الربط الرقمي السوري السعودي: كيف تتشكل بنية النفوذ الجديدة؟

زمن القراءة: 13 دقائق

بهدف تعزيز التعاون بين الجمهورية العربية السورية والمملكة العربية السعودية في مجال الاتصالات وتطوير هذا القطاع في سوريا، أكد وزير الاتصالات وتقانة المعلومات عبد السلام هيكل أن زيارته إلى الرياض أواخر آب 2025 شكلت محطة فارقة في مجال الاتصالات والتحول الرقمي، وفتحت آفاقا جديدة لتكامل فعال يخدم مصالح البلدين والشعبين الشقيقين، في إطار رؤية مشتركة قائمة على التنمية والابتكار.

وذكر الوزير هيكل، في منشور على منصة “إكس”، أنه بعد لقائه، والوفد المرافق له، المؤسسات والشركات والقادة الذين صنعوا النهضة الرقمية في المملكة معتمدين على كوادرهم الوطنية، قال: “من الرياض عدنا وقد اطلعنا على تجربة استثنائية نعتز بها ونستلهم منها”، مضيفا: “نعود إلى دمشق بقناعة مضاعفة بآفاق التكامل بين سوريا والسعودية في قطاع الاتصالات والتنمية الرقمية”، كاشفا عن العمل معا على مشروعات فارقة خدمة للبلدين والشعبين والمنطقة.

وخلال مراسم توقيع مجموعة من العقود الاستراتيجية بين البلدين في شباط 2026، شدد رئيس هيئة الاستثمار، طلال الهلالي، على أن المشاريع التي تم توقيعها، بما فيها تطوير البنية التحتية للاتصالات، تشكل منظومة متكاملة للبنية التحتية الرقمية، وهدفها تعزيز البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتطوير منظومات الربط الرقمي.

ومن جانبه، بين وزير الاتصالات وتقنية المعلومات السعودي، عبد الله السواحة، أن الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات سيجعل سوريا لاعبا رئيسيا في الاقتصاد الرقمي الإقليمي، كما أن اختيار شركة الاتصالات السعودية “STC” لتنفيذ مشروع “سيلك لينك” باستثمار يقارب المليار دولار لا يمثل مشروعا تقنيا فقط، بل رسالة واضحة بأن المنطقة تستعيد دورها محورا لربط القارات.

وتأكيدا على مواصلة العمل المشترك ودعم مسار الشراكة الاستراتيجية بين دمشق والرياض، والمضي قدما في تنفيذ العقود الاستراتيجية الموقعة بين جهات حكومية سورية وشركات سعودية رائدة، جدد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، من العاصمة الأردنية عمان، في الثاني عشر من نيسان الجاري، التأكيد على مواصلة التنسيق مع الرياض في الربط الرقمي الإقليمي.

الربط الرقمي الإقليمي

يذكر مركز أنباء الأمم المتحدة، في إطار التعريف ب”التعاهد الرقمي العالمي” في “ميثاق المستقبل”، أن التكنولوجيات الرقمية تؤدي إلى تغيير عالمنا بشكل كبير، فهي توفر فوائد محتملة هائلة لرفاه الناس والمجتمعات والكوكب وتقدمهم، كما تبشر بتسريع خطى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

ويشير إلى أنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تعزيز التعاون الدولي الذي يسد جميع الفجوات الرقمية بين البلدان وداخلها، مع التسليم بالتحديات التي تسببها هذه الفجوات للعديد من البلدان، ولا سيما البلدان النامية التي لديها احتياجات إنمائية ملحة وموارد محدودة.

ويمثل الربط الرقمي الإقليمي عملية توصيل البنى التحتية لشبكات الإنترنت والاتصالات ومراكز البيانات بين مجموعة من الدول في منطقة جغرافية محددة، لإنشاء شبكة موحدة وعالية السرعة، بهدف تعزيز تبادل البيانات، وتوطين الخوادم، وتقليل تكاليف النقل والخدمات.

ويقول الدكتور حسن غرة، الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن الربط الرقمي الإقليمي ليس مجرد توصيل كابلات أو شبكات اتصال بين الدول، بل هو منظومة متكاملة تشمل ثلاثة مستويات متداخلة.

وأضاف أن المستوى الأول هو البنية التحتية التقنية، وتشمل شبكات الألياف الضوئية العابرة للحدود، ونقاط تبادل الإنترنت، وبروتوكولات التوجيه الآمنة. أما المستوى الثاني فهو التكامل الحكومي الرقمي، أي ربط المؤسسات الحكومية ببعضها عبر واجهات برمجية موحدة تتيح تبادل البيانات بين الدول. وأما المستوى الثالث فهو الإطار التشريعي والحوكمة، ويشمل اتفاقيات تنظيم البيانات وحمايتها، والأمن السيبراني المشترك.

وحول أهمية الربط على المستويين الحكومي والخاص، يبين الدكتور غرة أنه على المستوى الحكومي يتيح الربط الرقمي الإقليمي تسريع إجراءات التخليص الجمركي، وتوحيد بيانات المقيمين والمغتربين، وتبادل المعلومات الاقتصادية في الوقت الفعلي، مشيرا إلى أن الأمم المتحدة أكدت في “التعاهد الرقمي العالمي” أن الربط الرقمي الشامل يعظم الاستفادة من التكنولوجيات الناشئة ويدعم أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030.

وتابع أنه على مستوى القطاع الخاص، يعني هذا الربط توسيع آفاق التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، وتكامل المنصات المالية الرقمية، وتدفق الاستثمارات عبر بيئة تنظيمية موحدة، موضحا أنه حين تصبح العمليات المصرفية والخدمات اللوجستية والحكومة الإلكترونية متصلة رقميا، تنخفض تكاليف الأعمال وترتفع تنافسية الشركات الصغيرة والمتوسطة.

التنسيق بين سوريا والسعودية في التحول الرقمي

جاء في تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط”، نشر في تشرين الثاني 2025 تحت عنوان “كيف يمكن للتحول الرقمي الخليجي أن يصبح نموذجا تنمويا للدول العربية الأخرى؟”، أن التحول الرقمي في العالم العربي لم يكن يوما بمثل هذا التسارع كما هو الآن، مشيرا إلى أنه بين دول تتصدر السباق في البنى التحتية والتشريعات الرقمية، مثل السعودية والإمارات، وأخرى تحاول اللحاق بالموجة التقنية بعد سنوات من التحديات، مثل سوريا والعراق ولبنان، يعاد اليوم رسم الخريطة الرقمية العربية على نحو غير مسبوق.

ونقلت الصحيفة عن الوزير هيكل قوله إن وزارته تضع أولويات استراتيجية حيوية تتمثل في تعزيز البنية التحتية الرقمية في سوريا، واستقطاب الشراكات الدولية، وتمكين المبتكرين المحليين، بما يعكس التزام الحكومة ببناء اقتصاد رقمي مستدام وشامل.

وذكر الوزير هيكل أنه رغم التحديات المتعلقة بالبنية التحتية، فقد تم إطلاق مبادرات كبرى لتحسين البنية التحتية الرقمية وتأسيس منظومة اتصالات متطورة، منها مشروع “سيلك لينك” للألياف الضوئية، ومشروع “أوغاريت 2” لمضاعفة سعة الإنترنت في سوريا في غضون أشهر، وتعزيز تبادل البيانات الإقليمي، وغيرها من المشاريع.

وبشأن التنسيق بين سوريا والسعودية في ملف التحول الرقمي، يقول الدكتور حسن غرة إنه يسير على مسارين متوازيين: المسار الاستثماري والتمويلي الذي تجسد في تشرين الأول 2025 حين عقدت طاولة مستديرة رفيعة بين مسؤولين من البلدين، ركزت على الاتصالات والخدمات المالية الرقمية، وأكد فيها الجانب السعودي حرصه على أن يكون “شريكا فاعلا في إعادة الإعمار والتنمية الرقمية”.

وأضاف: أما المسار التقني والتنفيذي، فقد تجلى في شباط 2026 حين أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية انطلاق الأعمال التنفيذية لشراكتها مع شركة “علم” السعودية، إحدى أبرز شركات التقنية في المنطقة، مشيرا أيضا إلى أن زيارة هيئة البيانات والذكاء الاصطناعي السعودية “سدايا” فتحت قناة حقيقية لنقل المعرفة في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ونماذج الحكومة الرقمية.

وجدير بالذكر أن السيد الرئيس أحمد الشرع والوزير الشيباني والوفد المرافق زاروا مقر هيئة “سدايا” في إطار زيارة المملكة العربية السعودية في شباط 2025، واستمعوا حينها إلى إيجاز من رئيس الهيئة الدكتور عبد الله شرف الغامدي حول جهود المملكة في هذا المجال ضمن إطار “رؤية السعودية 2030” لبناء اقتصاد وطني قائم على البيانات، ولجعل المملكة مركزا عالميا في المنطقة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحقيق الاستفادة المثلى من هذه التقنيات لدعم الجهات الحكومية في تسهيل وصول المواطنين والمقيمين والحجاج والمعتمرين إلى خدماتها بكل يسر وأمن.

وفي شباط الماضي، أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات بدء الأعمال التنفيذية للشراكة مع شركة “علم” السعودية الرائدة في الحلول الرقمية، في خطوة تهدف إلى نقل الشراكة بين الجانبين إلى مرحلة التطبيق العملي، وذلك عقب توقيع الاتفاقية الإطارية بين الجانبين لتطوير البنية التحتية الرقمية في سوريا، وتمكين الجهات الحكومية من تقديم خدمات إلكترونية أكثر كفاءة، وتسريع التحول الرقمي، بما يسهم في رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمؤسسات.

وذكر الرئيس التنفيذي لشركة “علم” محمد العمير أن الشركة بدأت العمل مع الوزارة لترجمة الاتفاقية إلى مبادرات ومشاريع تنفيذية، مؤكدا تطلعها إلى أن تكون شريكا فاعلا في دعم التحول الرقمي في سوريا عبر نقل خبراتها، وتقديم حلول رقمية متقدمة، وتدريب وتوظيف الكوادر المحلية، وبناء نماذج تشغيل مستدامة بالتعاون مع الوزارة.

ومن جانبه، أوضح مدير الهيئة العامة السورية للاستثمار أن استقطاب شركات متخصصة في الاستثمار الرقمي يشكل خطوة مهمة ضمن خطة الهيئة لتعزيز التحول الرقمي في سوريا، وتطوير الخدمات الحكومية وفق أفضل الممارسات العالمية، مشيرا إلى الخبرة الواسعة التي تمتلكها شركة “علم” في تحويل الإجراءات الحكومية في السعودية إلى أنظمة رقمية متكاملة، مبينا أن هذا التعاون يمثل نموذجا للشراكات الدولية التي تسعى الحكومة السورية إلى تعزيزها لتطوير بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي.

الأهداف المشتركة في تطوير البنية التحتية الرقمية

يذكر الباحث الاقتصادي في مركز جسور، أن الأهداف المشتركة بين سوريا والسعودية في ملف تطوير البنية التحتية الرقمية تتمحور حول عدة محاور استراتيجية، مبينا أنه على صعيد الحكومة الإلكترونية يسعى البلدان إلى أتمتة الخدمات العامة ورفع كفاءة المؤسسات بما يقلص البيروقراطية ويخفف عبء المواطن.

وأضاف أنه على صعيد الاتصالات، تستهدف دمشق والرياض تحديث شبكات الجيل الخامس وتوسيع تغطية الإنترنت في المناطق المحرومة. وأما على الصعيد المالي الرقمي، فالهدف هو تكامل المنصات المصرفية وتسهيل تحويلات المغتربين السوريين وتقليص الاعتماد على القنوات غير الرسمية. ويضاف إلى ذلك الأمن السيبراني المشترك، وبناء الكوادر البشرية السورية المتخصصة عبر برامج نقل المعرفة والتدريب التقني.

وتشهد “السيادة الرقمية”، القائمة على الاستقلال الأمني والاقتصادي والسياسي في الفضاء الرقمي، ودورها المهم، تصاعدا لافتا بوصفها أحد أبرز المحاور في سباق التكنولوجيا العالمي، حيث لم تعد هذه السيادة مجرد مسألة تقنية، بل أداة استراتيجية لتحقيق الحماية الوطنية واستقلال القرار في زمن التوترات الجيوسياسية.

ويرى المتخصص في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي المهندس قاسم دنش، في حديث لموقع “الجزيرة نت”، أن “السيادة الرقمية” لم تعد ترفا فكريا أو ملفا تقنيا، بل أصبحت خط الدفاع الأول عن الأمن القومي وقدرة الدول على الصمود في مواجهة الحروب الحديثة التي تتخذ شكلا اقتصاديا بالدرجة الأولى، وتتقاطع مع الفضاء السيبراني بشكل مباشر.

ويعتبر أن “معركة السيادة الرقمية هي معركة وجود، فمن يملك السيطرة على فضائه الرقمي يملك القدرة على حماية اقتصاده وفرض إرادته وتأمين أمنه القومي في زمن الحروب الاقتصادية والميدانية معا، والقوة اليوم باتت تقاس بقدر ما تملك من سيطرة على البيانات والفضاء السيبراني، تماما كما كانت تقاس سابقا بما تملكه من أرض وسلاح”.

وأكد أنه في ظل التحديات، يتعين على الدول أن تسن تشريعات صارمة لحوكمة البيانات وحمايتها من التسرب أو السيطرة الخارجية، مع توطين مراكز البيانات والخدمات داخل الحدود الوطنية، وقال إن هذا يشكل تحديا كبيرا أمامها، وإن عليها بناء تحالفات رقمية مع الدول الصديقة لخلق شبكات تقنية آمنة.

ويشير الدكتور حسن غرة إلى أن التجربة الأقرب لما تسعى إليه سوريا والسعودية هي تجربة الاتحاد الأوروبي الذي أنشأ بنية تحتية رقمية موحدة أجبرت حتى الشركات العالمية على الامتثال لقواعده، ما أوجد سوقا رقمية ضخمة تتجاوز ديناميكياتها الحدود الوطنية.

وأشار إلى أنه على المستوى الإقليمي الأقرب، باتت دول مجلس التعاون الخليجي نموذجا متقدما في الاستثمار بالاقتصاد الرقمي من خلال تطوير بنية تحتية مشتركة للاتصالات ودعم الذكاء الاصطناعي.

ووفق البيانات الصادرة عن تقرير “PwC الشرق الأوسط 2025″، وأوردها تقرير صحيفة “الشرق الأوسط” المذكور أعلاه، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي في المنطقة يمكن أن يضيف أكثر من 320 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بحلول عام 2030، مبينا أن السعودية وحدها تستحوذ على نحو 50 بالمئة من هذه القيمة المتوقعة بفضل استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، ومشاريع المدن الذكية، مثل “نيوم” و”ذا لاين”، والبنية السحابية.

وأضاف أن المملكة تستهدف رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى 19 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وفق وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، لافتا إلى أن هذا الزخم لا يتعلق بالأرقام فحسب، بل بالنضج الاستراتيجي، فالرياض تعمل على بناء سيادة رقمية حقيقية من خلال مراكز بيانات محلية، ونماذج لغوية عربية، مثل “علام”، ما يمثل انتقالا من مجرد استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها وتوطينها.

ويخلص الدكتور حسن غرة إلى القول إن تصريح الوزير الشيباني ترجمة لعمل ميداني قائم فعلا. يمثل فرصة تاريخية لسوريا للقفز من مرحلة ما قبل الأزمة مباشرة إلى نموذج الاقتصاد الرقمي المتكامل، بدلا من إعادة بناء بنية تقليدية متقادمة.

أسماء الفريح

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار