اقتصاد عربيدراسات

هل يتم تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية بعد 25 عاماً على تثبيتها؟

أزمة سياسية تعصف بالبلاد أدت إلى تدهور قيمة العملة الوطنية

العالم الاقتصادي- رصد

عرف لبنان تجربة خفض سعر صرف عملته مقابل الدولار ابتداءً من عام 1984، حين ارتفع سعر الصرف الاسمي لليرة اللبنانية من 6.8 مقابل الدولار إلى 1838 ليرة، قبل أن يعتمد مصرف لبنان سياسة تثبيت سعر الصرف على 1500 ليرة للدولار ابتداءً من عام 1997. وارتفعت الأسعار بنسبة 11 ضعفاً وانخفض الحد الأدنى للأجور من 242 دولاراً عام 1983 إلى 64 دولاراً عام 1992، قبل أن تعود الأمور للتحسن تدريجاً مع تسجيل نمو وصل في عام 2010 إلى 10 في المئة والحد الأدنى للأجور إلى ما يعادل 450 دولاراً.

وبعد ثلاث سنوات على الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان وما رافقها من تداعيات نقدية ومعيشية واقتصادية أدت إلى تدهور قيمة العملة الوطنية بنحو 95 في المئة من قيمتها، أعلن وزير المال اللبناني يوسف خليل في حديث صحافي رفع السعر الرسمي لصرف الدولار 10 أضعاف، ليصبح 15 ألف ليرة للدولار ابتداءً من الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للمرة الأولى منذ 25 عاماً، بحسب مصادر حكومية، كخطوة رسمية أولى باتجاه توحيد سعر الصرف المطلوب من صندوق النقد الدولي، على رغم الاعتراف الرسمي أن السعر الجديد هو “وهمي” مقارنة مع سعر السوق غير الرسمية الذي بات يقارب 40 ألف ليرة مقابل الدولار.

إلا أن الوزير نفسه وبعد بلبلة واسعة تراجع عن تصريحاته، ليعلن أن موعد تطبيق هذا التغيير مشروط بإقرار “خطة التعافي” التي لا تزال بحاجة إلى إقرار من البرلمان اللبناني، وهو أمر يبدو بعيد المنال أقله حالياً مع دخول البلاد المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

ووفق مصادر مقربة من وزير المال فإن إعلان الوزير كان مبنياً على اتفاق ضمني مع الحكومة وبعض الكتل النيابية، إلا أن “الشعبوية” والتنصل من المسؤولية دفعا هؤلاء إلى غسل أيديهم من المسؤولية وتحميل القرار للوزير منفرداً، علماً بأن مرسوماً صادراً عن الحكومة أعطى وزير المالية حق تعديل السعر الرسمي للصرف.

هفوة وتسرع

وتعليقاً على تضارب المعلومات حول تصريحات وزير المال، وصف مصدر مقرب من حاكم مصرف لبنان الإعلان عن اعتماد سعر جديد للصرف بـ”الهفوة”، لا سيما أن قراراً كهذا لا يمكن تنفيذه من دون التنسيق مع المصرف المركزي، وله تداعيات كبيرة على مستوى الأجور والمقترضين والمصارف، ويحتاج إلى قرارات تنفيذية تتطابق مع الواقع الاقتصادي للبلاد. وقال إن عملية ربط تعديل السعر الرسمي للصرف بـ”خطة التعافي” تعني الإعلان المبطن عن تأجيل تنفيذ القرار إلى أجل غير مسمى، وسط اعتراضات كبيرة من نواب على خطة الإنقاذ التي قدمتها الحكومة.

“هستيريا” وانفجار

بدوره، أكد رئيس “جمعية الضرائب اللبنانية” هشام مكمل أن قرار تعديل سعر الصرف لا يتخذ أو يصدر عن وزارة المالية بل عن حاكمية مصرف لبنان، معتبراً أن الإعلان عنه يحض المواطنين على التهافت لسداد قروضهم على السعر الحالي، معلناً أن السعر الذي يفترض اعتماده ليس 15 ألفاً بل سعر منصة صيرفة أو سعر السوق السوداء ليكون متطابقاً مع الواقع، بعد إصلاحات شاملة تطاول سلسلة الرتب والرواتب. وشدد على أن “القرارات العشوائية ستجعلنا نتدحرج بشكل أكبر نحو الانهيار”، محذراً من أن أي ضرائب تفرض من دون أي رؤية اقتصادية واضحة ستكون بلا جدوى، وستخلق “هستيريا” وتولد انفجاراً لا ندري تداعياته، معتبراً أن أكبر خطأ ترتكبه الدولة اليوم هو أخذ القرارات من دون أي تخطيط.

الصرف والقانون

وفي سياق متصل أوضحت الرئيسة التنفيذية لمؤسسة “جوريسكال” سابين الكيك أن قانون النقد والتسليف، وتحديداً المادتين 115 و116، تشرحان بشكل صريح أن هناك حساب قطع بين مصرف لبنان والدولة اللبنانية ممثلة بوزارة المالية، وهذا الحساب توضع فيه الفروق بين سعر الصرف القانوني وسعر الصرف الرسمي، وفي حال وجدت زيادة وأرباح يتقاسمها مصرف لبنان والدولة اللبنانية، وإذا وجدت خسائر تفوق 25 في المئة تجبر الدولة على سدادها. وبينت أن هذا الحساب يسجل الفروق بين سعر الصرف القانوني أي سعر الصرف الفعلي، وهذا بطبيعة الحال يؤكد أن هناك سعر صرف فعلياً قد يتساوى مع سعر الصرف القانوني وقد ينخفض عنه أو قد يرتفع.

وتابعت أنه “في القانون هناك سعر صرف قانوني له أهمية كبيرة، لأن كل الفرق بينه وبين سعر الصرف الفعلي، وهذا الفرق يتكبد فيه مصرف لبنان خسائر تحسب أو تسجل نسبة إلى احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية والذهب، ونتيجة هذه الخسائر الكبيرة التي ضربت سعر العملة اللبنانية، ونتيجة منصة صيرفة التي يغذي فيها مصرف لبنان من احتياطاته بالدولار اعتمادات التجار وغيرها، كل هذا يؤكد أن في هذا الحساب تحديداً وقعت خسائر كبيرة”.

وأكدت الكيك أنه كلما ارتفع الفرق بين سعر الصرف الفعلي وسعر الصرف القانوني فهذا دليل على أن خسائر مصرف لبنان كبيرة، مشددة على ضرورة تحديد سعر صرف قانوني ليس بالطريقة التي أطلقها وزير المالية، ولا الخطة التي تحدث عنها رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، وإنما من خلال قانون واضح وصريح، وذلك لسببين، الأول يكفي أن اسمه “سعر قانوني”، بالتالي لا يمكن أن يحدده من يشاء، وثانياً أن يبنى على أساس ماهية السياسة النقدية والاقتصادية، لافتة إلى أنه مع التعددية والإرباك الحاصل بات من الأجدى إيجاد قانون واضح يعتمد هذا السعر. ورأت أن سعر الصرف الرسمي الجديد لا علاقة له بالودائع، ولا علاقة له أيضاً بالقروض المصرفية، لأن الودائع يجب أن ترد على الدولار أو على السعر الفعلي للدولار، أما قروض التجزئة للمستهلكين اللبنانيين المقيمين بمورد رزقهم من الداخل اللبناني ورواتبهم بالليرة اللبنانية فهؤلاء يدفعون القروض السكنية والسيارات وغيرها على سعر الـ1500، وهذا طبعاً بحسب القانون.

غموض وإرباك

من ناحيته اعتبر الباحث في الشؤون المالية والاقتصادية مارون خاطر أن رفع سعر الصرف الرسمي بشكله ومضمونه يشكل استمراراً لنهج التخبط ومعالجة النتائج الذي يطبع المشهد اللبناني منذ بدء الأزمة وحتى اليوم. وقال إن تصريح وزير المالية وبيانه الملتبسين أثارا إرباكاً على المستويين الرسمي والشعبي، مما استدعى تدخل رئيس الحكومة لرسم الإطار الزمني للتنفيذ معالجاً الغموض بالغموض نفسه، أما في الواقع فليس قرار رفع السعر الرسمي للصرف مفاجأة فجرها الوزير بل استكمال لما أقرته موازنة 2022 البالغة السوء. ولفت إلى أن رفع سعر الصرف يهدف إلى تأمين إيرادات لسد عجز الموازنة وهي إيرادات ستبقى دفترية ولن تشكل تدفقات نقدية حقيقية. وقال إن “اعتماد سعر الصرف الرسمي الجديد في احتساب عائدات الجمارك (أو ما يعرف بالدولار الجمركي) خطوة تناقض النظريات الاقتصادية، إذ لا يجوز زيادة الرسوم والضرائب حينما يسجل الاقتصاد نمواً سلبياً، إذ يتقلص حجم الاقتصاد وينخفض الاستيراد”.

ورأى خاطر أن استمرار التهريب والتهرب الضريبي الناتجين من تفلت الحدود مع سوريا وعدم قدرة الدولة على بسط سلطة القانون على معابرها وحدودها يجعلان من هذه الزيادة مصدراً وهمياً إضافياً للإيرادات. وشدد على أن طرح سعر صرف 15 ألف ليرة للدولار لا يرتكز إلى أي معطيات علمية تبرر اعتماده، مما يجعل منه سابقة مالية ونقدية خطيرة، إذ إن سعر الصرف هو نتيجة لمعطيات اقتصادية ومالية ونقدية كثيرة ولا يمكن بالتالي أن يكون هو نفسه المعيار، أما تحديد سعر الصرف عبر المحاكاة والحسابات البدائية فمثال على أسلوب إدارة الأزمة.

وأشار إلى أن “الكلام عن أن السعر الجديد خطوة أولى نحو توحيد سعر الصرف أقرب إلى الهذيان منه إلى الواقع، فالسعر الجديد يضاف إلى غيره من أسعار التعاميم والمنصات والأسواق والصفقات، أما توحيد سعر الصرف فله أسس علمية ترتكز على ميزان المدفوعات وضبط الحدود لتقييم حاجة الاقتصاد إلى العملة الصعبة داخلياً للاقتصاد المدولر وخارجياً من خلال التعاملات الخارجية”، ولفت إلى أن “سعر الصرف الجديد هو تأكيد أن الزيادة التي أقرت في الموازنة لرواتب القطاع العام ليست سوى كذبة ليل سيمحوها النهار، لأن التضخم المستمر وزيادة الرسوم والضرائب سيأخذان أضعاف ما سيعطى وقبل أن يعطى”.

– إندبندنت عربية-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى