العالم الاقتصادي- وكالات
سلطت مزاعم تتعلق باستخدام وثائق مشكوك في صحتها كضمانات لعمليات تمويل الضوء على شركة “راديانت وورلد” (Radiant World) إحدى أكبر شركات تداول خام الحديد عالمياً، بعدما دفعت بنوك ومؤسسات مالية وشركات تداول كبرى إلى إعادة تقييم علاقاتها مع الشركة التي بنت خلال عقدين حضوراً مؤثراً في سوق المواد الخام.
وبرزت الشركة في عرض تقديمي أعدته نهاية عام 2024 باعتبارها شبكة عالمية واسعة من الموردين والشركاء التجاريين، بعدما تضاعفت قيمتها الصافية 3 مرات خلال 5 سنوات. كما أصبحت تتعامل مع كميات ضخمة من خام الحديد جعلتها بين أكبر المتداولين عالمياً لهذه السلعة الحيوية المستخدمة في صناعة الصلب.
وضمت قائمة شركائها أسماء بارزة مثل “غلينكور” (Glencore) و”Cargill”، إلا أن تلك العلاقات تعرضت للاهتزاز بعدما أفادت تقارير بأن الشركات المذكورة قلصت أو أوقفت تعاملاتها الجديدة مع “راديانت وورلد” وسط مخاوف من تقديم مستندات تمويل تتضمن معلومات غير صحيحة بشأن صفقات خام الحديد. في المقابل، نفت الشركة هذه الاتهامات بشكل قاطع.
وكشفت التطورات عن حجم النفوذ الذي راكمته الشركة بعيداً عن الأضواء، إذ بات بعض المتعاملين ينظرون إليها باعتبارها لاعباً مؤثراً في سوق خام الحديد بحد ذاته، مع مخاوف من أن أي ضغوط مالية تتعرض لها قد تنعكس على أسعار الخام العالمية.
وبلغت إيرادات “راديانت وورلد” نحو 12 مليار دولار سنوياً، ما جعلها طرفاً رئيسياً في تعاملات عدد من أكبر شركات التعدين والتجارة والبنوك العالمية، فضلاً عن كونها مقترضاً مهماً من المؤسسات المالية.
وأجبرت الأزمة بنوكاً ومستثمرين على مراجعة انكشافهم على الشركة، من بينهم “إنتسيا سان باولو” الإيطالي وصندوق “بوينت بونيتا” التابع لـ “جيفريز فاينانشال غروب”، وأعلن بنك “إنتسيا” تكوين مخصصات مرتبطة بانكشافه على الشركة، فيما أظهرت سجلات الشركات أن ما يصل إلى نحو 20 بنكاً ودائناً قد تكون لهم تعاملات مالية معها.
ولم تتضح بعد الخسائر المحتملة لهذه الجهات، إذ قال البنك الإيطالي إن حجم انكشافه يبلغ نحو 200 مليون يورو، بينما تقل قيمة انكشاف صندوق “بوينت بونيتا” عن 300 مليون دولار. وتشير مصادر مطلعة إلى أن الطرفين لا يزالان يأملان في استرداد أموالهما، كما أن بعض المستثمرين يعتقدون أن الصفقات الأساسية نفسها كانت حقيقية رغم وجود مشكلات في الوثائق المستخدمة للتمويل.
وأعادت القضية إلى الواجهة المخاطر الكامنة في أحد أكثر أركان التمويل التجاري شيوعاً، حيث تعتمد البنوك على مستندات مثل الفواتير وسندات الشحن كضمانات لإقراض شركات تجارة السلع.
وكشفت التحقيقات الأولية أن بنوكاً بدأت التواصل مع الأطراف المقابلة لـ”راديانت وورلد” للتحقق من صحة الفواتير المقدمة للحصول على التمويل، وفي إحدى الحالات، تبين أن فواتير مرتبطة بصفقات مزعومة مع شركة “فيتول” استُخدمت للحصول على تمويل من بنك “إنتسيا”، قبل أن تبلغ “فيتول” البنك بأن بعض الصفقات المشار إليها لا وجود لها، بحسب مصادر “بلومبرغ” .
ونفت “راديانت وورلد” جميع الاتهامات، مؤكدة في بيان على موقعها الإلكتروني أن المزاعم “غير دقيقة وغير مدعومة بأدلة”، وأن الشركة تدير أعمالها وفق أعلى المعايير التجارية والقانونية وتلتزم بجميع متطلبات العناية الواجبة مع المؤسسات الممولة، كما شددت على أن عملياتها مستمرة بصورة طبيعية.
وكشفت المصادر أيضاً أن بيانات صفقات حديثة قدمتها الشركة لإثبات تعاملاتها مع “Glencore” و”Cargill” و”Vitol” تضمنت أرقام عقود لا تتطابق مع أي صفقات فعلية تربط الشركة بهذه المؤسسات، وفقاً للمصادر نفسها.
وبدأت رحلة “راديانت وورلد” عام 2003 عندما أسسها رجل الأعمال ناهار وهو في الثالثة والعشرين من عمره.
وركزت الشركة في بدايتها على تصدير خام الحديد من الهند قبل أن تتوسع إلى السوق الصينية مع الطفرة الصناعية الهائلة التي شهدتها البلاد خلال العقد الأول من الألفية.
وعمقت الشركة علاقاتها تدريجياً مع مصانع الصلب الصينية والشركات المملوكة للدولة، إضافة إلى عمالقة التعدين العالميين مثل “Vale” و”Rio Tinto” و”BHP”. ومنذ عام 2012، وسعت تعاونها مع كبار تجار المعادن والمواد الأولية مثل “Trafigura” و”Cargill” و”Glencore” .
وشهدت أعمال الشركة نمواً استثنائياً خلال العقد الماضي، إذ ارتفعت أحجام تداولها من نحو 7 ملايين طن من خام الحديد سنوياً في عام 2014 إلى 43 مليون طن في 2024، واستمر التوسع خلال 2025 لتقترب الكميات المتداولة من 65 إلى 70 مليون طن سنوياً، إلى جانب دخولها أسواق معادن أخرى مثل النحاس والألومنيوم.
ورغم هذا النمو السريع، حافظت الشركة على حضور إعلامي محدود للغاية. ونادراً ما ظهر مؤسسها ناهار في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة، بينما وصفه مقربون منه بأنه شخصية هادئة ومثقفة تهوى لعبة الشطرنج، إلى جانب نشاطه في مجالات إدارة الثروات والعمل الخيري وإنتاج الأفلام.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تواجه فيها الشركة تساؤلات حول مستندات الشحن الخاصة بعملياتها. فقد أوقفت “Rabobank” الهولندية تمويلها للشركة مطلع عام 2020 بعد تحقيق داخلي خلص إلى وجود معاملات تضمنت مستندات شحن مزورة. وذكر التقرير آنذاك أن مستوى تورط الشركة أثار تساؤلات جدية بشأن نزاهتها، بينما نفت “راديانت وورلد” علمها بالتحقيق وأكدت أنها لم تخضع لأي ملاحقة أو تحقيق تنظيمي.
فضيحة تزوير تضرب أشهر إمبراطورية تجارة حديد عالمية صاعدة
