في عام 1988، زار “أندرو جروف”، الرئيس التنفيذي الأسطوري لشركة إنتل، مجمعًا تصنيعيًا حديثًا في تايوان، حينها كان وادي السيليكون يشكك في جدوى التصنيع المخصص للغير، ويعتبر أن الاعتماد على طرف ثالث مخاطرة ونموذج عمل هش أمام تقلبات السوق.
ففي أواخر الثمانينيات، كان كثير من التنفيذيين في قطاع الرقائق يعتبرون أن “التصنيع للغير نموذج ضعيف”، وأن الشركة التي لا تمتلك منتجاتها الخاصة لن تستطيع بناء أعمال مستدامة.
ورغم هذه التحفظات، تمكنت شركة تي إس أم سي (TSMC) الناشئة من اجتياز أكثر من 200 اختبار أمني وتشغيلي صارم وضعه مهندسو إنتل حتى نالت موافقتها لأن تكون طرف ثالث.
لم تكن تلك اللحظة مجرد بداية لشراكة تجارية، بل كانت نقطة التحول التي فتحت الباب تدريجيًا أمام إعادة رسم خارطة صناعة الرقائق.
وبعد أقل من أربعة عقود، تحولت تلك الفكرة التي قوبلت بالتشكيك حينها إلى أكبر شركة لتصنيع الرقائق الإلكترونية في العالم، وأصبحت تنتج الشرائح التي تشغل أجهزة آبل وإنفيديا وإيه إم دي وكوالكوم وعشرات الشركات العملاقة.
وبحلول عام 2025، تجاوزت إيرادات الشركة 122 مليار دولار أمريكي بزيادة قدرها 36% عن العام السابق، محققة أعلى نتائج مالية في تاريخها.
ولد “موريس تشانغ” في الصين عام 1931، وانتقل لاحقًا إلى الولايات المتحدة، حيث درس الهندسة الميكانيكية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قبل أن يحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية.
وبدأ مسيرته المهنية داخل شركة تكساس إنسترومنتس، إحدى أكبر شركات الرقائق آنذاك، وقضى فيها أكثر من ربع قرن، شارك خلالها في تطوير تقنيات التصنيع، قبل أن يتولى مناصب تنفيذية عليا.
ورغم نجاحه، أدرك “تشانغ” أن صناعة الرقائق تتجه نحو نقطة تحول؛ فتكلفة إنشاء مصانع جديدة أصبحت ترتفع بوتيرة هائلة، بينما باتت الشركات الصغيرة والمتوسطة تجد صعوبة متزايدة في تمويل مصانعها الخاصة.
وفي عام 1985، دعت الحكومة التايوانية “تشانغ” لقيادة جهود تطوير صناعة أشباه الموصلات في الجزيرة، مستفيدة من خبرته الطويلة في وادي السيليكون.
وبعد عامين فقط، تأسست شركة تايوان لتصنيع الرقائق بدعم من الحكومة التايوانية وشركة فيليبس الهولندية، لتصبح أول شركة في العالم تتبنى نموذج التصنيع للغير دون منافسة العملاء في تصميم المنتجات.
السباحة عكس التيار
في ذلك الوقت، كانت شركات مثل إنتل وتكساس إنسترومنتس وموتورولا تصمم رقائقها وتصنعها داخل مصانعها الخاصة، وكان هذا النموذج هو القاعدة السائدة.
أما فكرة “تشانغ” فكانت تعني الاعتماد بالكامل على طلبات شركات أخرى، دون امتلاك أي منتج خاص يمكن أن يحمي الإيرادات في أوقات التراجع.
كما أن تصنيع الرقائق يُعد من أكثر الصناعات كثافة في رأس المال؛ إذ يحتاج إنشاء مصنع متقدم إلى استثمارات بمليارات الدولارات، في حين تتغير التكنولوجيا كل بضع سنوات، ما يجعل أي تأخير في التطوير كفيلًا بتحويل المصنع إلى أصل مرتفع التكلفة قليل الجدوى.
وتُظهر المشروعات الحالية حجم رأس المال المطلوب في هذه الصناعة؛ إذ تخطط تي إس إم سي لاستثمار نحو 165 مليار دولار أمريكي في مجمعها الصناعي بولاية أريزونا، الذي يضم ستة مصانع متقدمة لإنتاج الرقائق، ومنشأتين للتغليف المتقدم، ومركزًا للبحث والتطوير.
وفي المقابل، تنفذ سامسونج إلكترونيكس مشروعًا تتجاوز استثماراته 37 مليار دولار في ولاية تكساس، بينما تستثمر إنتل أكثر من 28 مليار دولار لإنشاء مصنعين متقدمين في ولاية أوهايو.
ورغم هذه التكلفة، كان موريس تشانغ ينظر إلى المشكلة من زاوية مختلفة؛ فقد كان مقتنعًا بأن شركات التصميم ستصبح أكثر ابتكارًا إذا تخلصت من عبء امتلاك المصانع مع تمكنها من تحقيق وفورات لا تستطيع شركات أخرى الوصول إليها، وبالفعل نجح في هذا الرهان.
الحياد.. سلاح غيّر قواعد المنافسة
لم يكن الابتكار الحقيقي لدى تي إس إم سي في بناء المصانع فحسب، بل في الحياد، فالشركة اتخذت منذ يومها الأول قرارًا استراتيجيًا بعدم تصميم أو بيع أي رقائق تحمل علامتها التجارية، حتى لا تصبح منافسًا لعملائها.
هذا القرار منح شركات التصميم الثقة في مشاركة أكثر ابتكاراتها سرية مع تي إس إم سي، لأنها كانت تعلم أن الشركة لن تستخدم هذه المعرفة لإطلاق منتجات تنافسها.
وتصف الشركة هذا المبدأ في تقاريرها السنوية بأنه الأساس الذي قامت عليه، مؤكدة أن نجاحها يعتمد على نجاح عملائها أولًا.
وبحلول عام 2025، كانت الشركة تخدم 534 عميلًا، وأنتجت ما يزيد على 12,680 منتجًا باستخدام 305 تقنيات تصنيع مختلفة، وفق تقريرها السنوي.
هذا النجاح ساهم لاحقًا في ازدهار قطاع الشركات “عديمة المصانع” التي تتولى تصميم الرقائق وتسويقها دون امتلاك مصانع لإنتاجها، مثل إنفيديا وكوالكوم وإيه إم دي وميدياتك.
ووفقًا لتقديرات مؤسسة تريندفورس، قفزت الإيرادات المجمعة لأكبر 10 شركات في هذا القطاع بنسبة 44% لتصل إلى 359.4 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025، بقيادة شركة إنفيديا.
ويعكس ذلك كيف تحول النموذج الذي اعتبره كثيرون مخاطرة في ثمانينيات القرن الماضي إلى ركيزة أساسية تقود أحد أكبر قطاعات التكنولوجيا في العالم.
طفرة الذكاء الاصطناعي تعزز هيمنة الشركة
أحدثت الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي تحولًا جديدًا في مسيرة الشركة.
فمع الارتفاع الكبير في الطلب على معالجات الذكاء الاصطناعي، وخاصة تلك التي تطورها إنفيديا، أصبحت مصانع الشركة تعمل بطاقات إنتاجية مرتفعة لإنتاج أكثر الرقائق تقدمًا باستخدام تقنيات 3 نانومتر والاستعداد للإنتاج التجاري لتقنية 2 نانومتر.
وأكدت الإدارة التنفيذية للشركة مرارًا أن الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي يفوق القدرة الإنتاجية الحالية، وهو ما دفعها إلى تسريع خطط التوسع داخل تايوان، إلى جانب إنشاء مصانع جديدة في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.
هذا الطلب القوي انعكس في إيرادات الشركة خلال النصف الأول من العام الحالي، التي قفزت بنحو 35.6% لتصل إلى 74 مليار دولار أمريكي، فيما بلغ صافي الربح 39.5 مليار دولار مرتفع بنسبة 66%.
وبذلك تحولت الشركة التي بدأت برأسمال محدود في عام 1987 إلى أكبر شركة مستقلة لتصنيع الرقائق في العالم.
أما من حيث الحصة السوقية، فتشير بيانات شركة تريندفورس إلى أن تي إس إم سي استحوذت على نحو 69.9% من سوق خدمات تصنيع الرقائق عالميًا خلال عام 2025، محققة مبيعات بلغت 122.5 مليار دولار بزيادة 36.1% عن العام السابق.
وبتلك الحصة السوقية تتقدم الشركة بفارق شاسع على أقرب منافسيها، شركة سامسونج للإلكترونيات التي بلغت حصتها 7.2% فقط.
وتُنتج الشركة اليوم مئات الآلاف من رقائق السيليكون شهريًا داخل شبكة تضم مصانع متطورة ومراكز تغليف واختبار، بينما يعمل لديها أكثر من 80 ألف موظف حول العالم، وفق بياناتها الرسمية.
قبل أربعة عقود، كان الاعتقاد السائد أن التصنيع للغير نموذج هش، وأن امتلاك المصنع والمنتج معًا هو الطريق الوحيد للنجاح.
لكن ما حدث لاحقاً قلب هذه القناعة رأسًا على عقب؛ وغير الحكم بالفشل الذي عبرت عنه تلك العبارة لتثبت الأيام أن أكثر الأفكار جرأة قد تصبح أكثرها تأثيرًا.
واليوم، وبينما تتسابق الشركات والدول على بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي، تقف تي إس إم سي شاهداً حياً على أن الرهان الأكبر لم يكن على الرقائق نفسها، بل على نموذج أعمال أعاد تشكيل واحدة من أهم الصناعات في الاقتصاد العالمي.
المصادر: أرقام- تي إس إم سي- تريندفورس- وكالة رويترز- رابطة صناعة أشباه الموصلات
عبارة غيّرت مصير بيزنس .. التصنيع للغير نموذج ضعيف
