في خطوة وُصفت بالاستراتيجية لإعادة تفعيل أحد أهم مشاريع الربط النفطي في المنطقة وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، وقّعت دمشق، يوم الجمعة الفائت 17 تموز، مع بغداد وائتلاف من الشركات الدولية مذكرتي تفاهم لإحياء خط نقل النفط «كركوك–بانياس»، في إطار تطوير البنية التحتية وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتكامل الاقتصادي بين البلدين.
وممثلاً عن الحكومة السورية، وقّع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، المهندس يوسف قبلاوي، المذكرتين، بحضور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ووزير الطاقة الأميركي وعدد من كبار المسؤولين، وفق وكالة الأنباء السورية «سانا». وشملت المذكرة الثانية ائتلافاً دولياً يضم شركات «شيفرون» و«يو سي سي هولدينغ» و«تيل كابيتل»، لإعداد الدراسات الفنية والمالية والأسس التنفيذية للمشروع، بما يشمل إعادة تأهيل خط الأنابيب والمنشآت المرافقة له وفق المعايير الفنية، تمهيداً لبدء التنفيذ وتعزيز الشراكات الدولية والاستثمارات في قطاع الطاقة.
وكانت تقارير إقليمية قد أشارت إلى أن وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني سيزور واشنطن للانضمام إلى الزيدي وتوقيع اتفاق إعادة فتح خط الأنابيب.
من جانبها، أشارت “الإخبارية السورية” إلى أن الجانبين أكدا التزامهما بالتنسيق المشترك لاستكمال إجراءات إعادة تشغيل الخط، ووضع الإطار القانوني والتنظيمي اللازم للمشروع، بإشراف المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك.
وفي هذا السياق، قال مصدر غربي لصحيفة «الشرق الأوسط» إن باراك يعمل على ترجمة مقاربته تجاه دمشق وبغداد إلى مشاريع ملموسة، عبر تأسيس «نواة لتحالف مصالح جديد» يربط العراق وسوريا وشركاء إقليميين بممر أقصر إلى البحر المتوسط، بما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
وقال باراك إن العراق وسوريا وتركيا تمثل «المحور الاستراتيجي» الذي يجب أن يدور حوله أي استقرار دائم في الشرق الأوسط. ووفقاً للصحيفة، فإن إنجاز الاتفاق بصيغته المطروحة يعكس تحولاً في المقاربة الأميركية تجاه المنطقة نحو رعاية مشاريع عابرة للحدود تربط العراق بساحل البحر المتوسط، كما يمنح سوريا دوراً أكبر في إعادة تشكيل خريطة تدفقات الطاقة في المنطقة.
ووفقاً لنائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول لشؤون النقل والتخزين، المهندس أحمد قبه جي، من المخطط البدء بتنفيذ المشروع خلال شهر إلى شهرين، فيما تستغرق أعمال التنفيذ 30 شهراً. ورجّح قبه جي، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، دخول دول أخرى على خط المشروع في مراحل لاحقة، نظراً إلى طابعه الاستراتيجي ودوره في ربط دول المنطقة، مشيراً إلى أنه يُعد من أبرز المشاريع المطروحة حالياً.
ونوّه قبه جي إلى أن ست شركات عالمية أصبحت ضمن الائتلاف الخاص بتنفيذ المشروع، الذي يقوم على إنشاء خطين لنقل النفط من كركوك إلى بانياس، بطول يصل إلى 1520 كيلومتراً وقطر يبلغ 52 إنشاً، وبطاقة تصديرية تُقدّر بنحو مليوني برميل يومياً. وأوضح أن إنجاز المشروع سيحقق عوائد للبلدين، وستكون له انعكاسات إيجابية عليهما وعلى دول المنطقة، مشيراً إلى اهتمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمشروع خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق.
الخطوة استراتيجية وليست تكتيكية
يُعد خط كركوك–بانياس من أقدم خطوط نقل وإمداد النفط في المنطقة، إذ اكتمل إنشاؤه عام 1952 بواسطة شركة النفط العراقية، بطاقة تقارب 300 ألف برميل يومياً، لكنه تعرض لعمليات إغلاق عدة، كان أطولها عام 1982، عندما أغلقته حكومة البعث في دمشق دعماً لطهران خلال الحرب العراقية–الإيرانية بين عامي 1980 و1988. وكلّف ذلك الإغلاق العراق مليارات الدولارات خلال فترة حرجة، واستمر حتى عام 2000، قبل أن يُغلق الخط مجدداً عام 2003 عقب الغزو الأميركي للعراق.
ولم تنجح المقترحات السابقة لإعادة تأهيل الخط، ومنها مبادرة طُرحت عام 2007 بقيادة شركة «غازبروم» الروسية، إلى جانب مبادرة أخرى طرحتها بغداد ودمشق عام 2011.
لاحقاً، أعاد سقوط نظام الأسد المخلوع ترتيب المشهد الجيوسياسي السوري بصورة جذرية، وأثار التحول الجديد مخاوف لدى فصائل سياسية شيعية متحالفة مع إيران في العراق. ومع ذلك، فتح رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني قنوات دبلوماسية مع الحكومة الجديدة في دمشق.
وكان مشروع كركوك–بانياس من الملفات التي ناقشها مدير جهاز المخابرات الوطنية العراقي السابق حامد الشطري مع السيد الرئيس أحمد الشرع خلال زيارته إلى دمشق في نيسان 2025، ما يشير إلى أهمية المشروع لدى الجانب العراقي. وفي آب 2025، تواصلت المناقشات بشأن المشروع بين وزير النفط العراقي حيان عبد الغني ووزير الطاقة السوري محمد البشير.
ويأتي ذلك ضمن خطط الحكومة العراقية لتنويع طرق تصدير النفط، التي ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب في إيران وعودة حركة الشحن عبر المضيق إلى طبيعتها، وفق مسؤولين عراقيين في قطاع النفط، في إطار استراتيجية أقرتها الحكومة لتقليل اعتماد العراق على ممر واحد للتصدير. وقال المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي لوكالة «رويترز»: «بالتأكيد تولي الحكومة العراقية ووزارة النفط موضوع تنويع منافذ التصدير، وبالذات من خلال الأراضي السورية، الأهمية القصوى».
ويمثل المشروع خطوة استراتيجية للبلدين، وفق الباحث والمحلل السياسي السوري فراس حاج يحيى، إذ يرى أنه يعيد رسم خريطة الطاقة في المشرق، ولا يقتصر على نقل النفط. وأضاف، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، أن المشروع يوفر للعراق منفذاً إضافياً إلى البحر المتوسط، ويقلل اعتماده على مسار واحد للتصدير، وهو أمر تزداد أهميته في ظل التوترات المتكررة في الخليج وأزمة مضيق هرمز.
أما بالنسبة إلى سوريا، فيرى حاج يحيى أن المشروع يعيد إليها دورها دولةَ عبور للطاقة، ويوفر لها إيرادات من رسوم العبور والخدمات النفطية، إلى جانب إعادة تأهيل البنية التحتية. وعلى المستوى الإقليمي، يعزز المشروع الترابط الاقتصادي بين البلدين، ويؤسس لممر استراتيجي يمكن أن يمتد مستقبلاً ليشمل الغاز والكهرباء والنقل، بما ينعكس على استقرار المنطقة.
وقال حاج يحيى: «الأهمية الحقيقية للخط أنه يحول الجغرافيا السورية والعراقية من مصدر للمخاطر إلى أصل اقتصادي مشترك، ويمنح المنطقة مساراً برياً بديلاً عن نقاط الاختناق البحرية».
من جانبه، يرى المحلل السياسي العراقي حسين الأسعد أن إعادة تشغيل خط أنابيب النفط الرابط بين كركوك وبانياس لا تمثل تحولاً اقتصادياً ناتجاً عن المواجهات العسكرية وإغلاق مضيق هرمز فقط، وإنما تحمل أبعاداً تتصل بإعادة تشكيل خريطة المنطقة سياسياً.
وأشار، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، إلى أن التغيير الحالي في العراق، إلى جانب التحول الذي شهدته سوريا نهاية عام 2024، وشخصية رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، الذي يبتعد عن التوجه السياسي الإيراني، عوامل قد تؤدي إلى تقارب الطرفين وإعادة ترتيب العلاقات السياسية بينهما.
وأضاف الأسعد أن توم باراك يمثل الرئيس الأميركي في بغداد ودمشق، ما يشير إلى وجود ترابط سياسي برعاية أميركية في المنطقة، وهو ما يتطلب، وفق رأيه، تعزيز العلاقات السياسية بين البلدين. وأوضح أن الاقتصاد من أبرز المجالات القادرة على تقوية العلاقات بين الدول، وهو ما يحتاج إليه البلدان في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن مشروع خط كركوك–بانياس يمكن أن يحقق عوائد لسوريا، ويوفر للعراق منفذاً إضافياً لتصدير نفطه.
وفي سياق متصل، قال رئيس تطوير الأعمال المؤسسية في شركة «شيفرون» جيك سبيرينج، خلال زيارة الزيدي إلى مقر الشركة، إن «شيفرون» ستستثمر في خط أنابيب يتيح تجنب المرور عبر مضيق هرمز ويفتح مساراً بديلاً لصادرات النفط العراقية. وأضاف أن الخط قد ينقل النفط العراقي إلى الساحل السوري.
ويأتي ذلك بعد تضرر صادرات العراق جراء التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، نتيجة الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز. بدوره، قال باراك إن الحرب تسببت، من جهة، في حالة من الفوضى والارتباك، لكنها وضعت العراق، من جهة أخرى، «في طليعة تحالف أمني استراتيجي جديد» مع الولايات المتحدة ودول أخرى.
انفتاح اقتصادي وتعاون لمصلحة الشعبين الشقيقين
يُعد خط كركوك–بانياس أحد أبرز مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية إقليمياً، وفق وكالة الأنباء السورية «سانا»، إذ تستهدف أعمال إعادة التأهيل الوصول إلى طاقة تشغيلية تُقدّر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يومياً، بما يسهم في إعادة تفعيل أحد أهم ممرات نقل الطاقة الإقليمية، ويعزز موقع سوريا ممراً لعبور الطاقة باتجاه البحر المتوسط.
وفي هذا الإطار، يأتي توقيع دمشق مذكرتي التفاهم ضمن جهود تطوير البنية التحتية لقطاع النفط والغاز، وتوسيع التعاون الإقليمي والدولي، واستقطاب الاستثمارات، بما يدعم أمن الطاقة ويسهم في التنمية الاقتصادية ويعزز دور سوريا في منظومة نقل الطاقة الإقليمية.
وفي السياق ذاته، قال وزير الطاقة محمد البشير، في تدوينة على منصة «إكس»: «إن توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس يمثل خطوة استراتيجية لإعادة تشغيل أحد أهم خطوط نقل النفط في المنطقة، وتعزيز مكانة سوريا ممراً إقليمياً للطاقة يربط موارد المنطقة بالبحر المتوسط»، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تفتح آفاقاً جديدة للتعاون والاستثمار وتعزز دور سوريا في منظومة الطاقة الإقليمية.
ويرى الباحث فراس حاج يحيى أن إعادة تشغيل الخط ستفتح المجال أمام استثمارات في مجالات الطاقة والتخزين والتكرير والخدمات اللوجستية، إضافة إلى توفير فرص عمل وتنشيط الاقتصاد المحلي. وأوضح أن نجاح المشروع يبقى مرتبطاً بتوفير بيئة قانونية مستقرة، وضمانات للمستثمرين، وشفافية في إدارة المشروع، نظراً إلى أن رأس المال يبحث عن الاستقرار السياسي والقانوني قبل العائد الاقتصادي.
ونوّه إلى أن المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود تخلق مصالح اقتصادية طويلة الأجل، ما يدفع الدول إلى تعزيز التعاون الأمني وحماية البنية التحتية المشتركة.
وعلى الجانب العراقي، يرى حاج يحيى أن القيمة الاستراتيجية للمشروع لا تعني أنه سيحل محل مضيق هرمز أو موانئ البصرة وخط جيهان، وإنما يضيف مساراً جديداً إلى منظومة التصدير العراقية ويخفض مخاطر الاعتماد على ممر واحد. وأوضح أن نجاح المشروع يتوقف على وجود اتفاقيات قانونية شفافة، وضمانات أمنية، وتمويل دولي، وتقييم فني وبيئي شامل، وآلية عادلة لتوزيع العائدات والمسؤوليات.
من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز» الفرنسية باتريك بويان: «عندما تكون في العراق وتحتاج إلى الوصول إلى البحر، يمكنك التوجه جنوباً عبر الكويت والسعودية، أو نحو سوريا أو تركيا»، مشيراً إلى أن مضيق هرمز أصبح يمثل تهديداً حقيقياً، ما يستدعي، وفق رأيه، إعطاء الأولوية لمد خطوط أنابيب قادرة على تصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط من دون الحاجة إلى مرور السفن عبر المضيق.
«في الحقيقة، يمثل مضيق هرمز تهديداً حقيقياً، لذا يتعين علينا التحرك. ولضمان عدم استمرار هذا التهديد، لا يوجد سوى حل واحد، وهو الاستثمار في مد خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، وهذه أولوية قصوى»، قال بويان، مشيراً إلى أهمية إيجاد طرق بديلة للتصدير، ومذكّراً باكتشاف «توتال إنرجيز» النفط في العراق عام 1928، ومد خط أنابيب يربط العراق بسوريا. وأضاف لوكالة «رويترز»: «إذا كان أسلافنا فعلوا ذلك قبل مئة عام، فأعتقد أن بوسعنا تكرار ذلك اليوم أيضاً».
وبحسب مسؤولين عراقيين وإقليميين كبار تحدثوا إلى موقع «ميدل إيست آي»، فإن تحركات العراق وسوريا والولايات المتحدة تأتي في إطار جهود تقليص سيطرة إيران على مضيق هرمز، إذ اكتسب خط أنابيب كركوك–بانياس أهمية أكبر بعد تعزيز إيران سيطرتها على المضيق، رداً على الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدها. وخلال الحرب، بدأ العراق تصدير النفط الخام عبر سوريا باستخدام شاحنات ناقلة، إلا أن الكميات كانت محدودة.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه بغداد إلى تنويع منافذ تصدير نفطها وتقليل اعتمادها على المسارات البحرية التقليدية، فيما تتجه سوريا إلى استثمار موقعها الجغرافي لاستعادة دورها ممراً إقليمياً للطاقة والتجارة. وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في تصريح سابق لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن العلاقات مع سوريا «تتجه إلى أن تكون جيدة»، وإن بغداد تمضي نحو «انفتاح اقتصادي وتعاون لمصلحة الشعبين الشقيقين».
وكان الجانبان قد اتفقا، في تشرين الثاني 2025، على تكليف مستشار بتقييم وضع خط كركوك–بانياس، قبل أن تظهر نتائج التقييم أن الأنبوب القديم لم يعد صالحاً للتشغيل، ما دفعهما إلى دراسة خيار إنشاء خط جديد موازٍ.
ويرى المحلل السياسي العراقي حسين الأسعد أن الخط سيعيد بناء الثقة بين الجانبين العراقي والسوري، في ظل محاولات بعض الأوساط السياسية القريبة من إيران، التي لم تتقبل التغيير الذي شهدته سوريا بعد سقوط نظام الأسد، عرقلة المشروع.
وأضاف الأسعد، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، أن إعادة تشغيل الخط بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً من شأنها تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين البلدين، منوهاً إلى أن المنطقة تشهد حالياً متغيرات كبيرة قد يكون للعراق خلالها دور في تحقيق التوازن في العلاقات الإقليمية.
وفي ختام حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، رأى الباحث فراس حاج يحيى أنه من الطبيعي أن تنظر إيران بحذر إلى مشروع خط أنابيب كركوك–بانياس، لما قد يحمله من تقليص للأهمية التي يمثلها مضيق هرمز في مسارات تصدير الطاقة، كما قد ترى فيه تركيا منافساً لدورها في نقل النفط العراقي إلى البحر المتوسط، في حين قد تراقبه روسيا من زاوية توسع الحضور الأميركي في قطاع الطاقة السوري والعراقي.
وأكد حاج يحيى أن المشروع لا ينبغي أن يُقدَّم على أنه محور موجه ضد دولة بعينها، وإنما أداة لتنويع طرق الإمداد وتعزيز السيادة الاقتصادية والأمن الإقليمي.
المصدر: الثورة السورية
من مضيق هرمز إلى المتوسط.. خط كركوك – بانياس في حسابات الجغرافيا السياسية
