نيودلهي تعمل على احتمالات مسار “الممر الهندي” لتكون سوريا جزءا منه.. ما الذي تقوله المقدمات؟

زمن القراءة: 13 دقائق

رغم أن الهند لا تحجز مساحة كبيرة في المشهد الإعلامي الذي يغطي التصعيد العسكري في المنطقة، خصوصا تداعيات الإغلاق المتبادل لمضيق هرمز بين إيران وأميركا، إلا أنها حاضرة كليا في المشهد الجيواقتصادي الذي ينطلق منه تفسير كل ما يخص الحرب على إيران، من دوافع وأهداف، ونتائج يجري العمل للوصول إليها ضمن لعبة مصالح كبرى لإعادة تشكيل طرق التجارة العالمية، بدءا من الشرق الأوسط.

بالتوازي، وعندما يجري الحديث عن الهند ومصالحها في المنطقة، فإن سوريا غالبا ما كانت تتخذ ركنا قصيا، حتى عندما تم الاتفاق على إنشاء ممر تجاري اقتصادي يربط الهند بالشرق الأوسط في أيلول 2023، برعاية أميركية كاملة، لم تكن سوريا مدرجة ضمن هذا الممر، وكانت لا تزال تحت حكم نظام الأسد الذي سقط بفارق عام واحد فقط، في 8 كانون الأول 2024.

فتح إعلان الممر الهندي الباب أمام تصعيد عسكري هائل في المنطقة لم ينته حتى اليوم. وبعد الإعلان عن هذا الممر، بأقل من شهر، بدأت حرب تشرين الأول “طوفان الأقصى”، التي كان من بين أهدافها عرقلة تنفيذه، وهو هدف اشتركت فيه قوى إقليمية ودولية اعتبرته موجها ضدها، وبشكل سيخرجها كليا من خريطة القوة والنفوذ. فهو يخرج الصين بالدرجة الأولى، ممثلة في مبادرة الحزام والطريق (طريق الحرير الجديد)، من معادلات التجارة العالمية في الشرق الأوسط، فتخرج معه جميع الدول المرتبطة معها اقتصاديا بعقود واتفاقيات كبرى، ومن هذه الدول إيران وسوريا على سبيل المثال.

يمتد الممر الهندي عبر طرق بحرية وبرية، وينطلق من ميناء مدينة مومباي الهندية، مرورا بالمحيط الهندي وبحر العرب، إلى موانئ الإمارات، ومنها عبر خط بري إلى أراضي السعودية والأردن، ليصل إلى ميناء حيفا، ثم ينطلق منها بحرا إلى موانئ اليونان، ليصل إلى إيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية عبر خطوط السكك الحديدية. ومن الدول التي وقعت على اتفاق الممر الهندي: الولايات المتحدة الأميركية، والهند، والإمارات، والسعودية، و”إسرائيل”، واليونان، وإيطاليا، وفرنسا، وألمانيا. وحينها تم رصد مبلغ 600 مليار دولار استثمارات لإنشاء الموانئ والطرق والكابلات والأنابيب ضمن هذا الممر.

عندما بدأ التصعيد في 7 تشرين الأول 2023، لم يكن لأحد أن يتوقع أن تنعكس نتائجه في تحولات كبرى على خرائط المنطقة السياسية، بدءا من سوريا ارتباطا بإيران، أي سقوط محور كامل من حسابات المنطقة، وبما وسع المخطط باتجاه هندسة كاملة لمراكز النفوذ وفق ما تفرضه عوامل القوة المرتبطة بالممرات التجارية التي تتركز بصورة أساسية في المنطقة، بالتوازي مع تركز مصادر الطاقة، إنتاجا وتصديرا.

ومع بدء الحرب على إيران في 28 شباط الماضي، وصولا إلى إغلاق مضيق هرمز، من إيران أولا، وحاليا من واشنطن، فتح فصل جديد من صراع الممرات التجارية، ولكن هذه المرة وفق خريطة مصالح جديدة ضمت دولا لم تكن مدرجة سابقا، وكلما طالت واتسعت تداعيات الحرب على إيران، تعقدت هذه الخريطة أكثر، ودخلت فيها عوامل جديدة تصعب مسار التفاوض والتسويات.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى إسلام آباد بوصفها محطة أخيرة لترجمة تهديدات ترامب إلى اتفاق إطاري، تغرق المنطقة أكثر فأكثر في صراع الممرات، إذ لم يعد الرهان على كسب الحرب، بل على تأمين الممرات من جهة، ليس فقط ما يتعلق بمضيق هرمز، بل بالممرات البديلة، البرية منها والبحرية، من جهة ثانية. وهنا تبرز سوريا وتتصدر المشهد. وكان هذا أمرا متوقعا منذ سقوط نظام الأسد، وهو ما قرأته عدة دول، من بينها الهند. لقد تغير كامل المشهد السياسي والعسكري في سوريا، وباتت فرص التعاون أكبر، على المستويين الثنائي والإقليمي.

هندسة مراكز النفوذ

يرى الباحث في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة إدنبرة، محمد سنان سيش، في مقال نشره على موقع مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، أنه بالنسبة إلى الهند، تتموضع سوريا في موقع جيواستراتيجي متقدم، ما يجعلها مجالا حيويا لاستقرار مصالحها في المنطقة، خصوصا على مستوى الممرات التجارية، ومنها “الممر الهندي” في حال جرى التوجه نحو تفعيله.

وكانت الهند قد أرسلت وفدا دبلوماسيا إلى دمشق في أواخر تموز 2025، في مسعى منها لبناء علاقات جديدة مع سوريا، وكانت هذه الزيارة هي الأولى منذ سقوط نظام الأسد.

الوفد، الذي كان برئاسة سوريش كومار، السكرتير المشترك في وزارة الخارجية الهندية، التقى حينها عدة مسؤولين سوريين، منهم وزير الخارجية أسعد الشيباني، وتركزت المباحثات وقتها على التعاون في عدة مجالات، من بينها عملية إعادة الإعمار.

ولأن الهند لم تكن حاضرة على الساحة السورية لأكثر من عقدين، بما في ذلك أعوام الحرب الأربعة عشر، فإن زيارة الوفد الهندي إلى دمشق كانت محط اهتمام كبير، وتم تفسيرها بأبعاد إقليمية، خصوصا في ظل العلاقات الجيدة التي تجمع الهند بدول الخليج العربية، وعلى رأسها السعودية، بالتوازي مع الانفتاح العربي على سوريا والوقوف إلى جانبها منذ الأيام الأولى بعد سقوط نظام الأسد.

ولا شك أن للهند مصلحة مع سوريا في ما يتعلق بالطاقة والعوامل الاقتصادية والاستراتيجية، وهي ترى أن من المهم تطوير علاقة جيدة معها. وهذه العلاقة، إلى جانب استقرار سوريا، تضمن للهند طرقا تجارية وممرات طاقة حيوية لاقتصادها، خصوصا إذا ما أخذناها من باب التكامل مع علاقات الهند بدول الخليج العربية. كما ترى الهند أن علاقاتها الجيدة مع سوريا تسهم بلا شك في توسيع عوامل الاستقرار الإقليمي.

وزيارة الوفد الهندي إلى دمشق لاقت ترحيبا داخليا، حيث اعتبر العديد من السياسيين والدبلوماسيين الهنود حينها أنه لا بد من دعم سوريا في النهوض والاستقرار، مشيرين إلى انتهاء النفوذ الإيراني في سوريا، مقابل العلاقات الجيدة التي تجمع دمشق مع تركيا في عهد الرئيس أحمد الشرع “الذي يتصرف بذكاء خلال محاولاته الانخراط مع قوى أخرى، بما في ذلك الهند، إلى جانب الدول العربية والغربية”، وفق الدبلوماسي الهندي السابق أنيل تريغونايات، الذي شدد على ضرورة أن تحافظ الهند على تواصل دائم مع جميع الشركاء في غرب آسيا، بما في ذلك سوريا.

وفي 19 نيسان الجاري، زار مستشار الأمن القومي الهندي، أجيت دوفال، السعودية. وكان الهدف الأساسي معالجة المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للهند، مع توسع تداعيات الحرب على إيران.

وعقد دوفال مجموعة من اللقاءات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين السعوديين، وكانت لقاءات “مفيدة كثيرا”، وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية راندير جايسوال، الذي أكد أن الزيارة فتحت المجال لتبادل وجهات النظر حول القضايا الإقليمية المعقدة، إلى جانب بحث تعزيز العلاقات.

ووفق التقارير الإعلامية، ركزت المباحثات على أربعة محاور اعتبرتها الهند ضرورية لمصالحها. الأول كان تأمين سلاسل الإمداد العالمية، والثاني معالجة المخاوف المتعلقة بالأمن البحري ومضيق هرمز والخليج، والثالث تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، والمحور الرابع هو تعزيز العلاقات الاقتصادية وتوسيع آفاق التعاون التجاري والاستثماري بين الهند والسعودية.

وهذه المحاور الأربعة مرتبطة كليا بضمان استقرار المنطقة، خصوصا الدول التي هي في قلب معادلة الممرات، الأصيلة والبديلة. وهنا تبرز سوريا في طرفي المعادلة، إلى جانب توقعات وازنة لناحية دور الهند على مستوى هندسة ممرات الطاقة، بالتوازي مع ما سيفرزه التصعيد العسكري في المنطقة، وأيضا لناحية موقع سوريا في هذه الهندسة، وهل هناك احتمالات أن يتم تعديل مسار “الممر الهندي” لتكون سوريا جزءا منه؟

حسابات الطاقة الإقليمية

الجواب، وفق الكاتب والباحث السياسي الدكتور رحيم هادي الشمخي، أن هذا احتمال وارد جدا، فعندما يزور وفد هندي السعودية في هذا التوقيت، فهذا يعني أن التصعيد في المنطقة هو في قلب المباحثات، ومن ضمنها هندسة ممرات بديلة للطاقة والتجارة في حال استمر التصعيد، أو في حال انتهائه عند اتفاق ما. فبكل الأحوال، لا بد أن تكون هناك ممرات بديلة، خصوصا أن التهديدات الإيرانية تجاوزت مضيق هرمز إلى مضيق ملقا، الذي يعد أحد أهم ممرات التجارة الدولية بين المحيطين الهندي والهادئ.

ويرى الشمخي، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن النقطة الأساس في كل المشهد الإقليمي منذ اندلاع التصعيد العسكري كانت سوريا، والتركيز عليها باعتبارها أحد أهم التحولات الاستراتيجية على خريطة الممرات التجارية، وبدأت الموانئ السورية، اللاذقية وطرطوس وبانياس، تتصدر خيارا حتميا في حسابات الطاقة الإقليمية. ويضاف إليها خطوط نقل الطاقة بين سوريا وجوارها، وبحث خطط إعادة إحيائها.

ووفق إعادة جدولة الخيارات والبدائل، تتقدم الهند طرفا أساسيا، ومن المتوقع أن يتعزز دورها في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى الخيارات البديلة أو على مستوى تعزيز التعاون مع سوريا، وفق الشمخي، الذي يرى أن سوريا بإمكانها أن تكون المستفيد الأكبر في المنطقة إذا واصلت بناء شراكاتها اللوجستية بعيدا عن الغرق في الصراعات الأيديولوجية.

ويشير الشمخي إلى جولة الرئيس أحمد الشرع الخليجية، التي بدأت من السعودية. وهذه الزيارة، ربطا بكل التطورات والاحتمالات، تعني أن الأيام المقبلة قد تشهد إعلانات مهمة على مستوى التعاون والتنسيق الإقليمي في ما يخص سوريا ودورها، مؤكدا أن ما يجمع الأطراف المتباعدة جغرافيا هو وحدة المصالح التي فرضها التصعيد العسكري في المنطقة. فما يجري حاليا هو إتمام عملية التحول الجيوسياسي عبر فك الارتباط بين إيران وأذرعها في المنطقة لتكون خارج مشهد القوة. وهنا تحديدا تتقدم سوريا باعتبارها حلقة وصل لوجستية تمنح أميركا والمنطقة “البديل المطلوب” لسحب ورقة مضيق هرمز من يد إيران. وهذا يعني أن استقرار سوريا سيكون مصلحة إقليمية أميركية باعتبارها صمام أمان اقتصاديا، ما يعني “امتيازات” مضاعفة لسوريا، أمنيا إلى جانب الفوائد الاقتصادية والتجارية.

وبرأي الشمخي، فإن حرب غزة التي جمدت الممر الهندي فتحت الباب أمام سوريا لتكون عقدة ربط، لكنها في الوقت نفسه وضعتها أمام حالة متداخلة من “الفرصة والمسؤولية”، حيث إنها ما تزال تحتاج إلى استكمال عملية الاستقرار والأمن، وإلى خطط واضحة لتفعيل الفرص القائمة وتحويلها إلى مكاسب.

ويضيف الشمخي أن سوريا ما تزال تستطيع الاستفادة من الوقت المتبقي بين نهاية التصعيد العسكري وبين اكتمال الخطط البديلة، وهي خطط تبدو أسرع إذا ما قارناها بعملية إنهاء التصعيد، إذ إن المنطقة لا تستطيع الانتظار، وإلا ستكون الخسائر الاقتصادية فادحة وبما لا يعوض. لذلك، ومع الوقت، تكتسب سوريا أهمية مضاعفة، وهذا ما ستظهره الأيام المقبلة.

وعليه، فإن أي تحرك لأي دولة على مستوى المنطقة يغدو محط تركيز وترقب، وإذا ما أخذنا الهند مثالا، فهي المرشحة الأبرز لوضع اللمسات الأخيرة على خريطة الممرات البديلة. ويبقى، وفق الشمخي، أنه كلما أسرعت دول المنطقة مع شركائها الدوليين في عملية تشبيك المصالح والاتجاه نحو التنفيذ، كان ذلك أجدى، حتى على مستوى العامل الإيراني، الذي سيتم عزله، أقله في ما يخص مضيق هرمز.

وبالمحصلة، يقول الشمخي: “إذا كان هناك مثل هذا التوجه، أي تفعيل الدور الهندي من جهة، وتعزيز التعاون السوري الهندي من جهة ثانية، فسيكون للأيام المقبلة حديث آخر”.

بين الأمس واليوم

عندما تم إطلاق مشروع الممر الهندي، كان الهدف الأميركي اجتذاب الهند والسعودية والإمارات بعيدا عن الصين. ورغم كل ما قيل حينها عن أنه مشروع غير قابل للحياة بفعل التكاليف الهائلة على مستوى البنى التحتية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل في عدة دول في المنطقة، وعلى مستوى التكاليف، إذ إن الشحن البحري يبقى أقل تكلفة من البري، والأهم على مستوى الأمن والاستقرار، حيث إنه يتركز في محطاته الرئيسية في مناطق تتناهبها الصراعات، وهو ما أثبتته حرب غزة بصورة عملية.

ورغم ذلك، فإن مجرد الإعلان عن هذا الممر كان كفيلا باستقطاب دول عديدة إليه، وإرباك الخصم الذي اضطر إلى إعادة حساباته بالكامل.

واليوم، وفي حال اعتبرنا أن الهند ضمن مشروع الممرات البديلة، فإن الممر الهندي سيتقدم من جديد، ولكن هذه المرة بأهداف أخرى وأعضاء جدد. وبالعموم، لا يمكن استبعاد أي سيناريو ضمن مآلات التصعيد العسكري في المنطقة، وفي أي سيناريو، كما يبدو، لا بد من سوريا.

وكثير من المراقبين يتحدثون بتفاؤل حول موقع سوريا ضمن خريطة الممرات البديلة التي ترتسم، فإذا كانت توقعات المحللين في محلها، فإن سوريا قد تتحول إلى مركز تجاري إقليمي بارز على مستوى الشرق الأوسط إذا ما تموضعت كممر تخزين أو شحن. إنها فرصة سوريا الأكبر، حيث تتحول الجغرافيا من عبء استراتيجي إلى فرصة في لعبة الممرات الاقتصادية الدولية.

مها سلطان

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار