بعد انتهاء المهلة المحددة لتداولها رسمياً مع نهاية يوم الخميس الماضي، فقدت العملة القديمة قوتها الإبرائية وخرجت من التداول، فيما يستمر حق حامليها في استبدالها لمدة خمس سنوات وفق الآليات المعتمدة.
وتفتح هذه المرحلة نقاشاً حول آلية تنفيذ الاستبدال، لا سيما مع اقتصار إجراءات السحب على مصرف سوريا المركزي في دمشق، وما قد يترتب على ذلك من تحديات تتعلق بوصول المواطنين من مختلف المحافظات وإدارة الانتقال النقدي.
وانطلقت عملية استبدال العملة مطلع العام الحالي، وفق التعليمات التنفيذية لأحكام المرسوم رقم (293) لعام 2025 الخاص باستبدال العملة الوطنية، حيث حُددت مهلة أولية مدتها 90 يوماً، مع إمكانية تمديدها بقرار من حاكم مصرف سوريا المركزي قبل 30 يوماً من انتهاء المهلة النافذة، في حال اقتضت الحاجة ذلك.
وخلال الفترة الماضية، أصدر المصرف المركزي ثلاثة قرارات لتمديد مهلة استبدال فئات من العملة القديمة، إذ مُدّدت المهلة الأولى لمدة 60 يوماً إضافياً اعتباراً من الأول من نيسان 2026، تلاها تمديد ثانٍ لمدة 30 يوماً، ما أبقى المهلة مستمرة حتى نهاية حزيران، قبل صدور قرار ثالث بتمديدها 30 يوماً إضافياً انتهت بنهاية تموز الماضي.
الأساس القانوني
قال مصرف سوريا المركزي، في تصريح مقتضب لصحيفة “الثورة السورية”، إن عملية سحب العملة القديمة تتم حصراً عبر مقره في دمشق.
وتستند آلية سحب الأوراق النقدية التي تفقد قوتها الإبرائية إلى أحكام قانون النقد الأساسي رقم /23/ لعام 2002.
ونصت الفقرة (1) من المادة (20) على أن: “الأوراق التي لا تقدم للتبديل قبل انتهاء المهلة المحددة تفقد قوتها الإبرائية وتنزل من التداول، ويقوم مصرف سوريا المركزي في مركزه بدمشق، خلال خمس سنوات من ابتداء مدة السحب، بتسديد قيمة الأوراق التي تقدم للتبديل من دون أن يتقاضى أي نفقة”.
وبناءً على هذا النص القانوني، أوضح المصرفي أن التعليمات تنص على بدء عملية سحب الأوراق النقدية القديمة حصراً عبر المصرف المركزي في دمشق، باعتباره الجهة المخولة قانوناً بتنفيذ هذه الإجراءات، بما يضمن توحيد آلية التنفيذ وفق أحكام القانون.
وأوضح أن الأوراق النقدية القديمة فقدت قوتها الإبرائية اعتباراً من يوم الجمعة الماضي، 31 تموز، على أن تستمر مرحلة سحبها لمدة خمس سنوات وفق أحكام القانون، وتقدم طلبات السحب حصراً لدى مصرف سوريا المركزي في دمشق، وفق الضوابط والتعليمات الناظمة.
وبعد استكمال إجراءات التدقيق، تُحوّل القيمة المستحقة إلى الحساب المصرفي المحدد بالليرة السورية الجديدة.
القدرة على الوصول
فيما يحدد الإطار القانوني آلية استبدال العملة القديمة، يبرز الجانب العملي المرتبط بقدرة المواطنين على الوصول إلى نقطة الاستبدال الوحيدة وتنفيذ العملية بسهولة.
وفي هذا الإطار، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر، أن مهلة خمس سنوات لاستبدال الليرة القديمة تبدو مريحة زمنياً، لكن نقص السيولة وقيود السحب يجعلان عملية الاستبدال الفعلية مرهونة بتحسن البنية المصرفية قبل إنجازها بسلاسة.
وأكد السيد عمر، لصحيفة “الثورة السورية”، أن المواطنين في المحافظات البعيدة يحتاجون إلى وصول فعلي لنقاط استبدال متعددة، وليس مجرد مهلة زمنية.
ومن زاوية انعكاسات إدارة المرحلة الانتقالية، قال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، لصحيفة “الثورة السورية”، إن نجاح عملية الإحلال النقدي يرتبط بكيفية إدارة مرحلة ما بعد انتهاء التداول المزدوج، محذراً من أن حصر الاستبدال في دمشق قد يزيد صعوبات الوصول ويفتح المجال أمام نشوء سوق سوداء للعملة القديمة.
من جهته، ركّز المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، على الانعكاسات الاقتصادية للقرار، مشيراً إلى أن حصر سحب العملة في دمشق يتجاوز الجانب الإداري، وينعكس على حركة الأموال والنشاط التجاري وحياة المواطنين اليومية.
وأضاف مصطفى لصحيفة “الثورة السورية” أن القرار قد يفرض تحديات على مختلف الفئات الاقتصادية، رغم ارتباطه بهدف تعزيز الرقابة على السيولة وضبط العمليات المالية.
قنوات غير رسمية
حول الآثار المتوقعة لحصر سحب العملة القديمة بالمصرف المركزي في دمشق، يرى محمد أن هذا الإجراء قد يفاقم صعوبات الاستبدال، ويفتح المجال أمام تداعيات مرتبطة بظهور قنوات غير رسمية لتداول العملة القديمة.
وأوضح أن أبرز المخاطر الاقتصادية تتمثل باحتمال نشوء سوق سوداء للعملة القديمة وظهور فروق في قيمتها مقابل العملة الجديدة، إذ قد يلجأ بعض المواطنين غير القادرين على الوصول إلى دمشق إلى بيع ما بحوزتهم من أوراق نقدية قديمة بأسعار أقل من قيمتها، مقابل تولي وسطاء مهمة استبدالها.
وأضاف أن ذلك سيؤدي إلى خسائر غير مباشرة للمواطنين، إذ قد يضطر من لا يستطيع الوصول إلى دمشق إلى بيع ما بحوزته من العملة القديمة بأسعار أقل من قيمتها، في حين قد يحقق “المضاربون” أرباحاً غير مشروعة، أي قد تتركز مكاسب العملية لدى شبكات تمتلك القدرة على الوصول إلى نافذة الاستبدال.
وأشار إلى أن التداعيات المحتملة تشمل أيضاً تأثر النشاط الاقتصادي في المحافظات، إذ قد يواجه بعض التجار وأصحاب الدخول المحدودة صعوبات في استبدال أموالهم، ما ينعكس على قدرتهم على تأمين احتياجاتهم التجارية والوفاء بالتزاماتهم المالية.
ومن ناحية أخرى، اعتبر محمد أن حصر الاستبدال في نافذة واحدة قد يؤثر في دقة البيانات المتعلقة بحجم الكتلة النقدية، إذ قد لا تعكس الأموال التي تصل إلى دمشق التوزيع الفعلي للأوراق النقدية المتداولة، في حال تعذر وصول بعض المواطنين إلى مراكز الاستبدال أو لجوئهم إلى بيعها بأسعار أقل من قيمتها.
وحذر من أن استمرار صعوبة الوصول إلى الاستبدال قد يؤدي إلى بقاء جزء من العملة القديمة في التداول غير الرسمي ضمن نطاقات محدودة، ما يحد من فعالية هدف سحبها الكامل من السوق.
وعلى الصعيد الاجتماعي، لفت محمد إلى أن حصر الاستبدال في دمشق قد يثير مخاوف مرتبطة بتفاوت قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمة، ولا سيما بين سكان العاصمة والمحافظات البعيدة، ما قد يعزز الشعور بعدم تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمات المالية.
ورأى محمد أن معالجة هذه التحديات تتطلب تفعيل فروع المصرف المركزي ومكاتب المصارف العامة في جميع المحافظات، وإتاحة فترة استبدال أطول مع سقوف واضحة وعادلة. وأضاف أن الاقتصار على حلول أخرى قد ينقل التحديات من إدارة الكتلة النقدية إلى تداعيات اجتماعية أوسع.
وأكد محمد أن نجاح عملية الإحلال النقدي يرتبط بسياسة تعزز الثقة وتيسر وصول المواطنين إلى خدمات الاستبدال، مشيراً إلى أن الثقة تبقى ركناً أساسياً في نجاح أي عملة.
إبطاء حركة السيولة
من جهته، اعتبر المحلل مصطفى أن تركيز عمليات السحب في مركز واحد قد يبطئ حركة السيولة، لا سيما بالنسبة للشركات والتجار القادمين من المحافظات، نتيجة زيادة الوقت والتكاليف المرتبطة بالإجراءات، كما قد يؤثر ذلك في سرعة دوران الأموال وقدرة بعض الأسواق على تلبية احتياجاتها النقدية.
وأضاف أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة قد تواجه صعوبات في الحصول على السيولة اللازمة لتغطية رواتب العاملين أو شراء المواد الأولية، ما قد ينعكس على الإنتاج وفرص العمل، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي تتطلب مرونة وسرعة في الوصول إلى الخدمات المصرفية.
كما أن القرار قد يفرض أعباء إضافية على المواطنين، لا سيما سكان المحافظات البعيدة عن دمشق، نتيجة تكاليف السفر والإقامة، فضلاً عن الوقت الذي تستغرقه إجراءات الاستبدال، وفق مصطفى.
وأوضح أن ذلك قد يزيد الضغوط على الأسر محدودة الدخل، ويعزز الشعور بعدم تكافؤ فرص الوصول إلى الخدمات المالية، كما قد يدفع بعض المواطنين إلى الاعتماد على السوق النقدية غير الرسمية أو الوسطاء الماليين، بما قد يحد من فعالية السياسات النقدية ويزيد المخاطر المرتبطة بالتعاملات خارج القنوات المصرفية المنظمة.
في المقابل، رأى مصطفى أن الجهات الحكومية قد تعتبر تركيز عمليات السحب وسيلة لتعزيز الرقابة على الكتلة النقدية، والحد من التجاوزات، وتحسين إدارة السيولة خلال الفترات التي تتطلب إجراءات استثنائية، لكنه أشار إلى أن نجاح هذه السياسة يرتبط بتوفير بدائل مصرفية فعالة، مثل توسيع خدمات الفروع في المحافظات، وتطوير أنظمة الدفع الإلكتروني، وتسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات المالية من دون أعباء إضافية.
وشدد مصطفى على أن أي سياسة نقدية تكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها عندما توازن بين متطلبات الاستقرار المالي واحتياجات النشاط الاقتصادي والمواطنين، مؤكداً أن تطوير البنية المصرفية وتوسيع نطاق الخدمات في مختلف المحافظات قد يسهمان في تحقيق الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية في آنٍ واحد.
ميساء العلي
المصدر: الثورة السورية
العملة القديمة خارج التداول.. حصر استبدالها في دمشق أمام تحديات التنفيذ
