سوريا والسعودية.. الاقتصاد يقود مسار الشراكة

زمن القراءة: 14 دقائق

تتسارع وتيرة العلاقات بين سوريا والسعودية بعد التحرير، لتتجه نحو مسار شراكة، مع حضور متزايد للتعاون الاقتصادي، في سياق تحكمه تقاطعات المصالح وتعزيز الربط الإقليمي.

وتعزز هذا المسار مع الدور الذي لعبته المملكة في رفع العقوبات الغربية المفروضة على سوريا، إضافة إلى الاتفاقيات الاستثمارية الواسعة الموقعة بين الجانبين في قطاعات حيوية.

وفي هذا الإطار، تندرج زيارة الرئيس أحمد الشرع، إلى السعودية، الثلاثاء، التي بحث خلالها مع ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، وذلك ضمن جولة خليجية.

وكان الشرع قد زار السعودية في أول زيارة خارجية في شباط 2025، ثم التقى بالرياض في أيار الماضي، ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن يشارك خلال زيارته الثالثة في تشرين الأول إلى المملكة بالنسخة التاسعة من مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار”.

وبين أول زيارة والزيارة الرابعة إلى المملكة، تتبلور ملامح مسار شراكة متنام بين سوريا والسعودية.

بوابة التعافي الاقتصادي

خلال مشاركته في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار”، قال الرئيس الشرع إن سوريا “عرفت المفتاح”، واصفاً السعودية بأنها قبلة الاقتصاد، وأكد أنها تُشكّل أهمية كبرى للمنطقة، وأن الدعم الذي قدمته يمثل “مفتاح سوريا إلى العالم والتنمية”، وأضاف أن الأمن والاستقرار مرتبطان بالتنمية الاقتصادية، وهذا ما تمثله المملكة في هذا الوقت.

وعززت السعودية حضورها الاستثماري في سوريا، إذ زار العام الماضي وفد يرأسه وزير الاستثمار خالد الفالح، ونحو 120 مستثمراً، دمشق، حيث تم توقيع أكثر من 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم تشمل نحو 11 قطاعاً، قيمتها تجاوزت 6.4 مليارات دولار.

ويرى نقيب الاقتصاديين السوريين، محمد البكور، أن تعزيز العلاقات السورية السعودية بوابة حقيقية للتعافي الاقتصادي واستعادة الدور الإقليمي لسوريا بعد سنوات من العزلة بسبب سياسات النظام المخلوع.

وقال البكور لصحيفة “الثورة السورية”، إن تعزيز العلاقات بين البلدين يمتد من البعد السياسي ليشمل الجوانب كافة، خاصة تلك المتعلقة بالاقتصاد والتنمية نظراً لما تمثله السعودية من ثقل مالي واقتصادي في المنطقة والعالم.

وأوضح أن أي انفتاح سوري سعودي يمكن أن يترجم إلى فرص تمويلية واستثمارية حقيقية تساهم في إعادة تأهيل البنى التحتية المتهالكة في سوريا بعد سنوات الحرب، إضافة إلى دعم القطاعات الإنتاجية لا سيما الصناعة والزراعة.

تحفيز الاستثمارات

في شباط الماضي، وقعت سوريا والسعودية عقوداً استراتيجية شملت قطاعات عدة أبرزها الطيران والمياه والبنية التحتية للاتصالات والكابلات والتعاون التنموي.

وقال وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، في تصريح سابق، إن حجم الاستثمارات السعودية في سوريا يمكن أن يتجاوز 20 مليار دولار.

في حين اعتبر وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، أن ما تحقق خلال الفترة الماضية في مسار العلاقات الاستثمارية يؤكد أن الشراكة السورية السعودية تمضي بثبات نحو الأمام.

وخلال مراسم الإعلان عن توقيع العقود الاستراتيجية، أوضح الفالح أن الوجود في دمشق يأتي امتداداً لمسار واضح يستند إلى رؤية مشتركة لبناء مستقبل مشترك بين البلدين، معلناً الانطلاق الرسمي لأعمال تأسيس صندوق إيلاف للاستثمار بالمشروعات الكبرى في سوريا.

وأشار البكور إلى أن متانة العلاقات بين البلدين مع ما تمثله المملكة من ثقل مالي واقتصادي في المنطقة سيرسل بلا شك إشارات إيجابية للشركات الاستثمارية والمستثمرين العرب والأجانب ما سيسهم في تسريع عجلة التعافي والتنمية الاقتصادية والحد من البطالة.

واعتبر البكور أن بإمكان سوريا الاستفادة من العلاقة المتميزة مع السعودية عبر إعادة تفعيل دورها في سلاسل التجارة الإقليمية ومبادرات التكامل الاقتصادي العربي لما تمتلكه من موقع جغرافي مميز في معادلة الربط اللوجستي ومشاريع نقل الطاقة.

ولفت إلى أن تعزيز العلاقات بين البلدين سينعكس إيجابياً على تحسين الاستقرار النقدي من خلال إما دعم الاحتياطات من النقد الأجنبي والأصول أو عبر تشجيع الحوالات المالية، أو إعادة فتح قنوات التمويل والاستثمار ما يسهم في تخفيف الضغوط على سعر صرف الليرة وتحسين البيئة المالية، إضافة إلى تعزيز قدرة دمشق على التفاوض في الملفات الاقتصادية الدولية، ويمنحها موقعاً أكثر فاعلية في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والإقليمية.

التبادل التجاري

خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، قفزت الصادرات السعودية إلى السوق السورية أكثر من الضعف لتبلغ 1.2 مليار ريال سعودي (نحو 324 مليون دولار)، مقارنة بـ 558 مليون ريال (نحو 151 مليون دولار) فقط خلال عام 2024 بأكمله.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا والسعودية نحو 900 مليون ريال سعودي (243 مليون دولار) خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2025، بزيادة نحو 80 بالمئة عن الفترة نفسها من 2024، مع توقعات بأن يتجاوز الرقم ملياري ريال (540 مليون دولار) بنهاية العام، وهو أعلى مستوى منذ نحو 13 عاماً.

وبلغت قيمة الصادرات السعودية إلى سوريا في عام 2024 نحو 558 مليون ريال (نحو 148.8 مليون دولار)، بزيادة 27 بالمئة على أساس سنوي، في حين سجلت الصادرات السورية إلى المملكة 685 مليون ريال (نحو 182.7 مليون دولار)، متراجعة بنحو 10 بالمئة، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية.

وتصدّرت اللدائن ومصنوعاتها قائمة أبرز السلع السعودية المصدّرة إلى سوريا في عام 2024، حيث بلغت قيمتها نحو 359 مليون ريال (نحو 95.7 مليون دولار)، وشملت الصادرات السعودية أيضاً البن والشاي والبهارات، ومنتجات الخزف، والفواكه، والمنتجات الكيميائية غير العضوية، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية.

أما الصادرات السورية إلى السعودية، فتأتي في مقدمتها محضّرات الفواكه والخضار، التي سجّلت نحو 172 مليون ريال (نحو 45.9 مليون دولار)، تلتها الفواكه، والشحوم والزيوت الحيوانية أو النباتية، والبن والشاي والبهارات والتوابل، إضافة إلى الألبان والبيض والمنتجات الحيوانية المعدّة للأكل، بحسب الهيئة.

وأكد المحلل والباحث السياسي ميلاد مالك الأطرش، أن زيارة الشرع إلى المملكة تأتي في وقت محوري بالنسبة للعلاقات الاقتصادية بين الدولتين، إذ تعكس توجهاً واضحاً نحو تعزيز أطر التعاون المشترك واستكشاف فرص جديدة للاستثمار والتبادل التجاري، معتبراً السعودية “مفتاحاً” رئيسياً في جهود إعادة إعمار سوريا.

وتوقع الأطرش في حديثه لصحيفة الثورة السورية، أن يتجه البلدان نحو تسهيل حركة رؤوس الأموال وتبادل الخبرات التقنية، خصوصاً في مجالات الابتكار الزراعي والتكنولوجي، بما يعزز الإنتاج المحلي، ويخلق فرص عمل جديدة، ويحقق نمواً اقتصادياً مستداماً، مشيراً إلى أن زيارة الشرع إلى السعودية تُعد خطوة لتعميق التكامل الاقتصادي العربي عبر ربط الأسواق وتعزيز التعاون في قطاعات النقل والسياحة والخدمات اللوجستية.

وبلغ صافي الاستثمارات السورية المباشرة في السعودية 930 مليون دولار بين 2019 و2023، فيما بلغ رصيد الاستثمارات القائمة 2.25 مليار دولار بنهاية 2023، وفق بيانات وزارة الاستثمار السعودية.

قطاعات التعاون

تتنوع قطاعات التعاون بين سوريا والسعودية، من الطاقة إلى الطيران والبنية التحتية والاتصالات وغيرها.

وتضمنت العقود الاستراتيجية التي وقّعها الجانبان في دمشق في شباط الماضي:

  • قطاع الطيران: تطوير مطار حلب الدولي الجديد، وتشغيل وتحسين المطار الحالي، وتأسيس شركة طيران سورية لمزاولة الطيران التجاري والشحن الجوي، بالشراكة مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري.
  • المياه: تطوير مشروعات تحلية ونقل المياه عبر الدراسات الاقتصادية والفنية والمالية اللازمة، مع إيجاد حلول مناسبة لتقييم مشروع تحلية مياه البحر.
  • البنية التحتية للاتصالات: رفع كفاءة البنية التحتية من خلال تمديد كابلات الألياف الضوئية وإنشاء مراكز بيانات، بما يُسهم في تحسين خدمات الإنترنت، وتمكين سوريا من أن تصبح مركزاً إقليمياً لنقل البيانات والاتصال الدولي.
  • الكابلات: تشغيل وتطوير شركة الكابلات السورية، إضافة إلى تطوير المنصة الوطنية للتدريب والتأهيل المهني والفني والتقني.
  • التعاون التنموي: توقيع اتفاقية إطارية وإطلاق 45 مبادرة تنموية بين صندوق التنمية السوري واللجنة التنموية السعودية.

وتنص الاتفاقية الخاصة بمطار حلب على تطوير وتشغيل المطار الحالي، إلى جانب مشروع بناء وتشغيل مطار حلب الدولي الجديد شمال سوريا، بقيمة قد تصل إلى 7.5 مليارات ريال سعودي (نحو 2 مليار دولار)، وفق وزير الاستثمار السعودي.

وتضمنت الاتفاقيات الموقعة بين سوريا والسعودية أيضاً، اتفاقية لتأسيس شركة طيران وطنية اقتصادية جديدة باسم “طيران ناس سوريا”، بملكية مشتركة بين الجانبين، على أن تبدأ أعمالها التشغيلية في الربع الرابع من العام الحالي.

وتهدف الشركة إلى تشغيل رحلات جوية إلى وجهات في الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، بما يعزز الحركة الجوية من وإلى سوريا، ويطور الربط الجوي الإقليمي والدولي، ويلبي الطلب المتنامي على خدمات النقل الجوي.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “طيران ناس” بندر المهنا: إن المشروع يهدف إلى خلق فرص وظيفية نوعية للشباب والشابات السوريين، مع التركيز على تدريبهم خلال السنوات المقبلة ليصبحوا قيادات مستقبلية في الشركة.

وبيّن أن اختيار سوريا كأول وجهة استثمار خارجي لـ “طيران ناس” يعود إلى الفرص الكبيرة في السوق السورية، والطلب المتنامي، والانفتاح الاقتصادي، إضافة إلى التقارب بين البلدين، ما شكّل دافعاً قوياً.

كما تضمنت الاتفاقيات السورية السعودية تنفيذ مشروع “سيلك لينك”، الذي يُعد من أكبر مشروعات البنية التحتية الرقمية في سوريا ومن بين الأضخم عالمياً، بحسب الفالح.

وقال وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل: إنّ المشروع يسهم في ترسيخ موقع سوريا كنقطة اتصال عالمية، ويتيح داخلياً بناء منظومة متكاملة من الخدمات للمراكز العالمية.

وأضاف أن 18 شركة قدمت طلبات للاستثمار، وبعد عملية تقييم دقيقة فازت شركة “إس تي سي” السعودية بالمنافسة.

وفي مجال التعليم، قال رئيس شركة “سيما نور” للتعليم الإلكتروني عماد بن فهد الدغيثر، إنّ الاتفاقية الموقعة مع وزارة الاقتصاد لإطلاق منصة وطنية للتدريب المهني تركز على التعليم والتدريب الفني والمهني، اعتماداً على خبرة الشركة في المحاكاة والمنصات الإلكترونية، مؤكداً أن توقيع الاتفاقية يعني بدء العمل الفوري، مع إطلاق المنصة خلال الأشهر المقبلة، والتوسع لاحقاً لتشمل وزارات أخرى، تشمل مجالات التعاون العديد من القطاعات الأخرى.

وفي هذا السياق، وقّعت وزارتا الاقتصاد والصناعة والطاقة يوم الإثنين مذكرة تفاهم مع شركة “سامي روك للصخور المحدودة” السعودية، بهدف وضع إطار مشترك لإطلاق مشروع استثماري في قطاعي التعدين والصناعة، يعتمد على استخدام السجيل الزيتي في إنتاج فوسفات ثنائي الأمونيوم (DAP).

وتهدف الخطوة إلى توجيه الاستثمارات نحو الموارد الطبيعية، وتطوير قطاع التعدين بما يدعم الاقتصاد الوطني، في إطار التوجيهات الحكومية الرامية إلى فتح آفاق جديدة للاستثمار الصناعي. وكانت المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء وقعت مذكرة تفاهم ملزمة مع شركة “محمد أحمد الحرفي” السعودية للمقاولات لتنفيذ محطة طاقة شمسية باستطاعة 210 ميغاواط (AC)، مدعومة بنظام تخزين بالبطاريات (BESS) بسعة 827 ميغاواط/ساعة.

ولنجاح أي رؤية مستقبلية للعلاقات بين البلدين، اقترح البكور العمل على مجموعة من الإجراءات المتكاملة لترجمة هذا التقارب من خلال إطلاق مشاريع استثمارية مشاركة وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية، وتطوير بيئة الأعمال والتشريعات الجاذبة للاستثمار، وتعزيز الشفافية والحوكمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن استثمار هذا التعاون بشكل مدروس ومستدام سيشكل نموذجاً ناجحاً للتكامل الاقتصادي العربي.

اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات

وقّع وزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار، ووزير الاستثمار السعودي المهندس خالد بن عبد العزيز الفالح، في 18 من شهر آب الماضي، اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار بين البلدين، وذلك على هامش اجتماع الطاولة المستديرة في الرياض لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

وصادقت المملكة على الاتفاقية الشهر الماضي، في حين رحبت سوريا بهذه الخطوة، واعتبرتها محطة مهمة في مسار تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين سوريا والمملكة.

وأوضحت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أن الاتفاقية تمثل تتويجاً للجهود المبذولة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في المجال الاستثماري، بما يسهم في دعم التنمية الاقتصادية وتحقيق المصالح المشتركة.

وأكدت أن هذه الاتفاقية تشكّل حجر أساس لتوفير بيئة استثمارية جاذبة وآمنة، تسهم في تشجيع تدفق رؤوس الأموال والخبرات، وتعزيز فرص الاستثمار، بما ينعكس إيجاباً على دفع عجلة الاقتصاد الوطني وتحقيق النمو المستدام في كلا البلدين الشقيقين.

وأشارت الوزارة إلى استعدادها الكامل للعمل المشترك مع الجانب السعودي لوضع الاتفاقية موضع التنفيذ، والبناء عليها لتطوير حجم ونوعية الاستثمارات المتبادلة، بما يحقق مزيداً من التعاون الاقتصادي المثمر.

ويعكس هذا الزخم الاستثماري تحولاً نوعياً في العلاقات الاقتصادية، حيث بات المحرك الرئيس للتقارب بين البلدين.

وفي هذا السياق، أكد وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، في تصريح سابق أن هذه المشاريع ذات طابع اقتصادي بحت، وتستهدف تحقيق مكاسب عادلة للمستثمرين وللمستفيدين في سوريا وخارجها، وتمتد آثارها إلى أسواق إقليمية، مجدداً التأكيد على أن التعاون السعودي السوري “لا تحدّه حدود” في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، وأن آفاق التعاون بين البلدين مفتوحة على مصراعيها.

حمزة العبد الله- نور جوخدار

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار