تتجه قطر وسوريا إلى رسم خريطة نفوذ اقتصادي جديدة، إذ تكتسي زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الدوحة، اليوم الأربعاء، أهمية استثنائية تتجاوز بعدها البروتوكولي إلى أفق اقتصادي استراتيجي أوسع، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة العلاقات الثنائية.
وكتب الرئيس الشرع عبر منصة “إكس” أن لقاءه مع أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، عكس عمق التفاهم بين البلدين وفتح آفاقاً أوسع للعمل المشترك في المجالات المهمة، لا سيما الطاقة والاستثمار والربط التجاري.
هذا التقارب لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد لمسار متسارع منذ مطلع عام 2025، إذ شهدت العلاقات الاقتصادية تطوراً لافتاً، تُرجم عبر اتفاقيات ومذكرات تفاهم ركّزت على إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري وتعزيز البنية التحتية.
ومن أبرز ملامح هذا التعاون، مبادرة قطر لتوريد الغاز الطبيعي إلى سوريا عبر الأراضي الأردنية، بكمية تصل إلى مليوني متر مكعب يومياً، بما يسهم في توليد نحو 400 ميغاواط من الكهرباء، في خطوة تستهدف تخفيف حدة أزمة الطاقة المزمنة في البلاد.
كما تعزز هذا المسار باتفاقات لاحقة في حزيران الماضي لتوسيع التعاون في مجالي النفط والغاز، إلى جانب إطلاق مشاورات تقنية مع شركات دولية، ما يشير إلى رغبة مشتركة في إدخال لاعبين عالميين ضمن عملية إعادة بناء القطاع.
وتجاوز حجم استثمارات قطر في سوريا 21 مليار دولار، تتركز في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمطارات، وفق تصريح سابق للسفير القطري في دمشق خليفة عبد الله آل محمود، مشيراً إلى وجود مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون في مجال الطاقة، تتضمن تنفيذ خمس محطات لتوليد الكهرباء بطاقة إجمالية تصل إلى نحو خمسة آلاف ميغاواط، من المقرّر إنجازها خلال عامَين، معتبراً أن هذه المشاريع تُعد من أكبر الاستثمارات العربية في قطاع الطاقة داخل البلاد من حيث الحجم والأثر المتوقع.
كما يشمل التعاون بين البلدَين قطاعات التجارة والمالية والسياحة والاتصالات والتعليم العالي، إضافة إلى استمرار توريد الغاز القطري، وتعزيز مشاركة المؤسّسات المالية القطرية في دعم القطاع المصرفي السوري.
واعتبر آل محمود أن هذا الانخراط يعكس موقفاً قطرياً ثابتاً تجاه سوريا في مرحلة تراهن فيها دمشق على دعم الأشقاء العرب لاستعادة دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي.
ويبرز هنا الدور القطري لاعباً محورياً يمتلك القدرة المالية والخبرة التقنية اللازمة لإعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري، لكن الرهان الأكبر يتجاوز ذلك نحو مشاريع الربط السككي والنقل البري، التي يمكن أن تحوّل سوريا إلى “عقدة لوجستية” إقليمية.
ويوضح قناص أن هذه المشاريع لا تمثل مجرد بنية تحتية، بل تشكّل شرياناً جيوسياسياً يختصر مسارات التجارة ويخفض تكاليفها، ما يمنح دمشق عوائد ترانزيت كبيرة ويعزز جاذبيتها للاستثمارات الخليجية.
غير أن هذه الطموحات تصطدم بجملة من التحديات، أبرزها هشاشة الوضع الأمني، وتعقيدات المشهد السياسي، إضافة إلى الحاجة لاستثمارات ضخمة طويلة الأمد ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية تدل على وجود رؤية إقليمية تتجاوز منطق الإغاثة الإنسانية إلى ما يمكن وصفه بـ”الهندسة الاقتصادية”، التي تهدف إلى إعادة دمج سوريا ضمن المنظومة الاقتصادية الإقليمية، وفق أستاذ الاقتصاد.
لا تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى الدوحة مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تعكس تحوّلاً استراتيجياً في مقاربة التعامل مع الملف السوري، من إدارة الأزمة إلى بناء الفرص، ومن خلال مشروع الربط التجاري، فإن سوريا مرشحة للتحول من ساحة نزاع إلى جسر بري حيوي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، وهو تحول لا يغيّر موقعها الجغرافي فحسب، بل يعيد تعريف دورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، ويؤسس لاستقرار أكثر استدامة.
أسامة سعد الدين
المصدر: العربي الجديد
