في لحظة سياسية تحمل الكثير من الدلالات، ينعقد مجلس الشعب في دورته الأولى، بوصفه أحد أبرز معالم المرحلة الانتقالية، ومحطة مفصلية في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة؛ بعد نحو 15 عاماً من الحرب، فهذه الدورة لا تمثل مجرد افتتاحٍ دستوري لمؤسسة تشريعية، بل تعبّر عن بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها تنظيم المجال السياسي؛ ضمن أطر مؤسساتية؛ تستند إلى الشرعية الدستورية، والعمل المؤسسي.
إن أهمية هذه اللحظة تتجاوز البعد الإجرائي؛ لأن مجلس الشعب في الظروف الانتقالية لا يؤدي وظيفة تقليدية مرتبطة بالتشريع فقط، بل يتحول إلى مساحة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، أداة لضبط التوازن بين السلطات، وترسيخ الاستقرار السياسي والقانوني.
ومن هنا، فإن نجاح هذه المؤسسة في أداء دورها سيكون عاملاً حاسماً في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
تأتي هذه الدورة في وقت تواجه فيه سوريا تحديات معقدة ومتداخلة؛ اقتصاد يعاني من آثار سنوات طويلة من التراجع، وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، ومجتمع يطمح إلى تحسين واقعه المعيشي واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة، لذلك فإن المسؤوليات الملقاة على عاتق مجلس الشعب تبدو استثنائيةً، لأنها ترتبط بإدارة مرحلة تأسيسية؛ تتطلب قرارات قادرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار، وضرورات الإصلاح.
في مقدمة هذه المسؤوليات، تبرز المهمة التشريعية باعتبارها الركيزة الأساسية لإعادة بناء البيئة القانونية للدولة، فالقوانين التي ستُطرح خلال المرحلة المقبلة؛ لن تكون قوانين عادية، بل ستشكل الإطار الناظم لإعادة الإعمار، وتنشيط الاقتصاد، وتنظيم الاستثمار، ومعالجة قضايا الملكية والحقوق والخدمات العامة.
وهنا تتجلى أهمية أن تكون العملية التشريعية مرتبطةً- مباشرةً- باحتياجات الواقع، لا أن تبقى حبيسة النصوص النظرية أو الاعتبارات السياسية الضيقة.
كما أن الدور الرقابي لمجلس الشعب سيكون موضع اختبار حقيقي، خصوصاً في ظل اتساع صلاحيات السلطة التنفيذية، خلال المراحل الانتقالية، فوجود مؤسسة تشريعية فاعلة لا يقتصر على إصدار القوانين، بل يتطلب أيضاً: متابعة تنفيذها، مناقشة السياسات العامة، وضمان بقاء القرارات الكبرى ضمن إطار (الشرعية الدستورية والتوازن المؤسسي)، وهذه الوظيفة- تحديداً- تشكل أحد أهم معايير نضج التجربة البرلمانية، وقدرتها على تعزيز الثقة العامة.
وعلى المستوى الاجتماعي، تبدو التحديات أكثر إلحاحاً، لأن المواطن السوري، اليوم، لا ينتظر خطابات سياسية بقدر ما ينتظر نتائج ملموسة؛ تمس حياته اليومية، لذلك فإن نجاح مجلس الشعب سيكون مرتبطاً بقدرته على التعامل مع ملفات المعيشة، والخدمات، والحماية الاجتماعية، وفرص العمل، بوصفها أولويات لا تقل أهمية عن القضايا السياسية والدستورية.
كذلك، فإن الحديث عن بناء الدولة لا يمكن فصله عن قضايا (العدالة الانتقالية ومكافحة الفساد)، باعتبارهما عنصرين أساسيين في استعادة الثقة بالمؤسسات العامة، فالمجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى منظومة قانونية عادلة؛ تضمن المحاسبة؛ وتمنع تكرار الاختلالات السابقة، بالتوازي مع بناء إدارة عامة أكثر كفاءة وشفافية.
وبالرغم من وضوح الأهداف المطروحة، فإن الطريق لن تكون سهلة، فالتحديات الاقتصادية، البيروقراطية، ومحدودية الموارد، وتعقيدات المرحلة السياسية، إلى جانب الاضطرابات الإقليمية والتحولات الدولية المتسارعة؛ كلها عوامل ستفرض ضغوطاً كبيرة على المؤسسة التشريعية؛ وتؤثر في قدرتها على التحرك ضمن بيئة مستقرة.
كما أن التغيرات في موازين القوى الإقليمية، والتقلبات الاقتصادية العالمية، وتداعيات الأزمات الدولية على المنطقة؛ تجعل من المرحلة الانتقالية أكثر حساسية وتعقيداً، ومع ذلك، فإن نجاح مجلس الشعب لا يُقاس بقدرته على تجاوز العقبات دفعةً واحدةً، بل بمدى تمكنه من تأسيس عمل مؤسساتي مستقر؛ يفتح المجال أمام تطور تدريجي ومستدام للدولة؛ ويعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات الداخلية والخارجية في آنٍ معاً.
وفي هذا السياق، تبدو الدورة الأولى لمجلس الشعب أقرب إلى اختبار تأسيسي شامل، لا إلى مؤسسة تشريعية فحسب، بل إلى قدرة الدولة بأكملها على ترسيخ ملامح مرحلة ما بعد التحرير، وبناء أسس الاستقرار السياسي والمؤسسي.
وبين النصوص الدستورية، وتحديات الواقع؛ يبقى الرهان الحقيقي على تحويل العمل البرلماني إلى أداة فاعلة لصناعة التنمية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية؛ بما يواكب تطلعات السوريين في هذه المرحلة المفصلية.
