رهان ميتا .. هل تصبح النظارات هاتف المستقبل؟

زمن القراءة: 10 دقائق

لم تعد المنافسة بين عمالقة التكنولوجيا تقتصر على تطوير الهواتف الذكية أو زيادة قدرات الحواسيب، بل بدأت تتجه نحو سؤال أكثر طموحاً: ماذا لو أصبح الجهاز التالي الذي يغيّر طريقة تفاعل البشر مع التكنولوجيا نظارة يرتدونها على وجوههم؟

 هذا هو الرهان الذي تسعى شركة «ميتا» إلى كسبه، عبر تطوير نظارات تجمع بين الذكاء الاصطناعي والشاشات الافتراضية والتصميم العملي، في محاولة لتقليص اعتمادها على الأجهزة التي تسيطر عليها شركات منافسة.

وتراهن الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، على أن الجيل الجديد من النظارات الذكية سيتيح للمستخدمين إنجاز مهام متعددة، بدءاً من الاستماع إلى الموسيقى والحصول على الإرشادات، وصولاً إلى مشاهدة الأفلام والعمل على شاشات افتراضية، دون الحاجة المستمرة إلى استخدام الهاتف أو الحاسوب التقليدي.

وتكشف هذه الخطوة عن طموح يمتد لأكثر من عقد، تسعى «ميتا» من خلاله إلى تطوير ما تعتبره الجيل المقبل من الحواسيب الشخصية، رغم تعثر رهانات سابقة، أبرزها مشروع «ميتافيرس»، واستمرار الخسائر في قطاع الأجهزة الافتراضية، إلى جانب تصاعد المخاوف المتعلقة بالخصوصية.

تجربة افتراضية تتجاوز الشاشات التقليدية

تستعد «ميتا» لإطلاق نظارات واقع افتراضي جديدة خلال ربيع العام المقبل، بسعر يبلغ نحو 1300 دولار، مستهدفة تقديم تجربة تجمع بين الحاسوب الشخصي وجهاز الألعاب وشاشة السينما في منتج واحد.

وتختلف هذه النظارات عن أجهزة «كويست» التي تبيعها الشركة منذ سنوات؛ إذ لا تأتي على هيئة خوذة كبيرة، بل بتصميم يشبه النظارات الشمسية الضخمة، ويبلغ وزنها نحو 3.5 أونصة، مقارنة بنحو 18 أونصة لبعض أجهزة «كويست» السابقة.

ويعود خفض الوزن إلى نقل المكونات الحاسوبية إلى وحدة منفصلة تتصل بالنظارات عبر سلك، بما يسمح بتقليل حجم الجهاز الذي يرتديه المستخدم.

وتتيح النظارات التفاعل مع التطبيقات من خلال توجيه النظر نحو العناصر المطلوبة، واستخدام إيماءات بسيطة، مثل ملامسة الإبهام للسبابة لتنفيذ الأوامر. أما التمرير بين المحتويات، فيتطلب حركة إضافية للأصابع تشبه استخدام لوحة اللمس في الحواسيب المحمولة.

وتستهدف «ميتا» إتاحة مشاهدة الأفلام والعمل عبر شاشات افتراضية متعددة، بما يحاكي استخدام الحاسوب أو التلفزيون، مع إمكانية الاستفادة من هذه التجربة في أماكن لا تتوافر فيها مساحة مناسبة للعمل، مثل الطائرات.

وقال رايان كيرنز، نائب رئيس قطاع الواقع الافتراضي في «ميتا»: إن الهدف ليس استبدال الحواسيب الحالية، بل توسيع نطاق استخداماتها والأماكن التي يمكن الاستفادة منها فيها. وأوضح أن ارتداء النظارات أثناء السفر بالطائرة يمكن أن يتيح للمستخدم مساحة عمل افتراضية تعادل ثلاث شاشات.

وتعكس هذه الإمكانات توجهاً نحو نقل واجهات الحوسبة من الشاشات المادية إلى بيئات رقمية يمكن الوصول إليها مباشرة عبر النظارات، وإن كان نجاح هذا النموذج سيعتمد على مدى سهولة استخدامه وقدرته على تقديم قيمة إضافية مقارنة بالأجهزة التقليدية.

نظارات يومية بلا كاميرات

بالتوازي مع أجهزة الواقع الافتراضي، تعمل «ميتا» على توسيع فئة النظارات الذكية المصممة للاستخدام اليومي، ومن بينها نظارات «راي بان ميتا» الصوتية، التي لا تتضمن كاميرات، والمقرر إطلاقها يوم الثلاثاء وفقاً للتقرير.

وتستهدف هذه النظارات تنفيذ بعض المهام التي يؤديها الهاتف الذكي، مثل الاستماع إلى الموسيقى، وإجراء المكالمات، والحصول على الاتجاهات، وطرح الأسئلة على المساعد المعتمد على الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على تصميم أقرب إلى النظارات التقليدية.

وتضم النظارات مكبرات صوت وميكروفونات، فيما تقول الشركة إن استخدام الميكروفونات يقتصر على المكالمات الهاتفية والتحدث إلى مساعدها الذكي. وتقدم «ميتا» هذه التجربة باعتبارها أقرب إلى دمج سماعات الأذن اللاسلكية داخل النظارات، بما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع الخدمات الرقمية دون الحاجة إلى إخراج الهاتف من جيبه.

ولا تعد فكرة النظارات الصوتية جديدة؛ إذ تبيع «أمازون» نظارات مزودة بمساعد «أليكسا» ومكبرات صوت وميكروفونات منذ عام 2019، كما أطلقت شركات ناشئة عدة منتجات مماثلة لا تتضمن كاميرات.

وقال أليكس هيميل، نائب رئيس قطاع الأجهزة القابلة للارتداء في «ميتا»: إن الشركة قررت قبل عامين تطوير نظارات تعتمد على الصوت فقط لإطلاقها في عام 2026، استناداً إلى الاستخدامات اليومية الشائعة للنظارات، مثل إجراء المكالمات والاستماع إلى البودكاست.

وفي المقابل، تواصل الشركة بيع نظارات مزودة بكاميرات، وأطلقت الشهر الماضي نسخة مطورة باسم «راي بان ميتا الجيل الثالث»، تتضمن تصميماً أخف وزناً وزر اختصار وعمر بطارية أطول، وفقاً للشركة.

ويمثل تنويع المنتجات محاولة لاستهداف احتياجات مختلفة؛ فبينما تركز النظارات الصوتية على المهام اليومية البسيطة، تستهدف نظارات الواقع الافتراضي توفير تجربة حوسبة أكثر شمولاً.

لماذا تحتاج «ميتا» إلى امتلاك أجهزتها؟

يرتبط الرهان الحالي بمشكلة استراتيجية تواجه «ميتا» منذ سنوات، تتمثل في عدم امتلاكها السيطرة على الأجهزة التي يستخدمها المستهلكون للوصول إلى خدماتها.

أخفقت الشركة في الاستفادة من طفرة الهواتف المحمولة بالشكل الذي يضمن لها التحكم في المنصات والأجهزة، تاركة هذه المساحة لشركات مثل «أبل» و«غوغل» و«سامسونغ». وأثر هذا الاعتماد في قدرتها على التحكم في بعض جوانب نشاطها الإعلاني، خصوصاً مع التغييرات التي تفرضها أنظمة التشغيل على جمع البيانات وتتبع المستخدمين.

وفي عام 2022، قال الرئيس التنفيذي “مارك زوكربيرغ”: إن إعداداً اختيارياً في هواتف «آيفون»، يمنع التطبيقات من تتبع المستخدمين عبر الإنترنت، سيكلف الشركة نحو 10 مليارات دولار من الإيرادات خلال ذلك العام.

ومنذ أكثر من عقد، حاولت «ميتا» تقليص اعتمادها على مصنعي الأجهزة، عبر تجارب شملت هاتفاً يحمل علامة «فيسبوك»، وجهازاً للتحكم في المنزل الذكي، وسماعات الواقع الافتراضي، وصولاً إلى النظارات الذكية.

وقال آش سولزبري، الرئيس التنفيذي لشركة الذكاء الاصطناعي «أوير»، الذي عمل في قطاع الأجهزة القابلة للارتداء لدى «ميتا» بين عامي 2017 و2019: إن الشركة كانت تسعى باستمرار إلى إبقاء المستخدمين داخل منصتها، بما يمنحها قدراً أكبر من السيطرة على تجربتهم الرقمية.

وبالنسبة إلى «ميتا»، لا يقتصر الأمر على بيع أجهزة جديدة أو اقتطاع حصة من سوق النظارات، بل يمتد إلى تعزيز موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي، عبر توفير وسيلة مباشرة للتفاعل مع مساعدها “ميوز”.

وبدلاً من فتح تطبيق وكتابة سؤال أو التقاط صورة بالهاتف، يمكن للمستخدم التحدث إلى المساعد وعرض ما يحيط به، للحصول على إجابات مرتبطة بالسياق المباشر. أما نظارات الواقع الافتراضي، فمن المتوقع أن تتيح للمساعد التعامل مع مشروعات ومهام متعددة عبر نوافذ وتطبيقات افتراضية مختلفة.

وقال كيرنز: إن النظارات ستُطرح مزودة بمساعد «ميوز»، بما يشمل دعم نموذج «ميوز وندر» الجديد الذي أعلنت عنه الشركة يوم الإثنين، إلى جانب التحديثات الأخرى التي قد تُطرح قبل موعد الإطلاق.

سوق واعدة ومخاطر مستمرة

تأتي تحركات «ميتا» في وقت تشير فيه التوقعات إلى نمو سريع لسوق النظارات الذكية؛ إذ ارتفعت الشحنات بنسبة 263% خلال النصف الأول من عام  2026، فيما باعت شركة «إيسيلور لوكسوتيكا»، المالكة لعلامة «راي بان»، أكثر من 7 ملايين نظارة مدعومة بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي.

لكن فرص النمو لا تلغي التحديات؛ فقد أثارت النظارات المزودة بكاميرات مخاوف بشأن تصوير الأشخاص دون علمهم، وجمعت هذه المخاوف بين الانتقادات العامة والقيود المفروضة في بعض الأماكن، فضلاً عن ردود فعل رافضة في أسواق مختلفة.

كما أن سجل «ميتا» في تطوير الأجهزة لا يخلو من الإخفاقات؛ إذ لم تحقق تجارب سابقة النجاح الجماهيري الذي كانت تأمله الشركة، في حين تواصل وحدة «رياليتي لابز»، المسؤولة عن منتجات الواقع الافتراضي والنظارات الذكية، تسجيل خسائر، بالتزامن مع تراجع مبيعات أجهزة الواقع الافتراضي على مستوى القطاع.

وقال دانيال نيومان، الرئيس التنفيذي لشركة «فيوتوروم» المتخصصة في أبحاث واستشارات أسواق التكنولوجيا: إن النظارات الذكية لا تزال تقدم حلاً يبحث عن مشكلة واضحة، في إشارة إلى أن جاذبية التقنية وحدها لا تكفي لضمان انتشارها، ما لم يشعر المستهلكون بوجود حاجة فعلية إليها.

ويعتمد نجاح الرهان أيضاً على قدرة «ميتا» على إقناع المستخدمين بإضافة جهاز جديد إلى حياتهم اليومية، في وقت تتزايد فيه إمكانات دمج المساعدات الذكية داخل الهواتف والأجهزة التي يمتلكونها بالفعل.

ويرى جيتِش أوبراي، المتخصص في تغطية تقنيات المستهلك لدى مؤسسة «آي دي سي» للأبحاث، أن مستقبل هذه السوق قد يرتبط بمدى تشابه تطور الذكاء الاصطناعي مع طفرة الهواتف الذكية. وضرب مثالاً بخدمات طلب السيارات عبر التطبيقات، مثل «أوبر» و«ليفت»، التي أصبحت شائعة مع انتشار الهواتف الذكية.

وقال: إن المستهلكين لا يزالون ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره روبوت محادثة بسيطاً، رغم ما يمتلكه من قدرات أوسع، مضيفاً أن الذكاء الاصطناعي والنظارات الذكية قد يعزز كل منهما انتشار الآخر.

وبذلك، تراهن «ميتا» على أن الجمع بين التصميم الجذاب والتفاعل الصوتي والذكاء الاصطناعي والشاشات الافتراضية سيحوّل النظارات من منتج تقني محدود الاستخدام إلى منصة حوسبة جديدة. غير أن تحقيق هذا التحول سيظل مرهوناً بإثبات فائدتها اليومية، ومعالجة مخاوف الخصوصية، وتحويل الاستثمارات الكبيرة إلى منتجات تحقق انتشاراً واسعاً وعوائد مستدامة.

المصدر: سي إن إن

آخر الأخبار