مع دخول الزيادة الأخيرة لرواتب العاملين في القطاع العام بنسبة 50 بالمئة نهاية الشهر الجاري، ضمن إجراءات مالية شملت أيضاً زيادات نوعية لموظفي عدد من القطاعات، يترقب المواطنون انعكاس هذه الخطوة على مستوى المعيشة.
وتأتي الزيادة في سياق اقتصادي تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً في أسعار المشتقات النفطية، ما انعكس على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، وأبقى التساؤلات مفتوحة حول حجم التحسن الفعلي في القوة الشرائية خلال الفترة المقبلة.
تحسن محدود
نصت التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 67 لعام 2026 المتضمن زيادة عامة بنسبة 50 بالمئة على الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين في القطاع العام، على البدء بصرف هذه الزيادة والزيادات النوعية، مع صرف الرواتب خلال الأسبوع الأخير من شهر أيار الجاري، على أن تصدر التعليمات التنفيذية للمرسوم 68 بشأن الزيادات النوعية، تباعاً.
ويرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، أن الزيادة الأخيرة في الرواتب قد تُترجم نظرياً إلى تحسن في القوة الشرائية، إلا أن هذا التحسن قد يبقى محدوداً أو مؤقتاً، خصوصاً مع الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات.
وأوضح الدبس لصحيفة الثورة السورية أن ارتفاع أسعار الوقود سيدفع تلقائياً إلى زيادة أسعار المواد والسلع، نظراً لتأثيره المباشر على تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء في المصانع والورش، مؤكداً أن هذا التأثير يشمل مختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتوزيع، ما يضاعف الضغوط على القدرة الشرائية للمواطن.
ولفت الخبير إلى أن انخفاض وزن ربطة الخبز بنحو 20 بالمئة يعكس تأثير ارتفاع التكاليف على السوق حتى قبل تسلم المواطنين للرواتب الجديدة، مشيراً إلى أن جميع القطاعات الزراعية والإنتاجية والصناعية والخدمية ستتأثر بارتفاع تكاليف الوقود، بما ينعكس على الأسعار بشكل عام.
وأعلنت “الشركة السورية للبترول”، الخميس الماضي، رفع أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية بنسب تتراوح بين 17 بالمئة ونحو 29.5 بالمئة.
وارتفع سعر ليتر المازوت أول إلى 0.88 دولار بدلاً من 0.75 (نحو 17.3 بالمئة)، كما ارتفع سعر ليتر بنزين 90 إلى 1.1 دولار بدلاً من 0.85 (نحو 29.4 بالمئة)، وليتر بنزين 95 إلى 1.15 دولار بدلاً من 0.91 (نحو 26.4بالمئة).
وصعد سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 12.5 دولاراً بدلاً من 10.5 (نحو 19بالمئة)، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز الصناعي إلى 20 دولاراً بدلاً من 16.8 (نحو 19 بالمئة).
ويعد القرار أول تحريك للأسعار بالدولار منذ تخفيضها في 12 تشرين الثاني 2025.
وخفضت وزارة الاقتصاد والصناعة، وزن ربطة الخبز من 1200 غرام إلى 1050 غراماً في عموم الأفران، مع تثبيت السعر عند 4,000 ليرة قديمة (40 ليرة جديدة) للربطة.
مشكلة أعمق
أكدت وزارة المالية أن سياسة الأجور في عام 2027 ستعتمد على ربط الزيادات بمؤشرات غلاء المعيشة ومعدلات التضخم وتغير مؤشر أسعار المستهلك، ضمن توجه حكومي يضع تحسين المستوى المعيشي في صدارة الأولويات.
وأوضحت الوزارة أن منظومة الرواتب ستتضمن زيادتين سنويتين، الأولى عامة مرتبطة بتكلفة المعيشة، والثانية تعتمد على تقييم أداء الموظف ضمن نظام جديد يجري العمل عليه في وزارة التنمية الإدارية.
ويرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو، أن الأزمة الاقتصادية في سوريا تتجاوز مسألة ارتفاع الأسعار، موضحاً أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الإنتاج، وتباطؤ العجلة الاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، وعدم استقرار النقد المحلي.
وأوضح شعبو لصحيفة الثورة السورية أن الدخل الحقيقي للمواطن، وليس الدخل الاسمي، هو المعيار الأهم في تقييم الواقع الاقتصادي، مشيراً إلى أن نحو 75 بالمئة من الاقتصاد السوري غير رسمي، ما يجعل السوق الموازية لاعباً أساسياً في المشهد الاقتصادي، وشدد على أهمية زيادة الإنتاج المحلي لدعم القدرة الشرائية وتحقيق قدر من الاستقرار السعري.
مصادر التمويل
أكدت وزارة المالية أن تمويل الرواتب يتم من موارد حقيقية للدولة ضمن الموازنة العامة، التي خُصص جزء واسع منها للإنفاق على الأجور والخدمات الأساسية.
واستأثرت الرواتب والأجور بنحو 41 بالمئة من الإنفاق العام في موازنة عام 2025، التي بلغت نحو 3.447 مليارات دولار، في حين قُدّر الإنفاق العام المتوقع في موازنة عام 2026 بنحو 10.5 مليارات دولار.
وأشار الدبس إلى أن المعلومات الرسمية حول تمويل الرواتب تقتصر على الضرائب والرسوم والجمارك، دون توضيح دقيق لآلية تغطية هذه الزيادات.
في حين أكد شعبو أن الحل يتمثل في تحسين الإيرادات العامة من خلال مكافحة الفساد والهدر، وتعزيز التحصيل الضريبي، وزيادة الصادرات، وتخفيض الواردات، وتوسيع القاعدة الضريبية لتشمل الاقتصاد غير الرسمي.
كما أشار إلى أهمية استثمار الموارد الطبيعية، وتنشيط قطاع السياحة، وتطوير تجارة الترانزيت، وضبط الإنفاق الحكومي بما يضمن استدامة مالية حقيقية.
وشدد الخبيران على أن أي خطة اقتصادية فعالة ينبغي أن تحقق توازناً بين دعم الإنتاج المحلي، واستقرار الأسعار، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطن، بما يضمن أن تنعكس أي زيادات أو إصلاحات مالية بصورة ملموسة على الواقع المعيشي.
إخلاص علي
المصدر: الثورة السورية
