في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي دخلت شهرها الثاني، يتواصل تعطل حركة التجارة الدولية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 11 بالمئة من حجم التجارة العالمية، بما يشمل ربع تجارة النفط والغاز، أي حوالي 20 مليون برميل يومياً، إضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال.
ومع هذه التطورات، بدأت دول عدة، خصوصاً في الاتحاد الأوروبي، تستشعر خطر أزمة طاقة كبرى، وسط غياب أي مؤشرات على نهاية قريبة للصراع، مع مخاوف من توسعه عبر استهداف منشآت الطاقة الإيرانية وما قد يترتب عليه من رد على منشآت في دول الخليج العربي والمنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز سوريا اليوم كبديل محتمل لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز أمن الطاقة والتجارة للدول العربية، إضافة إلى دعم الاقتصاد العالمي عبر إمدادات مستقرة من النفط والغاز الطبيعي.
وأكد السيد الرئيس أحمد الشرع، خلال كلمته في منتدى الأعمال السوري الألماني ببرلين، أمس الإثنين، أن سوريا تشكل ملاذاً آمناً لسلاسل التوريد والطاقة بفضل موقعها الاستراتيجي بين الشرق والغرب.
وأشار الشرع إلى وجود مخاطر كبيرة على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن الدول الأوروبية قد تتأثر بشكل مباشر في حال انقطاع الإمدادات من الخليج العربي.
وأوضح أن سوريا، عبر سواحلها على البحر المتوسط وموقعها الاستراتيجي، يمكن أن توفر طرقاً آمنة وسريعة لنقل إمدادات الطاقة والبضائع إلى أوروبا. وأضاف أن أي اضطراب في البحر الأحمر أو مضيق هرمز يجعل من سوريا ملاذاً آمناً لضمان استمرارية الإمدادات.
وكان المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، دعا في تصريحات خلال ندوة الطاقة الأميركية-السورية بالولايات المتحدة، إلى البحث عن بدائل آمنة لممرات الشحن البحري المهددة، مشيراً إلى أن سوريا يمكن أن تلعب دوراً محورياً في هذا التحول، عبر نقل نفط الخليج من خلال خطوط الأنابيب، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط وأوروبا.
مشاريع مرتقبة
يرى خبراء اقتصاديون أن موقع سوريا الجغرافي المهم بين ثلاث قارات يجعلها الأكثر حظاً لتكون البديل الممكن لطرق العبور بين الشرق والغرب.
وأكد الخبير والمستشار الاقتصادي أسامة قاضي، وجود مجموعة من المشاريع الكبرى التي يجري دراستها بشكل مفصل ودقيق، وتهدف إلى تعزيز الدور الاقتصادي والجيوسياسي لسوريا والمنطقة العربية.
وقال قاضي لصحيفة “الثورة السورية”، إن موقع سوريا الجغرافي والفريد يجعلها البديل الأفضل لمضيق هرمز، حيث يجري دراسة دقيقة لإنشاء خط قطار بسرعة 200 إلى 300 كيلومتر/الساعة، يربط بين المملكة العربية السعودية وسوريا مروراً بالأردن.
ورأى أن من الضروري تعديل مسار خط أنابيب “التابلاين” الذي يبلغ طوله 1664 كيلومتراً، بحيث يتم نقل النفط من منطقة القيصومة في شمال شرقي السعودية إلى موانئ بانياس أو اللاذقية بدلاً من صيدا، عبر خط جديد بسعة تصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً.
وتشمل المشاريع مد خط الغاز القطري عبر الأراضي السورية إلى تركيا ثم الدول الأوروبية، مع إمكانية إنشاء فرع داخلي يصل إلى أحد الموانئ السورية، ما يتطلب تحديث البنية التحتية للغاز المسال في المناطق الساحلية، وهو ما من شأنه تعزيز موقع سوريا كواحدة من المحطات الأساسية لتصدير الغاز إلى الأسواق العالمية.
كما تستمر دراسة إعادة تأهيل خط أنابيب كركوك-بانياس، الذي يمتد من العراق إلى السواحل السورية، ورفع طاقته الاستعابية من 300 ألف برميل إلى قرابة الميلون برميل يومياً عبر استخدام شبكة من الأنابيب الحديثة، وفقاً للقاضي.
ممر غذائي
يرى قاضي أن تنفيذ هذه المشاريع سيقلل من الاعتماد على مضيق هرمز، ويعزز أمن الطاقة والتجارة للدول العربية، إضافة إلى دعم الاقتصاد العالمي بإمدادات مستقرة من النفط والغاز الطبيعي، وهو ما ينعكس على الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة وسوريا لعقود قادمة.
وطرح قاضي فكرة “الممر الغذائي” بين السعودية وسوريا، كواحد من المشاريع الاستراتيجية الذي يشمل إنشاء خط حديدي سريع لنقل المنتجات الغذائية والبضائع (ينطلق الخط من مدينة عرعر السعودية باتجاه المدن السورية، بسرعة تتجاوز 200 كيلومتر/الساعة، ما يتيح نقل السلع الطازجة خلال ساعات).
وبحسب قاضي، يهدف مشروع الممر الغذائي إلى معالجة هشاشة سلاسل الإمداد التي تعتمد بشكل كبير على النقل البحري عبر مضيق هرمز.
مسار مساند
أوضح قاضي أن سوريا تمتلك تنوعاً مناخياً وإنتاجياً زراعياً، يمكن أن يحولها إلى قاعدة إمداد غذائي لدول الخليج، ما يقلل الحاجة للاستيراد من مناطق بعيدة، إضافة إلى تنشيط الاقتصاد الزراعي في سوريا عبر إنشاء مناطق إنتاج مخصصة للتصدير وبنية تحتية حديثة للنقل.
كما أشار قاضي إلى أهمية تكامل الممر بين السعودية وسوريا مع الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا، بحيث يشكل المسار السعودي-السوري، جزءاً من شبكة تجارة عالمية تمتد من الهند عبر الخليج العربي ثم أوروبا عبر الأراضي السورية وموانئها على البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي يعيد إحياء دورها التاريخي كركيزة تجارية على طريق الحرير.
من جانبه، رأى الباحث الاقتصادي، عبد العظيم المغربل، أن الموقع الجغرافي لسوريا يجعل منها مساراً مسانداً وحيوياً لحماية تدفق التجارة الإقليمية عبر عقدة لوجستية بين الخليج وتركيا وأوروبا.
وقال المغربل لصحيفة “الثورة السورية”، إن طرح “ممر بديل” مهم في ظل التوترات في منطقة الشرق الأوسط، لذلك لا بد من وجود بدائل تقلل من مخاطر الاعتماد على ممر واحد شديد الحساسية ويستخدم من قبل الدولة المهمينة عليه للابتزاز العالمي.
شروط النجاح
أشار المغربل إلى أن نجاح هذا الطرح لا بد له من مقومات وعوامل نجاح تربطه بشكل مباشر بمشاريع تأهيل البنية التحتية من موانئ وطرق ومعابر، والأهم من ذلك قدر كافٍ من الاستقرار.
وبحسب المغربل، فإن نجاح سوريا في أن تصبح ممرّاً مسانداً لاستمرار التجارة الإقليمية والدولية سيجعلها مركزاً اقتصادياً مهماً للنقل والتخزين وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية.
وأكد أن هذا التحول سيحول سوريا من عبء جيوسياسي كما كانت خلال النظام المخلوع إلى مصدر قوة اقتصادية، ما يسهم في تسريع التعافي والتنمية وإعادة الإعمار، ويترجم عملياً إلى زيادة رفاه السوريين وتحسن دخلهم السنوي.
حمزة العبد الله
المصدر: الثورة السورية
