المعيار الحقيقي: دخل المزارع وقدرة الأسرة على الشراء
بقلم: المهندس الزراعي مراد قره مصطفى
أرقام القمح السوري هذا العام تغري بعنوان متفائل: 2.7 مليون طن متوقعة في 2026، بزيادة تتجاوز 50% على متوسط السنوات الخمس الماضية، وبأعلى مستوى منذ عام 2020، لكن العنوان لا يكتمل هنا؛ فالفاو تتوقع أيضاً أن تحتاج سوريا في موسم 2026/2027 استيراد نحو 2.8 مليون طن من الحبوب، منها قرابة مليوني طن من القمح، فيما لا يزال انعدام الأمن الغذائي الحاد مصدر قلق، لا تناقض في الحسابات بقدر ما تكشف الأرقام مشكلة أعمق: تحسن المحصول لا يعني أن الأسرة قادرة على شراء غذائها، ولا أن المزارع خرج من الموسم برأس مال يكفيه ليزرع من جديد. [1]
من يتابع الزراعة يعرف أن المطر الجيد خبر مهم، لكنه ليس خطة إنتاج، أمطار الموسم الأخير حسّنت رطوبة التربة ورفعت المحصول بعد سنة صعبة، أما البذار والسماد والوقود، فقد اشتراها المزارع قبل أن يعرف شكل الموسم، وشبكة الريّ التي تعطلت لم تُصلحها الأمطار، كما أن القمح لا يصل وحده من الحقل إلى المطحنة، بين الحصاد والخبز نفقات وقرارات وخدمات، وأي حلقة متعثرة فيها تظهر في النهاية على كلفة الرغيف أو في حساب المزارع. [1] [2]
وكان موسم 2024–2025 قاسياً بالفعل، تراجع المطر إلى نحو 54% دون المعدل، بحسب الفاو، وتضررت المحاصيل والمراعي، لم تكن الخسارة رقماً في جدول إنتاج فحسب؛ اضطر مزارعون إلى تقليص ما يزرعونه، وواجه مربو المواشي نقصاً في المرعى وارتفاعاً في كلفة العلف، طلبت الفاو 66.61 مليون دولار لمساعدة 123,400 أسرة، تضم نحو 617 ألف شخص، على حماية أرزاقها واستعادة الإنتاج، وبعد هذا الموسم الجاف، جاء حصاد أفضل، لكن القفزة بين عامين متتاليين تقول أيضاً: إن دخل الريف ما زال شديد الارتهان للطقس، فيما يحتاج المزارع إلى قدر من الاستقرار لا توفره المصادفة. [2]
وقد يسأل قارئ: إذا تحسن القمح، فلماذا تستمر الحاجة إلى الاستيراد؟ لأن إنتاج الموسم ليس كل ما تحتاجه البلاد خلال سنة تسويقية كاملة؛ فالطلب، والمخزون المتاح، وتوقيت وصول المحصول إلى السوق، كلها تدخل في الحساب، لذلك لا يجوز وضع رقم الإنتاج المحلي بجانب رقم الاستيراد واعتبار الفرق تناقضاً محاسبياً، لكنه يذكّرنا بأن سوريا لم تستعد بعد هامش الأمان الذي يجعلها أقل تعرضًا لكلفة الشحن والأسعار الخارجية، ولا بحاجتها إلى تمويل واردات الغذاء في وقت تتراجع فيه القوة الشرائية. [1]
وبالنسبة إلى المزارع، فالموسم لا ينتهي عند الحصاد، عليه أن يبيع القمح في الوقت المناسب، وأن يصل إلى نقطة شراء قريبة، وأن يقبض مستحقاته قبل موعد شراء مستلزمات الموسم التالي، رصدت FEWS NET أن جزءاً من دخل الحصاد في 2026 ذهب إلى تسديد الديون واسترداد نفقات الزراعة، وأن تأخر إجراءات تسويق القمح في مناطق من الحسكة أرجأ وصول المال إلى بعض الأسر، لا يظهر هذا التأخير في رقم الإنتاج، لكنه يظهر في قرار المزارع: هل يزرع المساحة نفسها العام المقبل، أم يقلصها لأن السيولة غير متاحة؟ [3]
والطاقة ليست تفصيلاً جانبياً في هذه المعادلة، مضخة الريّ تحتاج كهرباء أو ديزل؛ والحبوب تحتاج نقلاً وطحناً، ثم تخزيناً يحميها من التلف، يذكر البنك الدولي أن الكهرباء في سوريا كانت متاحة ساعتين إلى أربع ساعات يومياً، وأن الانقطاع أصاب قطاعات من بينها المياه والصناعات الزراعية والغذائية، حين تعمل المضخة على وقود مكلف، ترتفع كلفة المحصول قبل أن يغادر الأرض، وحين يتعطل التبريد أو الطحن، يدفع المنتج والمستهلك ثمناً إضافياً، لذلك فإن إصلاح شبكة الكهرباء جزء من إصلاح الاقتصاد الزراعي، لا ملف منفصل عنه. [4]
الأرقام المعيشية تشرح لماذا لا يشعر كثيرون بتحسن الحصاد في جيوبهم، في حزيران 2026 تجاوزت كلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق مستواها قبل عام بأكثر من 30%، وارتفع سعر دقيق القمح 34%، أما الحد الأدنى لأجر القطاع العام فغطى 47% فقط من قيمة السلة، وفق الفاو.
معنى ذلك أن زيادة المعروض لا تكفي وحدها لخفض العبء: ما يهم الأسرة هو السعر الذي تراه في السوق، وما يتبقى من دخلها بعد الإيجار والنقل وبقية الضروريات، وقدّرت الفاو أن 6 إلى 7 ملايين شخص قد يحتاجون إلى مساعدة إنسانية بين تشرين الأول 2026 وكانون الثاني 2027. [1]
ثم إن الموسم نفسه حمل مفاجأة من نوع آخر، المطر الذي أنعش الحقول رفع تدفق الفرات، وتسببت المياه بفيضانات موضعية في الرقة ودير الزور أضرت بأراضٍ زراعية خلال ذروة الحصاد، هذه ليست دعوة إلى التشاؤم؛ بل تذكير بأن إدارة المياه لا تعني البحث عنها وقت الجفاف فقط، المطلوب صيانة قنوات الريّ والصرف، وتحسين كفاءة الضخ، والاستعداد للفيضانات، ومراقبة المياه الجوفية، فالمزارع الذي يضخ أكثر كلما قلّ المطر قد ينقذ محصولاً اليوم ويستنزف مورداً يحتاج إليه في السنوات المقبلة. [1] [3]
لهذا لا يكفي أن يصل دعم البذار أو السماد بعد فوات موعد الزراعة، ولا أن تُعلن أهداف إنتاج من دون حساب كلفة الوصول إليها، ما يحتاجه المنتج أبسط في وصفه وأصعب في تنفيذه: تمويل موسمي في الوقت المناسب، ووقود وكهرباء يمكن التخطيط على أساسهما، وإصلاح للريّ، ومراكز استلام وتخزين لا تؤخر الدفع.
وفي المناطق التي تروى من المياه الجوفية، يجب أن يرتبط الدعم بتحسين كفاءة الاستخدام، لا بتشجيع ضخ أوسع، فالسياسة الزراعية الناجحة لا ترفع الإنتاج في سنة جيدة فحسب؛ بل تساعد المزارع على العودة إلى الأرض في السنة التالية.
وتضع خطة الفاو للطوارئ والصمود في سوريا 2026–2028 صورة الحاجة في سياقها الأوسع، قدّرت الخطة المنشورة في كانون الأول 2025، أن 14.6 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي، بينهم 9.1 مليون في حالة حادة، وطلبت 286.7 مليون دولار للوصول إلى 9.8 ملايين شخص، عبر دعم الإنتاج وحماية الأصول الزراعية والحيوانية، هذه الأرقام تشرح لماذا لا يمكن اختزال النقاش في كمية القمح: وراءها مزارع فقد أدواته أو مدخراته، وأسرة يقل دخلها، وسوق لا يرحم من يبيع محصوله مضطرًا. [5]
حصاد عام 2026 تطور إيجابي، ويستحق أن يُقال ذلك بوضوح، لكنه ليس برهاناً على أن الزراعة السورية تعافت؛ الموسم الجيد قد يخفف الضغط، أما التعافي فيُقاس بما إذا كان المزارع يستطيع تمويل زراعته المقبلة، وبما إذا كانت الأسرة تقدر على شراء غذاء كافٍ، ما لم تتحسن هاتان الحقيقتان، سيبقى الإنتاج الجيد خبراً موسمياً، لا أساساً لأمن غذائي مستقر.
____________________________________
مراجع:
[1] الفاو، موجز سوريا القطري، آب 2026 .
[2] الفاو، الجفاف وإخفاق المحاصيل في سوريا، 2025.
[3] FEWS NET، الأمن الغذائي في سوريا، حزيران 2026.
[4] البنك الدولي، مشروع الكهرباء الطارئة لسورية، 2025.
[5] الفاو، خطة الطوارئ والصمود في سوريا 2026–2028.
