الفقر المتعدد الأبعاد في الدول العربية.. الواقع والتحديات وآفاق الحد منه

زمن القراءة: 9 دقائق

العالم الاقتصادي- خاص

تواجه المجتمعات في دول العالم مجموعة من التحديات التنموية، يأتي الفقر في مقدمها، إذ لا يقتصر مفهومه على نقص الدخل أو ضعف القدرة الشرائية فقط؛ بل يشمل أبعاداً متعددة تتعلق بالصحة والتعليم ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية، ويُعرف هذا المفهوم باسم الفقر المتعدد الأبعاد، وهو مؤشر مهم لقياس مدى حرمان الأفراد من فرص الحياة الكريمة، وقد ازداد الاهتمام بهذا المفهوم في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في الدول النامية ومنها الدول العربية التي ما تزال تواجه تحديات كبيرة في الحد منه.

وأشار أحدث تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الإسكوا” عام 2023 إلى أن التقدم في الحد من الفقر المتعدد الأبعاد في بعض الدول العربية خلال العقد الماضي كان بطيئًا وغير متكافئ، ووفقاً للتقرير، يعيش نحو 116 مليون شخص في الدول العربية في حالة فقر متعدد الأبعاد أو معرضون له، وهو ما يعادل قرابة ثلث سكان المنطقة، كما بيّن التقرير أن نسبة الفقر المتعدد الأبعاد في بعض الدول العربية الأقل نموًا قد تتجاوز 40% من السكان.

مفهوم الفقر المتعدد الأبعاد

يختلف مفهوم الفقر المتعدد الأبعاد عن المفهوم التقليدي للفقر الذي يعتمد فقط على مستوى الدخل، ففي السابق كان الفقر يُقاس بقدرة الفرد على تلبية احتياجاته الأساسية من خلال دخله، أما اليوم فيُنظر إليه باعتباره حالة من الحرمان في مجالات متعددة مثل التعليم والصحة والسكن والخدمات الأساسية.

ويعتمد مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد “MPI” على 3 أبعاد رئيسية هي: التعليم، والصحة، ومستوى المعيشة، ويقاس كل بُعد من خلال مؤشرات مثل عدد سنوات الدراسة، ومستوى التغذية، والحصول على المياه النظيفة والكهرباء والصرف الصحي، ويُعتبر الفرد فقيرًا متعدد الأبعاد إذا كان يعاني من حرمان في ثلث هذه المؤشرات أو أكثر.

واقع الفقر المتعدد الأبعاد في الدول العربية

تشير البيانات الحديثة إلى أن الفقر المتعدد الأبعاد لا يزال يمثل تحدياً كبيراً في عدد من الدول العربية، ويتركز هذا النوع من الفقر بشكل أكبر في الدول الأقل دخلاً مثل اليمن والسودان وموريتانيا، حيث يعاني ما بين 40% إلى 60% من السكان من أشكال متعددة من الحرمان.

وفي المقابل، تنخفض هذه النسبة في بعض الدول متوسطة الدخل مثل مصر والأردن وتونس، لكنها ما تزال تمثل تحدياً اجتماعياً واقتصادياً مهماً، خصوصاً في المناطق الريفية، وتُظهر البيانات أن الفقر أكثر انتشاراً في المناطق الريفية مقارنة بالمناطق الحضرية بسبب نقص البنية التحتية والخدمات الأساسية.

كما تشير بعض الدراسات التنموية إلى أن الفقر المتعدد الأبعاد غالباً ما يرتبط بمستوى التعليم وفرص العمل المتاحة في المجتمع، فالأسر التي يعاني أفرادها من انخفاض مستوى التعليم تكون أكثر عرضة للحرمان في مجالات أخرى مثل الصحة والسكن والخدمات الأساسية، كذلك فإن ضعف البنية التحتية في بعض المناطق يؤدي إلى صعوبة الوصول إلى المدارس والمراكز الصحية، مما يفاقم من حدة الفقر ويجعل معالجته أكثر تعقيداً.

أسباب استمرار الفقر المتعدد الأبعاد

هناك عدة عوامل تسهم في استمرار الفقر المتعدد الأبعاد في الدول العربية، من أهمها:

* التفاوت التنموي بين المناطق: تعاني العديد من الدول العربية من تفاوت واضح في مستوى التنمية بين المدن والمناطق الريفية، حيث تتوفر الخدمات التعليمية والصحية والبنية التحتية بشكل أفضل في المدن مقارنة بالقرى، ويؤدي هذا التفاوت إلى حرمان سكان المناطق الريفية من فرص التعليم والعمل والخدمات الأساسية، ما يحدّ من قدرتهم على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ويؤدي إلى استمرار الفقر عبر الأجيال.

* البطالة وضعف فرص العمل: تشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة في العالم العربي يتجاوز 10%، بينما يصل بين الشباب إلى نحو 25% في بعض الدول، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الدخل وزيادة معدلات الفقر، كما أن انتشار العمل غير الرسمي وعدم استقرار الوظائف يجعل العديد من الأسر عرضة للتقلبات الاقتصادية ويزيد من هشاشة أوضاعها المعيشية.

* الأزمات الاقتصادية والسياسية: شهدت بعض الدول العربية أزمات اقتصادية وصراعات سياسية أثرت بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية، حيث أدت إلى تراجع الاستثمارات وارتفاع معدلات البطالة وتدهور الخدمات العامة، كما تسهم هذه الأزمات في إضعاف قدرة الحكومات على تنفيذ برامج التنمية ومكافحة الفقر بشكل فعال.

* النمو السكاني السريع: يبلغ عدد سكان الدول العربية أكثر من 450 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو 520 مليون نسمة بحلول عام 2030، ما يزيد الضغط على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، وعندما لا تتواكب الموارد والوظائف مع هذا النمو السكاني، تتزايد معدلات الفقر والبطالة.

* ضعف أنظمة الحماية الاجتماعية: تشير بعض الدراسات إلى أن أقل من 40% من الأسر الفقيرة في بعض الدول العربية تستفيد من برامج الحماية الاجتماعية، ويرتبط ذلك أحيانًا بضعف الاستهداف أو محدودية الموارد المالية المخصصة لهذه البرامج، ما يؤدي إلى استمرار معاناة فئات واسعة من السكان من الفقر والحرمان.

آثار الفقر المتعدد الأبعاد على المجتمع

يؤثر الفقر المتعدد الأبعاد على المجتمع بطرق متعددة، من أبرزها انخفاض مستوى التنمية البشرية نتيجة ضعف التعليم والرعاية الصحية، وزيادة عدم المساواة الاجتماعية بين الفئات المختلفة، كما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الاقتصادية، لأن الأفراد الذين يعانون من ضعف التعليم أو سوء الصحة تكون قدرتهم على العمل أقل.

كذلك يسهم الفقر في زيادة الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، أو الهجرة الخارجية بحثًا عن فرص عمل أفضل وتحسين مستوى المعيشة، كما قد يؤدي استمرار الفقر لفترات طويلة إلى انتقاله بين الأجيال، حيث يجد أبناء الأسر الفقيرة صعوبة في الحصول على تعليم جيد أو فرص عمل مناسبة، مما يعيد إنتاج دائرة الفقر داخل المجتمع.

جهود الحد من الفقر في الدول العربية

بذلت العديد من الدول العربية جهوداً للحد من الفقر المتعدد الأبعاد من خلال تنفيذ برامج الدعم الاجتماعي وتوسيع الخدمات الصحية والتعليمية، ومن أبرز هذه الجهود برامج الدعم النقدي للأسر الفقيرة، فعلى سبيل المثال، أطلقت مصر برنامج “تكافل وكرامة” الذي يستفيد منه أكثر من 5 ملايين أسرة، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية للأسر الفقيرة مقابل التزامها بإرسال أطفالها إلى المدارس والحصول على الرعاية الصحية، كما عملت بعض الحكومات على تحسين البنية التحتية في المناطق الريفية وتوسيع الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء، إضافة إلى ذلك تسهم المؤسسات الدولية وبرامج التنمية التابعة للأمم المتحدة في دعم الحكومات العربية، من خلال تقديم التمويل والخبرات الفنية التي تساعد في تطوير السياسات الاجتماعية، وتحسين استهداف الفئات الأكثر احتياجاً.

دور التعليم والتكنولوجيا في الحد من الفقر

يُعد التعليم من أهم الوسائل لمكافحة الفقر المتعدد الأبعاد، وتشير الدراسات إلى أن كل سنة إضافية من التعليم قد تزيد دخل الفرد بنسبة تتراوح بين 8% و10% في المتوسط، كما يسهم التعليم في تحسين الوعي الصحي والاجتماعي للأفراد.

وفي العصر الحديث، أصبح للتكنولوجيا دور مهم في تحسين فرص التنمية الاقتصادية، حيث يوفر الاقتصاد الرقمي فرصاً جديدة للعمل والتعليم، خاصة في المناطق التي تعاني من نقص فرص العمل التقليدية، كما تساعد التقنيات الحديثة في تحسين كفاءة الخدمات الحكومية وبرامج الدعم الاجتماعي، مما يسهم في وصول المساعدات إلى الفئات المستحقة بشكل أكثر فعالية.

الحل يتمثل بتبني سياسات تنموية شاملة

يمثل الفقر المتعدد الأبعاد أحد أبرز التحديات التنموية في العالم العربي، حيث يعاني ملايين الأشخاص من أشكال مختلفة من الحرمان في مجالات التعليم والصحة ومستوى المعيشة، ورغم الجهود التي بذلتها الحكومات والمؤسسات الدولية، فإن التقدم في الحد من هذا النوع من الفقر لا يزال بطيئًا في بعض الدول.

إن معالجة هذه المشكلة تتطلب تبني سياسات تنموية شاملة تركز على تحسين التعليم وتعزيز الحماية الاجتماعية وتوفير فرص العمل، إضافة إلى الاستثمار في البنية التحتية في المناطق الأكثر حرماناً، ومن خلال تبني هذه السياسات وتعزيز التعاون بين الحكومات والمؤسسات الدولية والمجتمع المدني، يمكن للدول العربية تحقيق تقدم ملموس في الحد من الفقر المتعدد الأبعاد، وتحسين جودة الحياة لملايين المواطنين في المنطقة.

آخر الأخبار