من الرواتب إلى الديون المتعثرة.. ماذا تعني «المراسيم الأربعة» للمواطن السوري؟

زمن القراءة: 7 دقائق

أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع في أول يوم من عيد الفطر أربعة مراسيم متصلة بصورة مباشرة بحياة المواطنين وبحركة المؤسسات والاقتصاد، وهي المرسوم 67 الخاص برفع الرواتب والأجور، والمرسوم 68 الذي منح زيادات نوعية لبعض الجهات العامة، والمرسوم 69 المتعلق بإعفاء المنشآت المتضررة من بعض الضرائب والرسوم، والمرسوم 70 الخاص بتسوية الديون المتعثرة وإعادة جدولة القروض.

وما يمنح هذه المراسيم ثقلاً خاصاً أنها لم تتناول جانباً واحداً من الواقع السوري، بل امتدت إلى الدخل العام، والقطاع العام، والقطاع الخاص، والجهاز المصرفي في وقت واحد، لهذا بدت وكأنها حزمة مترابطة تسعى من خلالها الدولة إلى ملامسة العقد الأكثر إلحاحاً في المرحلة الحالية، من ضيق المعيشة إلى تعثر الإنتاج، ومن ضعف المؤسسات إلى اختناق التمويل.

وفي هذا الإطار تُقرأ المراسيم بوصفها قرارات إدارية متصلة، وبوصفها إشارة إلى اتجاه اقتصادي واجتماعي تحاول الدولة من خلاله إعادة ترتيب الأولويات داخل المشهد السوري.

وصدرت هذه المراسيم في ظرف اقتصادي واجتماعي شديد الحساسية، حيث ما تزال البلاد تواجه ضغوطاً معيشية كبيرة تتمثل في ارتفاع كلفة الحياة، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف دخل شريحة واسعة من العاملين، إلى جانب تراجع فعالية عدد من المؤسسات العامة نتيجة استنزاف كوادرها وضعف إمكاناتها، وفي الوقت نفسه ما تزال منشآت كثيرة خارج دائرة العمل الكامل بسبب الأضرار التي تراكمت خلال السنوات الماضية، كما أن القطاع المصرفي يعاني من آثار العقوبات، وثقل الديون المتعثرة، وما تسببه من جمود في الحركة الائتمانية والتمويلية.

هذه الظروف جعلت الحاجة ملحة إلى تدخل واسع يطال أكثر من ملف في وقت واحد، لأن الأزمة لم تعد محصورة في بند محدد يمكن عزله عن بقية المشكلات، لذلك جاءت المراسيم في لحظة تبحث فيها الدولة عن تثبيت قدر من الاستقرار الاجتماعي، وعن تحريك مفاصل الاقتصاد والمؤسسات بما يسمح بوقف مزيد من التراجع وفتح باب محدود نحو التعافي.

أهمية هذه المراسيم

تكمن أهمية هذه المراسيم في أنها تلامس ثلاثة مستويات دفعة واحدة، فهي سياسياً تعكس رغبة الدولة في الظهور بموقع الفاعل القادر على اتخاذ قرارات محسوسة تمس حياة الناس مباشرة، وهو أمر مهم في مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى تثبيت حضورها وإظهار قدرتها على إدارة الملفات الأكثر التصاقاً بالواقع اليومي.

واقتصادياً تمنح هذه المراسيم إشارة إلى محاولة تحريك الدورة الاقتصادية عبر رفع جزء من الدخول، وتخفيف العبء عن منشآت متضررة، وفتح نافذة لمعالجة الاختناقات داخل الجهاز المصرفي، وأما اجتماعياً فهي تبعث برسالة إلى الموظفين والعاملين وأصحاب المنشآت والأسر مفادها أن الدولة تدرك حجم الضغوط القائمة وتحاول التدخل لتخفيفها، ولو بصورة جزئية، ومن هنا تنبع أهميتها من كونها أدوات تحمل أبعاداً تتصل بشرعية القرار، وبثقة المجتمع، وبإمكانية استعادة شيء من التوازن داخل الحياة العامة.

ما الذي دفع إلى صدور المراسيم دفعة واحدة؟

السبب الأساسي وراء صدور هذه المراسيم هو الضغط الاقتصادي والمعيشي الذي بلغ مستوى لم يعد ممكناً تجاهله، سواء داخل الأسر أو داخل مؤسسات الدولة أو داخل النشاط الإنتاجي، فرفع الرواتب والزيادات النوعية يكشفان بوضوح أن بنية الأجور في القطاع العام لم تعد قادرة على حماية العاملين أو الحفاظ على استقرارهم الوظيفي، بينما يشير إعفاء المنشآت المتضررة إلى إدراك رسمي أن جزءاً من الاقتصاد ما يزال عاجزاً عن العودة الطبيعية إلى الإنتاج بسبب كلفة الأضرار والأعباء المتراكمة.

كذلك فإن تسوية الديون المتعثرة تعبر عن حاجة واضحة إلى تفكيك اختناقات مالية تراكمت داخل المصارف العامة وبين المقترضين على السواء، وفي العمق لا تنفصل هذه الدوافع عن حاجة إدارية وتنظيمية أوسع، لأن الدولة تواجه مشكلة في كفاءة بعض مؤسساتها وفي قدرتها على الاحتفاظ بالكوادر وتنشيط الأدوات المالية والقانونية التي يحتاجها الاقتصاد، ولهذا يمكن القول إن المراسيم وُلدت من حاجة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكنها جاءت أيضاً كجزء من محاولة لإعادة ضبط الإدارة العامة وتخفيف آثار سنوات طويلة من التعثر.

كيف يُتوقع أن تنعكس على المواطنين؟

من المتوقع أن يظهر أثر هذه المراسيم على المواطنين عبر مستويين متداخلين، أحدهما مباشر والآخر غير مباشر، فأما الأثر المباشر فيتمثل في تحسن نسبي في دخول العاملين الذين شملتهم الزيادات، ولا سيما في القطاعات التي حصلت على زيادات نوعية، الأمر الذي قد يخفف جزءاً من الضغط اليومي على الأسر فيما يتعلق بالنفقات الأساسية والمعيشة.

أما الأثر غير المباشر فيرتبط بإمكانية عودة بعض المنشآت المتضررة إلى العمل، وتحسن فرص التشغيل، وتحريك الأسواق المحلية بدرجة معينة، إلى جانب ما قد ينشأ عن تسوية الديون من تخفيف للاختناق المالي عن عدد من الفاعلين الاقتصاديين، لكن هذا الانعكاس سيظل مرتبطاً بعوامل أخرى، منها استقرار الأسعار، وضبط السوق، وقدرة الدولة على تنفيذ المراسيم بصورة فعلية وبقيمة حقيقية لا اسمية، لذلك قد يشعر المواطن بانفراج نسبي إذا ترافق القرار مع إدارة اقتصادية متماسكة، أما إذا بقيت الأسعار في صعود أو تعثر التنفيذ، فإن جزءاً مهماً من الأثر المتوقع سيتآكل قبل أن يصل كاملاً إلى حياته اليومية.

وعلى مستوى الاقتصاد والمؤسسات تمثل هذه المراسيم محاولة لتحريك أكثر من حلقة متوقفة في آن واحد، فهي تدعم الطلب الداخلي عبر تحسين جزء من الدخول، وتساند جانب العرض عبر تخفيف الأعباء عن منشآت متضررة تحتاج إلى فرصة للعودة إلى السوق، كما تقترب من العقدة المصرفية عبر فتح باب التسوية وإعادة الجدولة بما قد يساعد على تنشيط الحركة الائتمانية وتخفيف تراكمات التعثر.

وفي الوقت نفسه تكشف الزيادات النوعية لبعض الجهات العامة أن الدولة تحاول حماية قطاعات حساسة مثل التعليم والصحة والرقابة والإدارة المالية من فقدان مزيد من الكوادر ومن تراجع الأداء، وإذا تم تنفيذ هذه المراسيم بكفاءة ووضوح، فقد تساهم في إعادة قدر من الثقة إلى العلاقة بين الدولة والمؤسسات والقطاع الخاص، وقد تساعد على خلق مناخ أكثر استقراراً داخل الاقتصاد، أما إذا اصطدمت ببطء التطبيق أو بضعف الرقابة أو بمحدودية التمويل، فسيبقى أثرها جزئياً ولن يتحول إلى نقطة انعطاف حقيقية في عمل المؤسسات أو في حركة الاقتصاد.

في المجمل، تكشف المراسيم الأربعة أن الدولة السورية تحاول التعاطي مع المرحلة الحالية من بوابة أوسع من المعالجة الجزئية، فهي تريد ملامسة الدخل والخدمة العامة والقطاع الخاص والتمويل ضمن مسار واحد، وهذا بحد ذاته يعكس إدراكاً أن الأزمة الاقتصادية مترابطة، تتداخل فيها المعيشة مع الإدارة، والإنتاج مع الائتمان، والاستقرار الاجتماعي مع فعالية المؤسسات، غير أن القيمة الحقيقية لهذه المراسيم تتحدد في قدرتها على التحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن وتظهر داخل السوق والمؤسسة العامة، فنجاحها يعني فتح نافذة نحو تعافٍ تدريجي ومدروس، أما تعثرها فسيجعلها خطوة محدودة في مواجهة واقع ما يزال مثقلاً بالتحديات.

عبد العظيم المغربل

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار