشروع ربط حوض سبو بحوض أم الربيع، على مسافة تناهز 300 كيلومتر وبطاقة نقل تصل إلى نحو 800 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، يعكس توجهاً نحو إعادة توزيع الموارد المائية على المستوى الوطني، بما يسمح باستثمار الفوائض المائية المسجلة في بعض الأحواض وتوجيهها إلى المناطق التي تعرف خصاصاً أكبر.
ويردف أنه “من منظور بيئي، ينبغي عدم النظر إلى هذا المشروع باعتباره مجرد منشأة لنقل المياه، بل جزءاً من منظومة وطنية متكاملة للتكيف مع التغير المناخي”، موضحاً أن التقلبات المطرية أصبحت أكثر حدة وعدم انتظاماً، إذ يمكن أن تعرف بعض الأحواض خلال فترات قصيرة تساقطات غزيرة تؤدي إلى ارتفاع صبيب الأنهار وخسارة جزء من المياه، في الوقت الذي تعاني فيه أحواض أخرى من ندرة حادة.
غير أن نجاح هذه المشاريع، وفق بنرامل، يظل مرتبطاً بضرورة اعتماد تدبير مستدام ومتكامل للموارد المائية، يأخذ في الاعتبار حاجات السكان والقطاع الفلاحي والأنشطة الاقتصادية، ويحافظ في الوقت نفسه على التوازنات البيئية للأحواض المائية، بما فيها ضمان الحد الأدنى من التدفقات الضرورية للأنظمة البيئية والفرشات المائية، وهو يؤكد أن نقل المياه لمسافات طويلة يجب أن يواكبه اهتمام كبير بالكفاءة الطاقية وتقليص الفواقد والتبخر، والاستفادة من الطاقات المتجددة في تشغيل منشآت الضخ كلما أمكن، حتى لا يتحول تعزيز الأمن المائي إلى ضغط إضافي على منظومتي الطاقة والبيئة.
ويعتقد بنرامل أن “الطريق السيار للماء” ينبغي أن يكون جزءاً من مقاربة أوسع للأمن المائي تجمع بين الربط بين الأحواض وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة والاقتصاد في مياه الري وحماية الموارد الجوفية وتحديث شبكات توزيع المياه، إلى جانب استعادة النظم البيئية التي تلعب دوراً أساسياً في تخزين المياه وتنظيمها.
كما يلفت إلى أن المغرب ينتقل اليوم من مرحلة تدبير ندرة المياه من خلال حلول ظرفية إلى مرحلة جديدة عنوانها التخطيط الاستباقي والتكيف مع مناخ أكثر جفافاً وتقلباً، مضيفاً أن “الاستثمار في البنيات المائية الكبرى مهم، لكنه يجب أن يسير بالتوازي مع ترشيد الطلب على الماء وتغيير أنماط الاستهلاك والإنتاج، خصوصاً في القطاع الفلاحي”.
ومن المنتظر أن يساهم المشروع في تعزيز التزويد بالماء الشروب لفائدة مدن سطات وبرشيد والمناطق الجنوبية للدار البيضاء، إلى جانب دعم الموارد المائية الموجهة إلى القطاع الفلاحي بحوض أم الربيع، بما يسمح بتوفير مياه السقي لنحو 176 ألف هكتار من الأراضي الزراعية.
ويأتي المشروع امتداداً للمرحلة الأولى من “الطريق السيار للماء”، التي أطلقها المغرب في تشرين الأول 2023 على مسافة 67 كيلومتراً، لتحويل فائض مياه حوض سبو التي كانت تهدر في المحيط الأطلسي، وقدرت بنحو 340 مليون متر مكعب عام 2023، عبر سد المنع إلى سد سيدي محمد بن عبد الله في حوض أبي رقراق.
ويهدف الربط إلى ضمان تدفق قوي ومنتظم للمياه وتأمين التزويد بالماء الصالح للشرب لنحو 12 مليون نسمة في محور الرباط-الدار البيضاء، إلى جانب تخفيف الضغط على سد المسيرة الذي يزود العاصمة الاقتصادية بالمياه.
وتكشف أرقام المرحلة الأولى عن أهمية المشروع في مواجهة الإجهاد المائي، إذ تجاوز حجم المياه المحولة منذ بداية تشغيل الربط بين سبو وأبي رقراق 953 مليون متر مكعب حتى نهاية كانون الأول 2025، ما ساهم في دعم التزويد بالماء الشروب في المناطق الساحلية بين الرباط والدار البيضاء.
ويواجه المغرب تحديات مائية متزايدة بسبب سنوات الجفاف المتتالية التي شهدها خلال العقد الأخير، وأثرت في الموارد المائية بمختلف المناطق.
وفي تموز 2022، أعلنت الحكومة حالة “طوارئ مائية” لمواجهة النقص الحاد في الموارد، معتبرة أن الوضع يؤثر في قدرة السكان على الحصول على الكميات اللازمة للاستعمال اليومي، كما ينعكس على الأنشطة الاقتصادية وجهود التنمية.
وبحسب البنك الدولي، يقترب المغرب بسرعة من الحد المطلق لندرة المياه البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً، ويرى البنك الأفريقي للتنمية أن الجفاف أصبح حقيقة يتعين على المغرب التكيف معها، لما يتركه من آثار في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي، من الزراعة والصناعة إلى الخدمات والسياحة.
وأوضح البنك الأفريقي للتنمية، في مقال نشره في آذار 2024، أن الموارد المائية في المغرب تعاني وضعاً صعباً بسبب انخفاض مستويات المياه الجوفية وضعف امتلاء السدود، مشيراً إلى أن المواطن بات يستهلك أكثر بقليل من 600 متر مكعب من المياه سنوياً، أي ربع ما كان يستهلكه قبل أقل من 60 عاماً.
وخلال الأعوام العشرة الأخيرة، تراجعت موارد المياه إلى متوسط سنوي يبلغ نحو 5 مليارات متر مكعب، مقابل 18 مليار متر مكعب منذ ثمانينيات القرن الماضي، فيما تراجع هطول الأمطار في ستة أعوام متتالية بنسبة 75% مقارنة بالمتوسط المعتاد، كما تعاني البلاد من عدم المساواة في توزيع الموارد المائية، إذ تتساقط 53% من الأمطار في نحو 7% من تراب المملكة.
