العالم الاقتصادي- خاص
تتميز صناعة الألبسة الجاهزة في سوريا بأنها إحدى القطاعات الصناعية التقليدية ذات الكثافة العمالية العالية والتي شكّلت لعقود طويلة أحد أعمدة النشاط الصناعي والتصديري في البلاد، ولا سيما في مدينتي حلب ودمشق، إلا أن هذا القطاع وعلى الرغم من امتلاكه مزايا حقيقية ونسبية متراكمة تاريخياً، يواجه اليوم اختبارات وجودية غير مسبوقة، ناجمة عن تداخل عوامل اقتصادية وطاقية وتجارية ومؤسساتية، أفضت إلى تراجع تنافسيته محلياً وخارجياً.
فما هو واقع هذه الصناعة في سوريا؟ وما هي أبرز السيناريوهات المحتملة لمستقبلها في ضوء المعطيات الراهنة؟
أهمية اقتصادية واجتماعية
تكتسب صناعة الألبسة الجاهزة أهمية مضاعفة في الاقتصاد السوري لعدة أسباب؛ فهي من جهة قطاع كثيف التشغيل، يستوعب عشرات آلاف العمال من مختلف مستويات المهارة، ومن جهة أخرى تُعد من الصناعات القادرة على خلق قيمة مضافة سريعة نسبياً مقارنة بصناعات ثقيلة أو رأسمالية، كما أسهم هذا القطاع تاريخياً في تعزيز الصادرات غير النفطية، وفي دعم سلاسل إنتاج محلية تشمل النسيج، والخيوط، والصباغة، والإكسسوارات، والنقل والتسويق، وقد منح هذا الترابط القطاعي صناعة الألبسة دوراً محورياً في تحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، وفي تحقيق درجة من الاستقرار الاجتماعي عبر توفير فرص العمل، كما يتيح هذا القطاع فرصاً مهمة لاندماج المرأة والشباب في سوق العمل، خاصة في المشاغل الصغيرة والمتوسطة، ما يعزز دوره الاجتماعي في الحد من البطالة وتحسين مستويات الدخل الأسري في العديد من المناطق الحضرية وشبه الحضرية.
مزايا نسبية متراكمة
تمتلك صناعة الألبسة الجاهزة في سوريا مجموعة من المزايا النسبية التي تشكّلت عبر عقود، أبرزها الخبرة البشرية المتراكمة، والمهارة الحرفية العالية، والمرونة الإنتاجية التي تسمح بتلبية طلبات متنوعة وبكميات صغيرة أو متوسطة، كما تتمتع المنتجات السورية بسمعة مقبولة في بعض الأسواق الإقليمية من حيث الجودة والتصميم، إضافة إلى القرب الجغرافي من أسواق الاستهلاك في الشرق الأوسط، غير أن هذه المزايا، على أهميتها، لم تعد كافية لضمان استدامة القطاع في ظل اختلالات عميقة في بيئة الإنتاج، كما يظل ضعف الاستثمار في التقنيات الحديثة، وتراجع القدرة على التحديث الصناعي، من التحديات التي قد تقلص تدريجياً من القدرة التنافسية لهذا القطاع إذا لم تُعالج ضمن رؤية تنموية واضحة.
بيئة إنتاج غير متكافئة واختلال بنية التكاليف
تُظهر المقارنات الإقليمية أن مشكلة صناعة الألبسة الجاهزة في سوريا ليست في ضعف الخبرة أو الإنتاجية؛ بل في بنية التكاليف، فعلى صعيد الطاقة، يتراوح سعر كهرباء الأعمال في دول الجوار والمنافسة العالمية بين نحو 0.04 دولار/ك.و.س في مصر، و0.11 دولار في تركيا وبنغلاديش، ويصل إلى نحو 0.17 دولار في الأردن.
في المقابل، لا يواجه المنتج السوري تعرفة مرتفعة فحسب؛ بل اضطراراً دائماً للاعتماد على المولدات، ما يجعل الطاقة (كهرباء ووقود) تستحوذ على نحو 40%–70% من التكلفة الإجمالية للإنتاج، وهي نسبة غير موجودة في أي من الدول المنافسة، أما مدخلات الإنتاج، فتشير البيانات الواردة في الملف إلى أن أسعار الخيوط والأقمشة والإكسسوارات في سوريا أعلى بنحو 30%–50% من مثيلاتها في الأسواق الإقليمية، نتيجة الاعتماد على الاستيراد وارتفاع الرسوم وتقلبات سعر الصرف، هذا الفارق السعري ينعكس مباشرة على سعر المنتج النهائي.
الأسعار
يمكن استخدام مثال تي‑شيرت قطني أساسي، وهو من أكثر المنتجات شيوعاً في التجارة العالمية، يبلغ سعر التي‑شيرت في دول منخفضة التكلفة مثل بنغلاديش نحو 1.47 دولار للقطعة الواحدة (سعر تصدير)، ومع وزن وسطي يقارب 0.18 كغ للقطعة، فإن سعر الكيلوغرام من المنتج النهائي يتراوح بين 7 و9 دولارات للكيلوغرام، في المقابل يرتفع السعر في دول ذات جودة أعلى أو علامة تجارية أقوى ليصل إلى عشرات الدولارات للكيلوغرام الواحد، وعلى مستوى القماش -وهو المكوّن الرئيس في التكلفة- يتراوح سعر قماش “الجيرسي” القطني عالمياً بين 2.5 و5.5 دولارات للكيلوغرام، وبافتراض وزن 160 غ/م² وعرض 1.6 م، فإن سعر المتر الطولي من القماش يتراوح تقريباً بين 0.6 و1.4 دولار، هذه الأرقام توضح أن القماش نفسه ليس مرتفع السعر عالمياً، بل إن ارتفاع كلفة تحويله إلى منتج نهائي هو العامل الحاسم في الحالة السورية.
المنافسة غير المتكافئة وتأثيرها
تواجه صناعة الألبسة الجاهزة منافسة غير متكافئة من عدة مصادر، في مقدمتها الألبسة المستعملة المستوردة (البالة)، والمنتجات الجاهزة منخفضة السعر القادمة من أسواق خارجية، هذه المنتجات تدخل السوق المحلي بأسعار تقل في كثير من الأحيان عن تكلفة الإنتاج المحلي، ما يضغط على المنتجين السوريين ويحد من قدرتهم على تصريف إنتاجهم، كما تسهم ضعف أدوات الرقابة، وتفاوت الالتزام بالمعايير الضريبية والجمركية، في تعميق فجوة المنافسة، بحيث يجد المنتج المحلي نفسه في موقع دفاعي دائم.
آثار اقتصادية واجتماعية للتراجع
إن استمرار تراجع صناعة الألبسة الجاهزة لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية الكلية، بل يحمل آثاراً اجتماعية عميقة، فإغلاق الورشات الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما في المراكز الصناعية التقليدية، يؤدي إلى فقدان آلاف فرص العمل، ويزيد من معدلات البطالة والفقر، كما أن تقلص النشاط الصناعي يضعف الطلب على الخدمات المساندة، ويؤدي إلى تآكل شبكات الإنتاج المحلية، ما يصعب عملية التعافي مستقبلاً حتى في حال تحسن الظروف العامة.
سيناريوهات محتملة
يمكن تصور سيناريوهين رئيسيين لمستقبل القطاع؛ يتمثل السيناريو الأول في استمرار الأوضاع الراهنة دون تدخلات فعالة، ما سيقود إلى تقلص حاد في حجم القطاع خلال السنوات القليلة المقبلة، وتحوله إلى نشاط محدود يقتصر على الإنتاج المخصص والطلبات الخاصة، مثل ملابس الأعراس أو الأزياء الرسمية، مع خسارة جزء كبير من السوق المحلي، أما السيناريو الثاني فيفترض تبني سياسات حمائية ذكية ودعم موجه، يهدف إلى خفض تكاليف الإنتاج، وتحسين بيئة الأعمال، وضبط المنافسة غير المشروعة، بما يتيح للقطاع استعادة جزء من قدرته التنافسية.
متطلبات التدخل والسياسات الممكنة
يتطلب إنقاذ صناعة الألبسة الجاهزة حزمة متكاملة من السياسات، تشمل إعادة النظر في تسعير الطاقة للصناعات كثيفة التشغيل، وتسهيل استيراد مدخلات الإنتاج بأسعار تفضيلية، وتبسيط الإجراءات الإدارية والجمركية، كما تبرز أهمية دعم التحديث التكنولوجي، وتعزيز قدرات التسويق والتصدير، وربط المنتجين المحليين بسلاسل قيمة إقليمية، ويُعد ضبط سوق الألبسة المستعملة والمستوردة عنصراً محورياً لضمان حد أدنى من العدالة التنافسية.
دور القطاع الخاص والمؤسسات الداعمة
لا يقتصر عبء إنقاذ القطاع على السياسات الحكومية وحدها؛ بل يتطلب أيضاً دوراً فاعلاً من القطاع الخاص وغرف الصناعة والتجارة، في تطوير نماذج إنتاج أكثر كفاءة، وتعزيز التعاون بين الورشات الصغيرة، وتبني استراتيجيات مشتركة للتسويق والعلامات التجارية، كما يمكن للمؤسسات الداعمة، بما في ذلك مراكز التدريب والبحث، أن تسهم في رفع مستوى المهارات، وتطوير التصميم والابتكار، بما يعزز القيمة المضافة للمنتج المحلي.
مفترق طرق بين مسارين متباينين
تواجه صناعة الألبسة الجاهزة في سوريا مفترق طرق حاسماً بين مسارين متباينين: مسار الانكماش التدريجي نتيجة الضغوط الإنتاجية والاقتصادية، ومسار التكيف وإعادة التموضع ضمن بيئة إنتاج أكثر استقراراً، فعلى الرغم من استمرار بعض المزايا النسبية، ولا سيما الخبرات المتراكمة والقدرة على الإنتاج المرن، إلا أن اختناقات البيئة الإنتاجية واشتداد المنافسة غير المتكافئة يهددان بتقويض هذا القطاع الحيوي، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني سياسات اقتصادية متوازنة تركز على دعم الإنتاج الحقيقي، وتحسين بيئة الأعمال، وضبط المنافسة في الأسواق، وتالياً فإن تعزيز هذه المقومات كفيل بالحفاظ على صناعة الألبسة الجاهزة كأحد القطاعات القادرة على توليد فرص العمل وتحفيز النمو الاقتصادي، بما يضمن مساهمتها الفاعلة في مرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة البناء.
