شي إن .. قصة خفوت نجم لم يسطع

زمن القراءة: 9 دقائق

في مايو 2019، وصلت شركة “أوبر” إلى بورصة نيويورك تحمل رقماً ثقيلاً خلفها، فقبل أشهر، كان مصرفيون يتحدثون عن تقييم قد يبلغ 120 مليار دولار، لكن رياح المستثمرين جاءت بما لا تشتهي وول ستريت.

فعندما جاء يوم التسعير الحقيقي، استقرت القيمة عند 82.4 مليار دولار، في استقبال لا يليق بـ “أسطورة وادي السيليكون”، والأسوأ أن السهم هبط بعد الإدراج مباشرة.

لكن الرقم الذي خُفض قبل الطرح لم يكن حكماً نهائياً بالإخفاق، فبعد سنوات من الخسائر، تحولت “أوبر” إلى شركة تولد تدفقات نقدية فعلية، وبالتالي فإن السوق لم يكن مخطئًا حين خفض توقعاته في 2019، لكنه لم يكن يقول: إن الشركة بلا مستقبل، كان فقط يعيد تسعير المستقبل.

واليوم، تدخل شركة التجزئة الصينية سريعة النمو “شي إن” الاختبار نفسه، لكن بدرجة أشد تعقيداً، فهل تظهر ثباتًا مثل “أوبر”، أم أن نموذجها يخفي “ناراً تحت الرماد”؟

انهيار مدوٍ للقيمة

– في جولة تمويل عام 2022، بلغت قيمة “شي إن” 98.2 مليار دولار، وبعد أربع سنوات، تعرض الشركة أسهمها للإدراج في هونج كونج بسعر يتراوح بين 6.07 و6.32 دولار أمريكي للسهم، بقيمة 27 مليار دولار، مع استهداف جمع 1.77 مليار دولار.

– بقول آخر، فإن نحو ثلاثة أرباع القيمة الورقية للشركة اختفت قبل أن يتداول الجمهور السهم للمرة الأولى، لكن ماذا يقف وراء هذا الانهيار السريع لقيمة شركة كانت تنظر الأسواق إليها باعتبارها اللاعب الواعد القادم في مجال التجارة؟

أبرز التطورات المالية للشركة وقيمتها

 

المؤشر

القيمة/ الفترة

ماذا يعني؟

 

التقييم

98.2 مليار دولار  عام 2022

ذروة تسعير قصة النمو

التقييم

64 مليار دولار

2023- 2024

أول إعادة تسعير كبيرة

تقييم الطرح

بين 26 و27 مليار دولار

آب 2026

السوق العام يطلب خصمًا أكبر

الإيرادات

41.85 مليار دولار

عام 2025

الشركة ما زالت ضخمة

نمو الإيرادات

%8

عام 2025

تباطؤ حاد مقارنة بـ 20.7% في 2024

صافي الربح

2.06 مليار دولار

عام 2025

انخفاض 38.7% سنويًا

نمو الإيرادات

%1.1

الربع الأول من 2026

اقتراب واضح من الركود

الهامش التشغيلي

2.9  %

الربع الأول من 2026

مقابل 3.9% قبل عام

– المشكلة إذن ليست أن “شي إن” أصبحت شركة صغيرة، وإنما القصة التي بُني عليها تقييم 2022 لم تعد هي القصة المعروضة على المستثمر الجديد في عام 2026.

ما الذي انكسر؟

– التقييم القديم افترض ثلاثة أشياء معاً: نمو سريع، اقتصاديات وحدة جذابة، وقدرة على نقل نموذج التجارة الإلكترونية الصينية الرخيصة إلى الغرب بلا احتكاك كبير. وكل واحد منها أصبح أضعف الآن.

– أولًا، النمو: ارتفعت إيرادات “شي إن” إلى 41.9 مليار دولار في 2025 من 32.1 مليار دولار في 2023، لكن معدل التوسع تباطأ بشدة، ثم بلغ 1.1% فقط في الربع الأول من 2026.

– الشركة التي كانت تُسعّر كمنصة فائقة النمو أصبحت أقرب إلى تاجر عالمي كبير يحتاج للدفاع عن حصته.

– ثانيًا، التكلفة: كان نموذج الشحن المباشر للطرود الصغيرة يستفيد من إعفاءات جمركية مهمة، لكن بعد تغيير القواعد الأمريكية، تراجعت إيرادات “شي إن” في الولايات المتحدة 14.3% في الربع الأول من 2026.

– كما بدأ الاتحاد الأوروبي في يوليو فرض رسم 3 يوروهات على الطرود منخفضة القيمة الواردة من الخارج.

– هذه ليست غرامة عابرة، إنها تغيير في اقتصاديات النموذج نفسه، فإما رفع السعر، أو امتصاص التكلفة في الهامش، أو بناء مخزون ومستودعات محلية تقلل ميزة سلسلة التوريد التي غذت نمو “شي إن”.

– ثالثًا، المنافسة: أعادت منصة “تيمو” إشعال حرب استقطاب العميل، فيما تواجه “شي إن” منافسة حادة في الطرف الآخر مع شركات مثل “إنديتكس” و”إتش آند إم”، ما جعل استقطاب العملاء أكثر تكلفة بحسب محللين.

– هنا يصبح هبوط التقييم أقل غموضًا، فالمستثمر الخاص في 2022 كان يشتري احتمال استمرار النمو الفائق، والمستثمر العام في 2026 يشتري أرباحًا أبطأ نموًا وهوامش أضعف ومخاطر تنظيمية أعلى.

طرح أغلى من عائده

– هناك رقم يختصر حجم إعادة التسعير ومأساة انهيار القيمة، فبعض المستثمرين الذين دخلوا في الجولات المتأخرة حصلوا على “حماية من تآكل القيمة”.

– وفق نشرة الطرح، قد تضطر “شي إن” إلى دفع تعويضات نقدية وإصدار أسهم إضافية تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 3.5 مليار دولار لهؤلاء المستثمرين.

– هذا يقارب ضعفي الأموال التي تستهدف الشركة جمعها من الطرح، وهو أثر مادي لفجوة التقييم، لا مجرد خسارة ورقية على شاشة صندوق استثمار.

الخصم قد يكون بداية

– عانى سهم “أوبر” عقب طرحه بعد خفض كبير في التقييم، لكن الشركة غيرت المعادلة نفسها، حيث قللت الاعتماد على وعود النمو، ورفعت قدرة النشاط على توليد النقد، ففي عام 2025 بلغت الحجوزات الإجمالية 193 مليار دولار والتدفق النقدي الحر 10 مليارات.

– اليوم، ارتفع سهم “أوبر” بأكثر من 90% منذ بدء تداوله في 2019 قريباً من 80 دولاراً (تجاوز 100 دولار عند ذروته العام الماضي)، وتقيم الأسواق الشركة الآن بنحو 160 مليار دولار.

– هذا هو المسار الإيجابي أمام “شي إن”، ليس التركيز على استعادة تقييم 100 مليار لأنها كانت تستحقه سابقاً، بل إثبات أن تقييم 27 ملياراً يبالغ في خصم المخاطر، لكن مع ذلك، تظل السيناريوهات السلبية قائمة.

ديدي: حين كان الخصم غير كافٍ

– دخلت شركة “ديدي” الصينية بورصة نيويورك في حزيران2021 بتقييم مخفف بالكامل بلغ نحو 73 مليار دولار، بعدما كانت تطمح سابقًا إلى ما يصل إلى 100 مليار، بل إن سجل الأوامر كان قوياً وجرى تسعير السهم عند أعلى النطاق.

– بعد أيام، بدأت السلطات الصينية مراجعة متعلقة بأمن البيانات وأوقفت تسجيل مستخدمين جدد لدى منصة مشاركة الركوب، وبعد أقل من عام وافق المساهمون على شطب الشركة من بورصة نيويورك، ثم فرضت السلطات غرامة بنحو 1.2 مليار دولار على الشركة.

– الدرس ليس أن “الشركات الصينية خطرة”، بل إن خفض التقييم لا يحمي المستثمر عندما تكون المخاطرة غير مالية وقادرة على تغيير قدرة الشركة على ممارسة نشاطها.

– هذه هي النقطة التي تجعل حالة “شي إن” أقرب إلى المنتصف بين “أوبر” و”ديدي”.

هل التقييم منخفض حقاً؟

– عند الحد الأعلى للطرح، تُقيّم شي إن بنحو 0.7 مرة من المبيعات المتوقعة، مقابل نحو 0.4 مرة لـ “زالاندو” و1.1 مرة لـ “إتش آند إم” و4 مرات لـ “إنديتكس”. إذن الخصم كبير مقارنة، لكنه ليس دليلاً كافياً على الرخص مقارنة بالسوق.

– الافتراض الهش في الرؤية المتشائمة هو أن رسوم التجارة وتكاليف التسويق ستلتهم بصورة دائمة قدرة الشركة على النمو.

– لو استطاعت “شي إن” نقل جزء أكبر من عملياتها إلى مستودعات محلية، واستعادة نمو مزدوج الرقم مع عودة الهامش التشغيلي للصعود، فقد يبدو تقييم 27 مليارًا بعد سنوات قليلة شديد التحفظ.

– أما إذا ظل النمو قريبًا من 1% بينما تتآكل الهوامش، فلن يكون انخفاض القيمة من 98 مليارًا إلى 27 ملياراً بمثابة “فرصة” للأسواق.

النجم لم يخفت لأنه لم يسطع

– تقييم 100 مليار دولار كان نجمًا في سماء السوق الخاص، لا سعراً اختبرته ملايين أوامر البيع والشراء في بورصة عامة، وهنا تفترق “شي إن” قليلاً عن صورة “أوبر” التي بدأنا بها.

– احتاجت “أوبر” سنوات حتى تجعل الأعمال تتوافق مع السرد القديم، أما “شي إن” فتواجه مهمة مختلفة، حيث عليها أن تثبت أن إزالة الامتيازات الجمركية لا تزيل معها الميزة الاقتصادية التي صنعت الشركة.

– لهذا لن يكون نجاح الاكتتاب في امتلاء دفتر الأوامر يوم 31 آب، ولا حتى في ارتفاع السهم يوم 1 أيلول، وإنما يبدأ الاختبار الحقيقي بعدهما.

– فهل تستطيع “شي إن” أن تجعل 27 مليار دولار تبدو لاحقًا سعراً بخساً، أم أن السوق العام اكتشف ببساطة أن الـ 98 ملياراً كانت قصة جميلة لم تحصل قط على اختبارها الحقيقي؟

المصادر: أرقام- فايننشال تايمز- رويترز- سي إن بي سي- بورصة هونج كونج- المفوضية الأوروبية- بيانات شركة أوبر- إفصاحات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية

آخر الأخبار