افتتاحية

هل يصبح الابتزاز دبلوماسية القرن الحادي والعشرين؟ ولماذا العرب دوماً أكبر الضحايا؟

بقلم: أ.د. طارق عفاش

لا شك أن النزاع بين الدول ولأسباب سياسية واقتصادية وآيديولوجية يعد ظاهرة تاريخية عرفتها المجتمعات الإنسانية منذ القدم، وغالباً ما تتم تسوية هذه النزاعات بالطرق الدبلوماسية أو بالقوة بأشكالها المختلفة.

وعلى حين أن الدبلوماسية علم وفن تهدف إلى حل النزاعات بالطرق السلمية، فإن القوة في أبسط معانيها تعني القدرة الفاعلة للدولة على فرض سلوك معين على دولة أخرى.

وعلى حين أن تاريخ البشرية حافل باستخدام القوة والحروب، فإنه ومع نهاية الحرب العالمية الثانية تراجع استخدام القوة والحرب إلى حده الأدنى، حيث كان من النتائج الرئيسية لهذه الحرب تقسيم العالم لقطبين رئيسيين الاشتراكي والرأسمالي تدور دول العالم في نظامهما وتطوير إستراتيجيات الردع المتبادل والتوازن النووي بين هذين القطبين فيما يعرف بالحرب الباردة، فالانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة بينهما يمثل تهديداً وجودياً لسلام وأمن أقاليمهما والعالم.

ومع نهاية الحرب الباردة وسقوط المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي في العقد الأخير من القرن العشرين، تغير هيكل النظام الدولي وطبيعته، وسعت الولايات المتحدة لبسط سيادتها على العالم، بما يعرف نموذج القيادة أحادية القطب، كما سعت إلى أمركة العالم وتعميم قيم اقتصاد السوق وجعل الرأسمالية الخيار الأوحد لمختلف الشعوب والدول تحت الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري، واستغلال الأزمات التي تمر بها البلدان النامية، وإجبارها على تنفيذ سياسات غير مناسبة لها ولو بالقوة العسكرية، كما حدث في غزو أفغانستان والعراق.

ومع عجز الولايات المتحدة في العقد الثاني من القرن الحالي عن بناء قيادة قادرة على ضبط مجمل العلاقات الدولية وفرض أنماط مستقرة وعادلة ومقبولة في الحد الأدنى، برز سعي بعض الدول لبناء قوة ذاتية بشكل متزايد لمواجهة هذا العجز، أو لمواجهة محاولات تغوّل الولايات المتحدة، ويبدو واضحاً هنا أن مرحلة الأحادية القطبية باتت تلفظ أنفاسها، وأن هناك نظاماً عالمياً جديداً قيد التشكّل متعدد القطبية أبرز أقطابه الصين وروسيا.

وفي مواجهة ذلك تسعى الولايات المتحدة وبغرض الحفاظ على قيادتها للعالم إلى ابتزاز الحلفاء والخصوم من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصالحها الحيوية، حيث أصبح الإبتزاز أهم أدواتها الدبلوماسية.

والابتزاز آلية يستخدمها الفاعلون الدوليون لتحقيق مصالحهم بأساليب غير مشروعة بما يضمن لهم التأثير في الفاعلين الآخرين، وهو مثل باقي علاقات ممارسة القوة له أدواته من القوة سواء كانت صلبة أو ناعمة أو ذكية، والنمط الأكثر شيوعاً الذي استخدمه الرئيس الأمريكي ترامب هو الابتزاز الصلب والذي يعني استخدام الدولة الأقوى قوتها العسكرية والاقتصادية بغرض التأثير في سلوك الدول الأضعف وإجبارها على القيام بسلوك ما أو تغيير سلوك معين، ومن أبرز الأمثلة على ذلك سياسة الولايات المتحدة ضد إيران وانسحابها من الاتفاق النووي للحصول على أكبر قدر من المنافع والتنازلات من إيران، وكذلك تهديد الرئيس الأمريكي ترامب بقطع المساعدات عن الدول التي تصوت ضد قراره الظالم بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة وضد قراره الظالم الاعتراف بضم الجولان المحتل إلى الكيان الصهيوني «إسرائيل».

ومن الواضح هنا أن العرب كانوا الأكثر عرضة للابتزاز وللاستهتار بحقوقهم المشروعة، فإلى متى سيبقى العرب فريسة سهلة للقوى الباغية؟ ومتى سنشهد صحوة عربية قادرة على مواجهة التحديات الجسيمة التي تتعرض لها المنطقة العربية.. نظراً لأهمية موقعها الجيوسياسي، ولما تزخر به من موارد طبيعية واقتصادية وعلى رأسها النفط والغاز؟ ومتى يستعيد العرب موقعهم الذي يستحقونه في عالمنا المعاصر؟.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق