كيف تفادت أوروبا نفاد وقود الطائرات؟

زمن القراءة: 5 دقائق

كان السيناريو يبدو قاتمًا في بداية أزمة مضيق هرمز، لأن أوروبا، التي تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من وقود الطائرات، فقدت فجأة مصدرًا رئيسيًا للإمدادات، بينما بدأت المخزونات في الانخفاض وارتفعت الأسعار.
وتصاعدت التحذيرات إلى حد توقع نفاد الوقود في بعض المطارات الأوروبية وإلغاء رحلات بحلول بداية الصيف، لكن يونيو مرّ، واستمر الطيران الأوروبي في العمل دون تقنين واسع أو نقص حاد، ليصبح التساؤل: كيف تجنبت أوروبا السيناريو الأسوأ؟
الاعتماد على الشرق الأوسط
قبل اندلاع الصراع، كانت أوروبا تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 75% من وارداتها من وقود الطائرات، بما يقارب 375 ألف برميل يوميًا، في حين، تستهلك القارة نحو 1.6 مليون برميل يوميًا، مقابل إنتاج لا يتجاوز 1.1 مليون برميل، ما يجعل الاستيراد ضرورة هيكلية.
وتبدو بريطانيا الأكثر تعرضًا للخطر، باعتبارها أكبر مستهلك لوقود الطائرات في أوروبا، إذ تستورد نحو 65% من احتياجاتها.
ومع اضطراب حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وتوقف الشحنات المحملة من المنطقة تقريبًا في أبريل، بدأت المخزونات في المراكز التجارية الرئيسية بالانخفاض إلى مستويات تاريخية متدنية.
وهو ما دفع “فاتح بيرول”، رئيس وكالة الطاقة الدولية، في أبريل إلى التحذير من أن المخزونات الأوروبية لا تكفي سوى لنحو ستة أسابيع، متوقعًا احتمال إلغاء الرحلات إذا استمر انقطاع الإمدادات.
كيف عوضت أوروبا النقص؟

لم تنتظر أوروبا عودة الإمدادات أو مواجهة السيناريو الأسوأ، بل أعادت توجيه خريطة مشترياتها، واستوردت وقودًا إضافيًا من الولايات المتحدة وكندا ونيجيريا والهند وكوريا الجنوبية.
وفي الوقت نفسه، رفعت المصافي الأوروبية إنتاج وقود الطائرات، وزادت نسبة كل برميل مكرر يُخصص لهذا المنتج، وفي إيطاليا ارتفع الإنتاج بنحو 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام.
ولم يقتصر الأمر على أوروبا، فقد رفعت المصافي الأمريكية إنتاج وقود الطائرات إلى مستويات قياسية، متجاوزًا مليوني برميل يوميًا على أساس متوسط أربعة أسابيع للمرة الأولى، بينما جذبت الأسعار المرتفعة في أوروبا وآسيا مزيدًا من الإمدادات الأمريكية عبر المحيط الأطلسي.
وامتد التكيف إلى جانبي العرض والطلب، فارتفاع أسعار الوقود جعل بعض الرحلات أقل جدوى اقتصاديًا، بينما أدت اضطرابات الشرق الأوسط إلى إلغاء رحلات أو تغيير مساراتها، ما خفض استهلاك الوقود في بعض المناطق الأكثر تأثراً.
وهنا ظهرت إحدى أهم خصائص أسواق السلع: التوازن لا يحتاج بالضرورة إلى حل واحد ضخم، بل قد يحدث عبر مئات التعديلات الصغيرة، مصفاة تزيد إنتاجها، وناقلة تغير مسارها، وشركة طيران تلغي مسارًا غير رابح، وحكومة تطرح جزءًا من احتياطياتها، هذه التحركات مجتمعة حولت خطر النقص المادي إلى صدمة في الأسعار.
أسعار وقود الطائرات
ترتفع تكاليف وقود الطائرات بنسبة أعلى قليلًا من أسعار النفط، إذ لا يمكن تحويل سوى نحو 10% من النفط المكرر إلى وقود طائرات، وفي الرابع من آب الجاري، بلغ سعر البرميل نحو 149 دولارًا، مقابل 90 دولاراً في بداية 2026، أي بزيادة 65% .
وهو ما انعكس على شركات الطيران والركاب، إذ يشكل الوقود نحو 20% إلى 25% من تكاليف تشغيل شركات الطيران، ما يحد من قدرتها على امتصاص الصدمة.
وبينما لجأت بعض الشركات إلى التحوط من أسعار الوقود، اتجهت أخرى إلى خفض الرحلات أو تعديل استخدام الطائرات، كما ارتفعت أسعار التذاكر في عدد من الأسواق لتعويض جزء من زيادة التكاليف.
لذلك، فإن أوروبا لم تتجنب أزمة وقود الطائرات بقدر ما أعادت توزيع تكلفتها، فالمخزون لم يعد إلى مستويات مريحة، والإمدادات أصبحت أكثر تكلفة، والأسعار باتت أكثر حساسية لأي اضطراب جديد.
الخطر لم ينتهِ
رغم تجاوز أوروبا الموعد النهائي الذي حددته التوقعات لنفاد الوقود، فإنها لم تخرج من الأزمة، فقد بلغت مخزونات وقود الطائرات الأوروبية نحو 38 مليون برميل فقط في أوائل حزيران، بما يكفي لأقل من شهر من الطلب.
وتعني هذه المستويات أن ما حدث في أوروبا ليس دليلًا على أن المخاوف الأولية كانت وهمية، بل شهادة على مرونة أسواق الطاقة وقدرتها على التكيف عبر تعديلات جزئية متعددة بدل الحل الجذري الواحد، لكن النظام لا يزال تحت ضغط، وأن أي اضطراب آخر كبير سينطلق من نقطة أكثر ضعفًا، في ظل مخزونات منهكة وأسعار لم تعد إلى مستوياتها الطبيعية.
المصادر: أرقام – أويل برايس – إدارة معلومات الطاقة الأمريكية – وكالة الطاقة الدولية – الجارديان – رويترز – الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)

آخر الأخبار