بين هرمز والمتوسط: كيف تعيد سوريا تسويق وزنها الجغرافي؟

زمن القراءة: 14 دقائق

لم تعد الملاذات الآمنة تقليدية، أي مرتبطة بالأدوات المعروفة من الذهب والسندات والأسهم وما إلى ذلك، بل تخطتها إلى ما يمكن اعتباره ملاذات غير تقليدية مرتبطة بالموقع الجغرافي. فعلى أثر الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على إيران، تعود الجغرافيا مرة أخرى لتكون فاعلا أساسيا في تحديد الاتجاهات الاقتصادية الدولية الجديدة.

ومن الموقع الجغرافي تعيد سوريا صياغة دورها كفاعل لا غنى عنه راهنا ومستقبلا، مستفيدة من اللحظة الدولية البالغة الخطورة، لتكون، ولتضع نفسها، في مقدمة الخطوط التجارية الإقليمية البديلة للخطوط التقليدية التي اعتادها العالم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لتستفيد من ذلك في مرحلة البناء الاقتصادي وبناء الدولة.

وتتمتع سوريا بموقع استراتيجي يربط بين قارات العالم الثلاث، مما يجعلها ممراً برياً وبحرياً حيوياً للتجارة وسلاسل الإمداد العالمية والإقليمية، إضافة إلى أن موقع سواحلها على البحر الأبيض المتوسط يسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية، في حين تربط برا بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، وبالتالي يفرض موقعها ممرا إجباريا محتملا للطاقة والبضائع.

وفي ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط وتأثيرها على خطوط الإمداد والطاقة وسلاسل التوريد، بدأ الإقليم، ومن ضمنه سوريا، التفكير في خطوط بديلة وإعادة إحياء مشاريع قديمة تعثر معظمها بفعل الأحداث التي غيرت وجه المنطقة خلال العقد الماضي، لكن السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي مدى يمكن أن تعوض هذه المشاريع ما يفقد مع استمرار الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز والتهديدات المحيطة بمضيق باب المندب؟ وماذا عن المدد الزمنية لإعادة إحياء هذه المشاريع والتكاليف المرتبطة بها؟

سوريا والفرص الاقتصادية

مما لا شك فيه أن الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز يفتح أمام سوريا مجموعة من الفرص الاقتصادية التي يمكن استغلالها لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى محركات للنمو والتعافي، والتي تستند بشكل أساسي إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا وإمكاناتها في التحول إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي.

لكن عند الحديث عن سوريا، وهي الخارجة لتوها من حرب خلفت أضرارا هائلة في البنى التحتية كافة، وعلى وجه الخصوص المتعلقة بخطوط الإنتاج والطاقة، تصبح الأسئلة أكثر إلحاحا، وتغدو الحاجة إلى طرحها والإجابة عنها بدقة وموضوعية أكبر، بما يتماشى مع معطيات الواقع التي يتداخل فيها الأمني مع السياسي والاقتصادي، والإقليمي والدولي، مع إعادة التشبيك مع العالم وصياغة تحالفات وعلاقات جديدة.

وأمنياً، إلى حد ما، وفي الكثير من المواضيع الأمنية، تخطت سوريا أشواطا لا بأس بها، ولا سيما بعد الاتفاق مع “قسد”. وسياسيا، تشهد سوريا حركة سياسية ودبلوماسية نشطة وواسعة باتجاهين: العالم باتجاه سوريا، والأخيرة باتجاه العالم، وكان آخرها زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى كل من ألمانيا وبريطانيا، والاجتماعات التي شهدتها الزيارتان، والاتفاقيات التي تم التوصل إليها في مجالات عدة، بمعنى أن الأرضية السياسية والدولية باتت مهيأة لسوريا لتستعيد دورها.

إلا أنه اقتصادياً، وعند الحديث عن إعادة إحياء مشاريع قديمة مرتبطة بسلاسل التوريد والإمداد والطاقة، يجب التوقف لبحث مدى واقعيتها، أقله راهنا، إذ لا يزال الوضع الاقتصادي السوري هشا، فمثل هذه المشاريع والخطوط البديلة التي يتم الحديث عنها راهنا على خلفية الحرب تحتاج إلى مبالغ تصل إلى مليارات الدولارات، وهنا الحديث عن السكك الحديدية وسلاسلها؛ إلا أن الربط البري يبقى الأنجع.

وبطبيعة الحال، فإن ما سبق ذكره، بقدر ما يقدم توصيفا للواقع، إلا أنه لا يقلل من أهمية موقع سوريا، وأنها مرشحة لتكون أحد المسارات البديلة ضمن سلاسل الإمداد والتوريد في سياق إعادة تشكيل وتعريف الجغرافيا الاقتصادية للعالم، كما أن هذه المرحلة، على خطورتها الإقليمية والدولية، تعد من أفضل المراحل لإعادة إنتاج صيغ وعلاقات وخطوط اقتصادية إقليمية ودولية.

سوريا كملاذ آمن

في زيارته إلى ألمانيا، أكد الرئيس الشرع، خلال مشاركته في اجتماع طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية في وزارة الخارجية الألمانية في برلين، أن سوريا، بفضل موقعها الاستراتيجي، تشكل ملاذا آمنا لسلاسل توريد الطاقة، وتوفر فرصا استثمارية واعدة، مؤكدا في الوقت ذاته امتلاكها مخزونا كبيرا من الموارد البشرية المؤهلة، ما يعزز جاذبية بيئة الاستثمار فيها.

ويتزامن كلام الرئيس الشرع مع الرؤية الاقتصادية حول مبادرة البحار الأربعة التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السوري أسامة قاضي لـ”الشرق الأوسط”، وهي عبارة عن خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط “التابلاين” التاريخي، بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية إلى منصة لوجستية عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يوميا بعيدا عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالميا، كما تهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة “الابتزاز الجيوسياسي” المرتبط بمرور أكثر من 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية، ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخما استثنائيا بوصفها بدائل مستدامة.

الجغرافيا نقطة انطلاق

يرى الدكتور باسل سعيد علي، عضو الهيئة التدريسية في قسم التمويل والمصارف بكلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق، ومدير المعهد الإحصائي سابقا، أن سوريا لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار، بل إلى إعادة تعريف نفسها اقتصاديا.

ويطرح الدكتور علي السؤال التالي: لماذا تملك سوريا فرصة جغرافية استثنائية؟ ويجيب: تقع سوريا في قلب المشرق، وتربط بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وشرق المتوسط، ما يجعلها مؤهلة لتكون ممر عبور إقليميا للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. كما أن امتلاكها شريطا ساحليا على المتوسط يبلغ نحو 183 كيلومترا يضيف بعدا بحريا مهما يمكن استثماره في الموانئ والمناطق الحرة والخدمات البحرية. وهذه الميزة الجغرافية لا تعني بالضرورة ازدهارا تلقائيا، لكنها تعني أن سوريا تمتلك ما يسمى في الاقتصاد “الأصل المكاني” الذي يمكن تحويله إلى قيمة مضافة إذا توفرت السياسات الصحيحة.

وتشير التوقعات والأبحاث الاقتصادية إلى أنه، وفي مراحل مختلفة من تطور الحالة الاقتصادية في سوريا، ارتفع دور النقل والترانزيت إلى ما بين 10 و15 في المئة من النشاط الاقتصادي الجديد في مرحلة التعافي، مع إمكان نمو حركة البضائع عبر الممرات البرية بنسبة 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأولى من الاستقرار، وإمكانية خفض كلفة النقل الإقليمي بنسبة 15 إلى 20 في المئة إذا تحسنت المعابر والطرق.

في أي قطاعات يمكن أن تظهر الفرصة الاقتصادية؟

يوضح عضو الهيئة التدريسية أن أهم القطاعات التي يمكن أن تستفيد من الجغرافيا السورية هي النقل واللوجستيات، والساحل والمرافئ، والزراعة، والصناعات الغذائية، ثم الطاقة وإعادة الإعمار. فكل قطاع من هذه القطاعات يرتبط مباشرة بموقع سوريا ومواردها وتوزيعها السكاني.

وفي النقل واللوجستيات يمكن لسوريا، في حال استقرار المعابر والطرق الدولية، أن تتحول إلى منصة عبور بين الداخل العربي وشرق المتوسط. وفي السيناريو الإيجابي، قد يشكل قطاع النقل والخدمات اللوجستية ما بين 10 و15 في المئة من النشاط الاقتصادي الجديد. كما يمكن أن ترتفع حركة الترانزيت البري بنسبة 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأولى من الاستقرار، مع خفض كلفة النقل الإقليمي بنحو 15 إلى 20 في المئة إذا تحسنت البنية الطرقية والمعابر.

وبين الدكتور علي، في هذا السياق، أهمية الساحل السوري، فالساحل ليس مجرد شريط جغرافي، بل يمكن أن يتحول إلى منصة استثمارية بحرية. فالمرافئ، والمناطق الحرة، والسياحة الساحلية، والصناعات المرتبطة بالنقل البحري، كلها فرص قابلة للنمو إذا توفر الاستقرار.

وفي قطاع الزراعة والصناعة الغذائية، تمتلك سوريا قاعدة زراعية يمكن إعادة بنائها بسرعة نسبية مقارنة بقطاعات أخرى. وإذا جرى الاستثمار في الري والتخزين والتصنيع الغذائي، يمكن لهذه القطاعات أن تتحول إلى رافعة أساسية للتشغيل والأمن الغذائي. فمن الممكن أن ينمو الإنتاج الزراعي بنسبة 10 إلى 15 في المئة سنويا في المراحل الأولى من التعافي، كما يمكن أن تنخفض فاتورة استيراد الغذاء بنسبة 20 إلى 30 في المئة خلال 3 إلى 5 سنوات. كما أن نمو الصناعات الغذائية قد يصل إلى 15 في المئة سنويا إذا توفر التمويل والاستقرار.

هل يمكن اعتبار سوريا ملاذاً آمناً؟

تشير الأرقام والتوقعات إلى أنه، وفي حال النجاح في توفير البيئة اللازمة، فإننا سنشهد تدفق استثمارات أولية بين 1 و3 مليارات دولار سنويا في السيناريو المتحفظ، ووصول التدفقات إلى 5 مليارات دولار أو أكثر سنويا إذا توفرت الضمانات القانونية والمالية، ونمو قطاعات العقار والطاقة والاتصالات واللوجستيات بأسرع وتيرة في حال تحسن بيئة الأعمال، ونموا اقتصاديا سنويا بين 5 و10 في المئة في السيناريو المتوسط إذا بدأت إصلاحات حقيقية، مع إمكانية الوصول إلى 12 في المئة أو أكثر في السيناريو المتفائل مع تدفقات استثمارية واسعة، وتراجعا تدريجيا في التضخم إلى نطاق 20 إلى 40 في المئة خلال المرحلة الانتقالية إذا نجحت السياسة النقدية.

وحول واقعية أن تتحول سوريا إلى ملاذ آمن، لفت الدكتور علي إلى أن الكلام واقعي من حيث الإمكانات؛ أي إن سوريا تملك المقومات الجغرافية والاقتصادية التي تسمح لها بأن تصبح بيئة جذب واستقرار.

وبالتالي، إذا تحقق ذلك، فإن سوريا لن تكون مجرد دولة خارجة من الأزمة، بل يمكن أن تصبح نقطة ارتكاز اقتصادية في شرق المتوسط. فسوريا تملك موقعا جغرافيا استثنائيا يؤهلها لأن تصبح ملاذا اقتصاديا. وفي السيناريو الإيجابي، يمكن أن تنمو قطاعات النقل والزراعة والساحل والخدمات بمعدلات بين 10 و15 في المئة، وأن تجذب استثمارات بمليارات الدولارات، لكن كل ذلك يبقى مشروطا بإصلاحات حقيقية لا شكلية.

سوريا والإقليم بمعناه الأوسع

وفي السياق، وربطاً بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا وموقع سوريا الجيواستراتيجي الذي يعاد صياغته، ذكر المستشار والخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن هاتين الزيارتين تشكلان منعطفا استراتيجيا في مسار العلاقات السورية الأوروبية ككل، حيث تسعى سوريا إلى الانتهاء من مرحلة التثبيت السياسي للولوج إلى مرحلة الاندماج الاقتصادي في الفضاء الأوروبي.

ويقول عربش في تصريح لـ”الثورة السورية”: “بالتالي تعكس هذه الزيارة المزدوجة توجها أوروبيا بأن سوريا لم تعد مجرد ساحة أزمات، بل بدأت تعيد اكتشاف موقعها الجيواستراتيجي الأصيل كحلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الآسيوية. وفي هذه الجغرافيا، تتزاحم الشركات الأوروبية للاستثمار ليس فقط في سوريا كبلد يحتاج إلى كل شيء لإعادة الإعمار، بل في الإقليم بمعناه الواسع، حيث تتداخل سلاسل التوريد والممرات اللوجستية”.

وبين عربش أن زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا كانت فرصة لسبر شراكات استراتيجية في الطاقة وإعادة الإعمار، إذ شهدت توقيع مذكرات تفاهم مع شركات ألمانية كبرى، في مقدمتها “سيمنس” (Siemens) لتطوير شبكات الطاقة، و”كناوف” (Knauf) في قطاع مواد البناء والتشييد.

أما زيارة بريطانيا، حسب الخبير الاقتصادي، فهي خطوة تمثل امتداداً طبيعياً للزخم الذي بدأ في برلين، لكنها تحمل أبعادا جيوستراتيجية إضافية، مما يشير إلى تنسيق أوروبي متزايد حول الملف السوري، مع خصوصية بريطانيا ببعدها المالي والاستثماري العالمي.

فإعادة التواصل مع المستثمرين الألمان والبريطانيين تمثل نقلة نوعية من مرحلتين: مرحلة إعادة الإعمار الفوري، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في قطاعات التشييد والبنية التحتية في خلق فرص عمل سريعة وتحفيز الطلب المحلي، ومرحلة التحول الهيكلي، حيث يمكن أن تسهم الاستثمارات في الطاقة والخدمات اللوجستية في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد السوري ليكون أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على الاستيراد.

مركزية سوريا في معادلات الاستقرار

وذكر عربش أن الاستثمارات الأوروبية في قطاع الطاقة وقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ثم قطاع الخدمات اللوجستية والنقل، خاصة في ضوء التداول بمشاريع أنابيب نقل النفط والغاز العراقي والقطري عبر سوريا بطاقة قد تصل إلى أربعة ملايين برميل يوميا، وتكرير مليون برميل، على سبيل المثال، لا تقتصر منافعها على سوريا فقط، بل تمتد لتشمل أوروبا التي تبحث عن مصادر طاقة بديلة. وبالتالي، فإن البعد الاستراتيجي المتمثل في سوريا كممر للطاقة والتجارة موجود على طاولة المباحثات في لندن.

وفي المحصلة، وفي خضم المتغيرات الإقليمية والدولية، تمثل زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا وبريطانيا أكثر من مجرد لقاءات دبلوماسية، إنها لحظة إعادة اكتشاف لمركزية سوريا في معادلات الاستقرار والربط الإقليمي. فمع نتائج الحرب، بعد أن تضع أوزارها، يمكن أن تجعل من سوريا الممر البري الحيوي الذي يعيد تعريف الربط بين الشرق والغرب.

ومع استمرار الحرب في بعض جبهات المنطقة، يظل الرهان على أن الاستقرار المستدام والسلام هما المدخل الحقيقي لتحقيق المصالح الاقتصادية الكبرى، وأن سوريا، بموقعها الفريد، قادرة على أن تكون جسرا لا حاجزا، وممرا لا ساحة صراع.

هبا أحمد

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار