منتدى الاستثمار السوري الإماراتي.. “رأس المال الذكي” وقطاعات واعدة

زمن القراءة: 14 دقائق

في خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز التعاون الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للشراكات الاستثمارية، عُقدت في قصر المؤتمرات بالعاصمة دمشق، أمس الإثنين، فعاليات المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول، بمشاركة وفود اقتصادية رفيعة من البلدين.

وشكّل الحدث، الذي تنظمه هيئة الاستثمار السورية، مساحة حوارية لبحث فرص تطوير مشروعات مشتركة في قطاعات متعددة، في ظل تأكيدات على أهمية بناء بيئة استثمارية جاذبة تدعم النمو الاقتصادي وتدفع باتجاه شراكات قائمة على التكامل والمصالح المتبادلة، بما ينعكس على مسارات التعافي والتنمية.

وبحث المنتدى آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين سوريا والإمارات، وتوسيع مجالات الشراكة في القطاعات التنموية والإنتاجية، بما يسهم في دعم فرص الاستثمار وتبادل الخبرات بين الجانبين، عبر جلسات حوارية جمعت مسؤولين ومستثمرين من البلدين لمناقشة فرص التعاون والشراكات المحتملة في مجالات التجارة والاستثمار والتعليم والخدمات المالية والسياحة والعقارات والطاقة والتكنولوجيا والتحول الرقمي والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والطيران والتطوير العمراني والزراعة.

وحضر المنتدى عدد من المسؤولين، بينهم وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، ووزير التجارة الإماراتي الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، الذي ترأس وفداً رفيع المستوى ضم نخبة من رجال الأعمال والمستثمرين.

امتد المنتدى إلى ما هو أبعد من اللقاءات الرسمية، عبر عقد “الطاولات المستديرة التفاعلية”، حيث خُصصت طاولة لكل محافظة سورية بحضور مديري فروع هيئة الاستثمار. وأتاح هذا الأسلوب للوفد الإماراتي الاطلاع المباشر على المزايا التنافسية والفرص المتاحة في الزراعة والطاقة والتكنولوجيا بكل منطقة على حدة.

وأكد الوزير الشعار في كلمته خلال افتتاح المنتدى أن الإمارات استطاعت أن تبني نموذجاً تنموياً مميزاً، يعتمد على نمو الاقتصاد، وأيضاً على الكفاءة والابتكار وخلق بيئة يشعر فيها الإنسان أن الجهد والفكر قادران على تحقيق المستحيل.

وأشار الوزير الشعار إلى أن العلاقات بين سوريا والإمارات تقوم على الاحترام المتبادل وروابط عميقة، مشدداً على أن التنمية الحقيقية تنطلق من رؤية مشتركة بين البلدين، ما يجعل المنتدى منصة مثالية لتعزيز هذه الرؤية وتحويلها إلى مشروعات استثمارية واقعية تعود بالنفع على كلا البلدين.

واعتبر أن انعقاد المنتدى يعكس “عودة الثقة والتواصل الطبيعي بين الأشقاء”، وعودة سوريا تدريجياً إلى قلب الحركة الاقتصادية العربية والدولية.

من جهته، قال الوزير الزيودي إن العاصمة السورية تمثل مكانة خاصة في قلوب الإماراتيين، مشدداً على الروابط التاريخية والأخوية بين البلدين، ورغبة الإمارات في الارتقاء بالعلاقات الثنائية في المجالات الاستثمارية والتجارية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأضاف الزيودي أن المرحلة القادمة تتطلب تعزيز التعاون وتقوية الروابط القائمة على الشراكة الحقيقية والتكامل والتنمية الشاملة، والعمل على بلورة مشروعات مشتركة تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصادين السوري والإماراتي.

وشدّد الوزير الزيودي على أن تنظيم المنتدى، بما يتضمنه من جلسات متنوعة ومشاركة واسعة من القطاعين الحكومي والخاص، يؤكد الإيمان المشترك بأن التكامل الاقتصادي والحوار المباشر هما المسار الأمثل لتحقيق النمو وتعزيز التنافسية وخلق فرص نوعية قادرة على تحقيق الازدهار.

نافذة لإعادة التموضع الاقتصادي

يعكس المنتدى التزام سوريا والإمارات بخلق بيئة استثمارية جاذبة، وبناء شراكات استراتيجية تستفيد من الخبرة الإماراتية وتجربة التنمية المتقدمة، وتدعم التعافي الاقتصادي السوري من خلال مشروعات فعلية قادرة على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة على الأرض.

ويرى الخبير في مجال الطاقة والاقتصاد الدكتور أحمد عبد الرزاق الضحيك أن انعقاد الملتقى يأتي في لحظة اقتصادية دقيقة تمر بها سوريا، ويشكل إشارة مهمة إلى إمكانية إعادة فتح قنوات التعاون الاقتصادي الإقليمي، على مستوى الفرص الاستثمارية الفعلية.

وأكد الضحيك لصحيفة “الثورة السورية” أن الاقتصاد السوري، الذي يواجه تحديات بنيوية عميقة، يحتاج اليوم إلى إعادة بناء الثقة، التي تُعد نقطة الانطلاق لأي تدفق استثماري مستدام وفعّال.

وتكمن أهمية الملتقى في كونه يعيد طرح سوريا على خارطة الاستثمار الإقليمي، خاصة في ظل امتلاك الإمارات خبرة رائدة في إدارة رؤوس الأموال وتوجيهها نحو مشروعات ذات عوائد طويلة الأمد، وفقاً للضحيك.

وأضاف أن تقديرات المؤسسات الاقتصادية تشير إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة يمكن أن تسهم بما بين 5 إلى 8 مليارات دولار خلال السنوات الخمس القادمة، في حال توفرت بيئة تنظيمية مستقرة وإطار قانوني محفّز، معتبراً أن هذا الرقم، رغم كونه طموحاً، يعكس حجم الإمكانات الكامنة في السوق السورية، لا سيما مع انخفاض تكلفة إعادة الإعمار نسبياً مقارنة بدول أخرى.

ولفت الضحيك إلى أن هذا النوع من الشراكات يسهم في إعادة دمج سوريا تدريجياً في الحركة الاقتصادية الإقليمية، عبر تفعيل سلاسل التوريد وتحفيز التجارة البينية، واستقطاب شركات إقليمية تبحث عن أسواق جديدة منخفضة التكلفة وقابلة للنمو.

وانطلاقاً من هذه النقطة، يعد المنتدى خطوة أولى نحو إعادة التموضع الاقتصادي لسوريا، وخلق بيئة تنافسية تسهم في تعزيز الثقة لدى المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.

النموذج الإماراتي

تشكل التجربة الإماراتية نموذجاً يمكن الاستفادة منه، خصوصاً في ما يتعلق ببناء بيئة استثمارية جاذبة. فقد نجحت الإمارات في تحقيق نمو استثماري مستدام من خلال تبسيط الإجراءات، وتوفير بيئة تشريعية مرنة، وضمان استقرار السياسات الاقتصادية، حيث تستقطب سنوياً ما يزيد عن 20 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ما يعكس ثقة المستثمرين ببيئتها الاقتصادية.

وأكد الضحيك أن نقل التجربة الإماراتية إلى سوريا لا يعني استنساخها بالكامل، بل يمكن تكييف عناصرها الأساسية بما يتوافق مع الواقع المحلي، ويشمل ذلك تبسيط إجراءات الترخيص والاستثمار، وإنشاء نوافذ استثمارية موحدة، وتحسين بيئة الطاقة والبنية التحتية، وتقديم حوافز ضريبية مدروسة، وتعزيز الشفافية والحوكمة، مشيراً إلى أن هذه الخطوات لا تتطلب موارد مالية ضخمة بقدر ما تحتاج إلى إرادة إصلاحية واضحة واستقرار في السياسات، وهو ما يمثل التحدي الأكبر أمام صانع القرار.

أما على مستوى القطاعات الواعدة، فيرى الضحيك أن هناك مجموعة من المجالات تمتلك قدرة عالية على جذب الاستثمارات الإماراتية وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد السوري، أبرزها قطاع الطاقة، وخاصة مشروعات الطاقة المتجددة، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في تخفيض تكاليف الإنتاج الصناعي بنسبة قد تصل إلى 30 بالمئة، ما ينعكس مباشرة على تنافسية الاقتصاد.

كما يتمتع القطاع الزراعي والصناعات الغذائية بإمكانات كبيرة لتقليل فاتورة الاستيراد وتحقيق أمن غذائي نسبي، خاصة مع إدخال تقنيات حديثة في الري والإنتاج، إضافة إلى القطاع الصناعي التحويلي الذي يمكن أن يلعب دوراً محورياً في خلق فرص عمل وزيادة القيمة المضافة، خصوصاً في الصناعات المرتبطة بالمواد الأولية المحلية.

وتبرز أيضاً أهمية قطاع الخدمات اللوجستية والنقل، الذي يمكن أن يعيد لسوريا دورها كممر تجاري إقليمي في حال تطوير البنية التحتية وربطها بالموانئ والمناطق الحرة.

وشدد الضحيك على أن توجيه الاستثمارات نحو هذه القطاعات يمكن أن يحقق نمواً اقتصادياً، كما يسهم أيضاً في تحسين القدرة الشرائية للمواطن عبر خلق فرص عمل حقيقية وزيادة الإنتاج المحلي، ما يخفف الضغط على الأسعار.

وأضاف أن نجاح الملتقى يُقاس بقدرة الاقتصاد السوري على تحويل التفاهمات إلى مشروعات قائمة قابلة للتنفيذ، إذ إن المستثمر يبحث عن بيئة يمكن التنبؤ بها، وهو التحدي الأكبر الذي يجب العمل عليه في المرحلة المقبلة.

تعزيز الثقة

قال مدير عام هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، في كلمة خلال المنتدى، إن سوريا ترحب بالمستثمرين الإماراتيين، وتدعوهم إلى المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل اقتصادي جديد للبلاد.

وأكد الهلالي أن دولة الإمارات حققت قفزات اقتصادية واستثمارية نوعية جعلتها نموذجاً يُحتذى به عربياً وعالمياً، بفضل سرعة الإنجاز وامتلاك المعرفة والقدرة على خلق بيئة استثمارية جاذبة، فيما تتطلع سوريا اليوم إلى التعاون الحقيقي لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة.

وتطرق الهلالي إلى الجهود التي بذلتها هيئة الاستثمار السورية لتطوير بيئة الاستثمار من خلال تبسيط الإجراءات، وتفعيل قانون الاستثمار، وتسهيل التراخيص، إضافة إلى تفعيل نظام النافذة الواحدة لتقديم الخدمات للمستثمرين في جميع المحافظات، وتسريع الموافقات وتنفيذ المشروعات على أرض الواقع.

وأوضح أن سوريا اليوم تفتح أبوابها لاستقطاب شركاء يؤمنون بالمستقبل ويشاركون في صناعته، مع التأكيد على أهمية دور المستثمرين الإماراتيين كشركاء استراتيجيين يمتلكون الخبرة والقدرة للمساهمة في مسيرة التنمية وإعادة الإعمار.

ويرى الخبير الاقتصادي علي الخلف أن المنتدى يمثل منصة استراتيجية لإرسال رسائل طمأنة للمستثمرين حول استقرار البيئة التشريعية في سوريا، ويعتبر وجود شريك استراتيجي مثل الإمارات بمثابة ضامن معنوي يشجع رؤوس الأموال الدولية على العودة.

وقال الخلف لصحيفة “الثورة السورية”، إن المنتدى يسهم بشكل مباشر في كسر العزلة الاقتصادية التي عانت منها البلاد خلال السنوات الماضية، من خلال إعادة سوريا إلى دائرة الاهتمام الاستثماري الإقليمي والدولي. كما أشار إلى أن هذا الحراك يعزز مكانة سوريا كممر تجاري حيوي يربط أسواق الشرق الأوسط، ويعيد دمجها في سلاسل القيمة المضافة والحركة المالية الإقليمية، وهو ما يخلق فرصاً ملموسة للنمو الاقتصادي المستدام.

وحول الاستفادة من التجربة الإماراتية، يرى الخبير الخلف أن سوريا أمامها فرصة لتبني نماذج المناطق الحرة المتطورة التي توفر حوافز ضريبية وتشريعية، وتمنح المستثمرين مرونة أكبر في إدارة أعمالهم بعيداً عن البيروقراطية التقليدية.

وأكد أن الاستفادة من الخبرة الإماراتية في التحول الرقمي وأتمتة الإجراءات يمكن أن تقلص الهدر الزمني والإداري بشكل كبير، وتعزز سرعة تنفيذ المشروعات. كما شدد على أهمية بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير البنية التحتية الاقتصادية بشكل متكامل، بما يتيح تجاوز العقبات الهيكلية الحالية ويخلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء.

أما بالنسبة للقطاعات الاقتصادية الواعدة، فيعتقد الخلف أن الطاقة المتجددة تمثل القطاع الأكثر حيوية لتأمين استمرارية الإنتاج وخفض التكاليف، بينما تبرز الصناعات التحويلية القائمة على الموارد المحلية كوسيلة لتقليل فاتورة الاستيراد وتوفير منتجات بأسعار تنافسية تسهم في تحسين القدرة الشرائية للمواطن.

وأضاف أن الاستثمار في التكنولوجيا والخدمات اللوجستية يمثل فرصة لتوفير وظائف نوعية، ما يسهم في رفع مستويات الدخل وتحقيق توازن بين النمو الاقتصادي واحتياجات الأمن الغذائي، وبالتالي تعزيز التنمية المستدامة على المدى المتوسط والطويل.

رأس مال ذكي

تضع الخبيرة التنموية والاقتصادية الدكتورة زبيدة القبلان المنتدى بوصفه “نقطة ارتكاز” في استراتيجية التعافي الاقتصادي، معتبرة أن الإمارات يمكن أن تقدم “معرفة استثمارية”، وليس التمويل فقط.

وقالت القبلان لصحيفة “الثورة السورية” إن الاستثمار الإماراتي يُعرف بأنه رأس مال ذكي يترافق مع تكنولوجيا متطورة وإدارة كفوءة، لذلك سيؤدي دخول الشركات الإماراتية في قطاعات مثل الطاقة المتجددة، والتطوير العقاري، والتحول الرقمي إلى نقلة نوعية في معايير الجودة داخل السوق السورية.

وأضافت أن الانفتاح على السوق الإماراتية يمثل “حقنة سيولة” ضرورية للتحريك التنموي، ووجود وزراء ورجال أعمال بهذا الثقل يعطي رسالة أمان للأسواق العالمية، مما قد يشجع صناديق استثمارية أخرى على إعادة تقييم الفرص في سوريا، ويقلل من أثر المخاطر المرتبطة بالاستثمار في بيئات ما بعد الحرب.

ورأت أن التركيز على قطاعي الزراعة والخدمات اللوجستية يسعى إلى استغلال الموارد الطبيعية السورية الخام ودمجها مع الخبرة الإماراتية في سلاسل التوريد العالمية، معتبرةً أن هذا التكامل قد يجعل من سوريا سلة غذاء إقليمية مدعومة بمنصات تصدير إماراتية تصل إلى أبعد الأسواق.

ولفتت إلى أنه، على الرغم من حالة التفاؤل، يبقى التحدي الحقيقي في “الاستدامة”، إذ إن تفعيل قانون الاستثمار وتسهيلات “النافذة الواحدة” يمثلان خطوات مهمة، لكنها تتطلب مرونة مستمرة في السياسات النقدية والمالية لمواكبة طموحات المستثمر الإماراتي الذي اعتاد على بيئة عمل تتسم بالسرعة الفائقة والبيروقراطية الصفرية.

واعتبرت أن المنتدى يمثل اعترافاً واقعياً بأن الاقتصاد هو القاطرة التي ستقود العمل السياسي مستقبلاً، وإذا ما نجحت الأطراف في تحويل مذكرات التفاهم إلى مشروعات على الأرض، فإن المنطقة ستكون أمام ولادة محور اقتصادي جديد يعيد تعريف مفهوم “التكامل العربي” القائم على المصلحة المتبادلة والاستثمار في الإنسان.

من جهته، رأى الصحافي الاقتصادي المقيم في الإمارات أحمد العمار، أن استثمارات رجال الأعمال الإماراتيين تجاوزت مرحلة الاستكشاف إلى التنفيذ الفعلي، مدفوعة برغبة جادة من المستثمرين الإماراتيين ورجال الأعمال السوريين في المغترب لنقل التجارب الاستثمارية الناجحة.

وأوضح أن القطاع العقاري يمثل قاطرة النمو الأساسية وأولوية في مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، شريطة البدء بتطوير البنية التحتية والمرافق وإعادة بناء المدن المدمرة، معتبراً أن دخول الشركات الإماراتية بخبراتها الواسعة يشكل نموذجاً مثالياً لتحقيق هذا التحول.

وأشار العمار إلى أن مجالات الطاقة المتجددة والزراعة النظيفة والتكنولوجيا تشكل فرصاً استراتيجية متكاملة لتعزيز التنمية المستدامة، لافتاً إلى أن سوريا تمتلك اليوم فرصة كبيرة لاستعادة دورها كممر تجاري، في ظل التحديات التي يواجهها قطاع النقل وسلاسل التوريد عبر مضيق هرمز، وأضاف أن دمج التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي مع القطاعات الإنتاجية التقليدية سيعيد سوريا تدريجياً وبقوة إلى خارطة الاستثمار الإقليمية والدولية.

رولا عيسى

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار