%100 من الخريجين يتم توظيفهم.. كلية واحدة في العالم لتدريس العمل الخيري

زمن القراءة: 7 دقائق
أول دفعة تنال الدكتوراه المهنية في القيادة الخيرية من كلية "لي لي" التابعة جامعة إنديانا - موقع الكلية

تزايد اهتمام أبناء الجيل Z بالعمل الخيري بوصفه مساراً مهنياً يجمع بين الأثر المجتمعي والاستقرار الوظيفي، في وقت تتسارع فيه وتيرة تراكم الثروات لدى فاحشي الثراء حول العالم.

وبرزت كلية “لي لي” للعمل الخيري التابعة لجامعة إنديانا باعتبارها أول مؤسسة أكاديمية متخصصة حصرياً في تدريس العمل الخيري، إذ ارتفع عدد الملتحقين بها بأكثر من 300% خلال العقد الماضي، من نحو 50 طالباً إلى ما يقرب من 230 طالباً. كما سجلت الكلية معدل توظيف بلغ 100% لخريجيها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، متجاوزة بذلك بعض التخصصات التقليدية في إدارة الأعمال.

وقالت الطالبة إيلا ترينا، البالغة من العمر 19 عاماً، إنها لا تطمح إلى بناء ثروة شخصية أو الوصول إلى منصب تنفيذي رفيع، بقدر ما تسعى إلى إحداث أثر إيجابي في المجتمع من خلال دراسة العمل الخيري وأساليب توظيف الموارد لخدمة القضايا العامة، بحسب ما ذكرته لمجلة “Fortune”.

توجه مهني يتجاوز الراتب

جاء نمو الإقبال على هذا التخصص في وقت يبحث فيه عدد متزايد من الشباب عن وظائف تمنحهم معنى يتجاوز الدخل المادي، وتتيح لهم المساهمة في إحداث تغيير ملموس في حياة الآخرين.

وترافق هذا التحول مع اتساع النقاش حول دور الثروات الخاصة في معالجة التحديات الاجتماعية، خصوصاً مع تركز جزء متزايد من الثروة في أيدي الأثرياء الأميركيين.

كما أعادت عملية انتقال ثروات تقدر بنحو 124 تريليون دولار من جيل “الطفرة السكانية” إلى الأجيال الأصغر، المعروفة باسم “التحول الكبير للثروات”، طرح تساؤلات بشأن مستقبل العمل الخيري وما إذا كان الورثة من جيلي الألفية وزد سيواصلون النهج التقليدي لعائلاتهم أم سيبتكرون أساليب جديدة للعطاء.

وتناولت البرامج الدراسية بالكلية هذه القضايا إلى جانب دراسة دور المؤسسات الخيرية والمنظمات غير الربحية في سد فجوات التمويل التي خلفها تراجع الدعم الحكومي لبعض الأنشطة الاجتماعية والتعليمية في الولايات المتحدة.

أول كلية متخصصة في العالم

تعود جذور تعليم العمل الخيري في جامعة إنديانا إلى ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول المبادرات التعليمية والبحثية في هذا المجال إلى كلية مستقلة عام 2012، لتصبح أول مؤسسة جامعية في العالم مكرسة بالكامل لتدريس هذا التخصص.

وتتيح الكلية للطلاب الحصول على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في العمل الخيري، بدعم من مؤسسة “لي لي إندومنت” التي تأسست عام 1937 على يد عائلة إيلاي لي لي، مؤسس شركة الأدوية الشهيرة.

وأكد متحدث باسم المؤسسة أن العمل الخيري والقطاع غير الربحي يمثلان شريكاً أساسياً للحكومة والقطاع الخاص في خدمة الصالح العام، مضيفاً أن الهدف لا يقتصر على إعداد مهنيين للعمل في هذا المجال، بل يمتد إلى مساعدة الطلاب على بناء حياة ذات معنى وتأثير.

جيل يبحث عن الأثر

شملت مقررات الدراسة موضوعات تتراوح بين تاريخ العمل الخيري وأساليب السرد القصصي للتغيير الاجتماعي، فيما أتيحت للطلاب فرصة إدارة منح تمويلية حقيقية واتخاذ قرارات توزيعها بأنفسهم.

وأعربت ترينا عن رغبتها في العمل بمجال تقييم الأثر بعد التخرج، لمساعدة المؤسسات غير الربحية على قياس فاعلية برامجها وتحقيق نتائج أفضل.

وعكست طموحاتها توجهاً أوسع بين أبناء الجيل Z، إذ أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “والتون فاميلي” أن 79% منهم يطمحون إلى وظائف تركز بالأساس على مساعدة الآخرين أو إحداث أثر إيجابي في المجتمع.

كما بين استطلاع أجرته “ديلويت” عام 2025 أن 44% من أبناء الجيل ذاته تركوا وظائف شعروا بأنها تفتقر إلى الغاية أو المعنى، بينما رفض نحو 40% العمل لدى جهات لم تتوافق مع هذه القيم.

رواتب تنافس القطاعات التقليدية

وظف القطاع غير الربحي نحو 12.8 مليون شخص في الولايات المتحدة خلال عام 2022، بما يمثل قرابة 10% من وظائف القطاع الخاص، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأميركي.

ورغم الاعتقاد السائد بأن العمل الخيري يعني التضحية بالدخل مقابل الرسالة المجتمعية، أكد عميد الكلية أمير باسيتش أن هذا التصور لا يعكس الواقع بالكامل.

وأوضح أن نحو ثلثي العاملين في المؤسسات غير الربحية يتقاضون أكثر من 75 ألف دولار سنوياً، وهو مستوى يزيد بنحو 15% على متوسط الأجور الأميركية، فيما قد تصل التعويضات في بعض الوظائف المرتبطة بالعمل الخيري داخل شركات كبرى إلى مئات الآلاف من الدولارات.

فعلى سبيل المثال، عرضت “وولمارت” وظيفة لإدارة المنح بولاية أركنساس براتب يصل إلى 180 ألف دولار سنوياً، بينما طرحت “مايكروسوفت” وظيفة في مجال شؤون المجتمع بتعويضات بلغت 275 ألف دولار.

من الخدمات المالية إلى العمل الخيري

سلك باتريك ليندنماير طريقاً مختلفاً نحو هذا المجال، بعدما أمضى نحو 17 عاماً في قطاع الخدمات المالية، حيث ساعد العملاء على إدارة وتنمية ثرواتهم.

ودفعته جائحة كورونا إلى إعادة تقييم مساره المهني، ليدرك أن أكثر ما كان يجذبه في عمله هو مساعدة العملاء على توجيه أموالهم نحو القضايا التي يؤمنون بها.

والتحق لاحقاً ببرنامج ماجستير الدراسات الخيرية عبر الإنترنت في جامعة إنديانا، قبل أن يحصل خلال الدراسة على ما وصفه ب”وظيفة الأحلام” في جامعة نوتردام، إذ يعمل حالياً في تخطيط الهبات والتبرعات ومساعدة العائلات على دمج العمل الخيري ضمن خططها لإدارة الثروات والميراث.

ثروات المليارديرات تفتح آفاقاً جديدة

ازدادت أهمية العمل الخيري مع استمرار نمو الثروات الخاصة حول العالم بوتيرة قياسية.

وقفزت ثروات المليارديرات بأكثر من 16% خلال عام 2025 لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 18.3 تريليون دولار، بحسب منظمة أوكسفام، وهو معدل يفوق بثلاث مرات متوسط النمو المسجل خلال السنوات الخمس السابقة.

وفي المقابل، ارتفعت التبرعات الخيرية إلى مستوى قياسي بلغ 617.2 مليار دولار في العام نفسه، لكنها نمت بنحو 3% فقط بعد احتساب التضخم، ما عزز الانتقادات الموجهة إلى أصحاب الثروات الضخمة بشأن بطء وتيرة العطاء مقارنة بمعدلات نمو ثرواتهم.

وبرزت ماكنزي سكوت كإحدى أبرز الاستثناءات، بعدما تبرعت بأكثر من 26 مليار دولار، واستحوذت وحدها على نحو ثلث الهبات الضخمة المسجلة في الولايات المتحدة خلال العام الماضي.

كما واصلت ثروات عدد من كبار الأثرياء ارتفاعها بدعم من صعود أسهم التكنولوجيا والرهانات على الذكاء الاصطناعي. ومن بين هؤلاء الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جنسن هوانغ، الذي تبرع بنحو 75 مليون دولار لجامعة فاندربيلت.

ويرى عميد الكلية أن هذه التطورات تخلق فرصة أمام الجيل الجديد للمشاركة في توجيه الثروات الضخمة نحو أهداف مجتمعية أكثر تأثيراً، خصوصاً مع تنامي رغبة بعض الورثة الشباب في تسريع وتيرة العطاء الخيري.

وقال ليندنماير إن التحول التاريخي للثروات بين الأجيال قد يغير شكل العمل الخيري خلال العقود المقبلة، ما يجعل فهم دوافع العطاء وآلياته أكثر أهمية من أي وقت مضى.

المصدر: العربية Business

آخر الأخبار