في قاعة المحكمة، وقف “هوي كا يان”، البالغ من العمر 67 عاماً، شامخًا بوجه خالٍ من أي تعابير، تحيط به عناصر الشرطة في أول ظهور علني له منذ اختفائه المفاجئ في عام 2023.
الرجل الذي كان يُعد يومًا ما من أثرى أثرياء الصين وأحد مستشاريها السياسيين، استمع بهدوء إلى نهاية أسطورته: السجن المؤبد، مصادرة كافة ممتلكاته، وتجريده من حقوقه السياسية مدى الحياة، ليصبح المشهد الأخير مختلفًا تمامًا عن الصورة التي صنعها هوي” لنفسه على مدى عقود.
قصة نجاح كلاسيكية
لم تكن بداية “هوي” تنبئ بهذه النهاية المأساوية، وُلد في أواخر خمسينيات القرن الماضي في قرية فقيرة بمقاطعة خنان بوسط الصين، وتولّت جدته لأبيه تربيته.
كان شابًا طموحًا شق طريقه بصعوبة،عمل في الزراعة، ثم حارسًا للأمن، قبل أن ينجح في محاولته الثانية لاجتياز امتحان القبول الجامعي عام 1978، درس علم المعادن معتمدًا على المنح الدراسية، وبدأ حياته عاملاً في مصنع للصلب.
ولكن في عام 1992، وبمدخرات متواضعة لم تتجاوز 20 ألف يوان (أقل من 3 آلاف دولار)، اتجه نحو مدينة شنتشن المزدهرة بحثاً عن حلمه، هناك، بدأت رحلته الفعلية في عالم الأعمال عام 1996 بتأسيس مجموعة التطوير العقاري “إيفرغراند”.
شيدت الشركة مدنًا ومجمعات سكنية ومكاتب، وبلغت ذروتها بتوظيف 200 ألف شخص وتحقيق مبيعات فاقت 110 مليارات دولار، عبر أكثر من 1300 مشروع في 280 مدينة.

تضخيم الإيرادات
لم يكتفِ “هوي” بالعقارات، بل صنع لنفسه صورة القطب الباذخ، فامتلك ناديًا لكرة القدم، ومَوَّل أبحاثًا طبية في جامعة “هارفارد”، مرسّخًا هالة النجاح التي جعلته لسنوات من أثرى أثرياء الصين.
لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، كانت استراتيجية الشركة تعتمد على الاقتراض لشراء الأراضي، ثم بيع الشقق قبل اكتمال بنائها، ثم الاقتراض من جديد لتمويل المشروع التالي، دورة لا تتوقف، طالما استمر تدفق المال والثقة.
وبحسب ما كشفته المحكمة، ارتكب هوي و”إيفرجراند” وكياناتها التابعة عمليات احتيال مالي واسعة ومنهجية بين عامي 2016 و2021، قوامها تضخيم الأصول وإخفاء الديون الحقيقية.
وتشير الاتهامات الصينية التفصيلية إلى أن الشركة ضخّمت إيراداتها بشكل احتيالي بمقدار 78 مليار دولار خلال عامي 2019 و2020 فقط – وهما العامان اللذان سبقا مباشرة تعثرها عن سداد ديونها، من أجل جمع مزيد من الأموال من الأسواق المالية استناداً إلى هذه البيانات المالية المضللة.
لم يقتصر الأمر على المستثمرين، بل امتد الخداع إلى استغلال موظفي الشركة أنفسهم، الذين ضُغط عليهم لتقديم قروض قصيرة الأجل لإنقاذ سفينة كانت تغرق بالفعل.
وكشف تحقيق داخلي لاحق أن مديرين تنفيذيين دبروا في أواخر 2020 خطة للالتفاف على قيود الاقتراض، عبر ترتيب حصول أطراف ثالثة على تمويل باستخدام شركات تابعة لـ “إيفرغراند” كضمان – حلقة أخرى من هندسة إخفاء الحقيقة عن الدائنين والمنظمين على حد سواء.
بينما في تلك السنوات، كان “هوي” يعد ببناء أكثر من مليون وحدة سكنية في جميع أنحاء الصين، بينما تراكمت على المجموعة ديونٌ تجاوزت في إحدى المراحل ما يعادل 300 مليار دولار.

شرارة الانهيار
كان تشديد السلطات الصينية قيود الاقتراض على المطورين العقاريين، ثم جائحة “كوفيد-19” الشرارة التي أشعلت تباطؤًا اقتصاديًا أدى إلى انهيار “إيفرغراند”، تاركةً مئات الآلاف من الوحدات غير مكتملة، وعملاءً غاضبين لم يتمكنوا من استرداد ودائعهم.
وفي 2021، تخلفت “إيفرجراند” عن سداد ديونها، وشكلت شرارة انطلاق أزمة العقارات في الصين، إذ بدأت أسعار المنازل في الانخفاض ودخل السوق العقاري في حالة من الركود بعد سنوات من الطلب المتزايد، وفي مطلع 2024، كان القرار الحتمي من محكمة هونغ كونغ بتصفية الشركة.

الفصل الأخير
في أبريل 2026، أقر “هوي” بالذنب في عدة اتهامات خلال محاكمته، قبل أن تصدر المحكمة اليوم حكمها النهائي في القضية.
ووجهت إليه ولمجموعة “إيفرغراند” تهم عديدة، بينها الاحتيال المالي، وتضخيم الأصول، واختلاس الودائع العامة، والاحتيال في جمع التبرعات، وفرضت على المجموعة وشركتها العقارية التابعة غرامة إجمالية بلغت 2.35 مليار دولار.
وتمثل هذه الأحكام لحظةً فارقةً في أزمة العقارات المستمرة في الصين، والتي أثرت سلبًا على ثقة المستهلكين في البلاد، لذا جاء في نص الحكم أن “المبلغ المتورط فيه ضخم للغاية، والظروف بالغة الخطورة، وقد تسبب في خسائر اقتصادية فادحة. الضرر الذي لحق بالمجتمع جسيم للغاية، لذا يجب إنزال أشد العقوبات وفقًا للقانون”.
وبصدور الحكم اليوم، طويت الصفحة الأخيرة في رحلة “هوي” من عامل في مصنع للصلب إلى أحد أثرى رجال الأعمال في الصين، بعدما حملته التحقيقات والمحاكمة مسؤولية عمليات احتيال وتضخيم للأصول وإخفاء للديون، انتهت بانهيار “إيفرغراند” وسجنه مدى الحياة.
المصادر: أرقام – سي إن إن – وكالة “شينخوا” – نيويورك تايمز – وول ستريت جورنال
