بعد 2500 عام .. هل يسقط العالم في فخ ثوقيديدس جديد؟

زمن القراءة: 7 دقائق

خلال اجتماع مجلس إسبرطة عشية الحرب مع أثينا قبل نحو 2500 عام، حذر الملك “أرخيداموس” من أن المواجهة قد تطول حتى يضطر الأبناء إلى مواصلة القتال الذي بدأه آباؤهم، فقد رأى خصمه يملك أسطولًا وموارد يصعب كسرها سريعاً.  


  وبحسب ما أورده المؤرخ الأثيني “ثوقيديدس” في كتابه “تاريخ الحرب البيلوبونيزية”، دعا الملك إلى التفاوض والاستعداد قبل القتال؛ فالانتصار يحتاج سفنًا ومالًا.
 كما كان يرى “أرخيداموس” أن حرق حقول الأثينيين لن يجبرهم بالضرورة على الاستسلام، ومع ذلك، فإن تحذيره لم يمنع انزلاق المدينتين وحلفائهما إلى الحرب.
 حوّلت أثينا تحالفًا للدفاع ضد الفرس إلى إمبراطورية تستند إلى مساهمات الحلفاء والسيطرة على البحر، وقادت إسبرطة تحالفًا منافسًا، يراقب كيف يتحول المال والسفن لدى جارتها إلى نفوذ على المدن.
 هنا وضع “ثوقيديدس” تفسيره الأعمق لفخ الحرب البيلوبونيزية: نمو قوة أثينا، والخوف الذي أثاره في إسبرطة.
 مدمرة الأمم: الغيرة السياسية

– تجسّد الاحتكاك بين القوتين العظميين في ميغارا، حليفة إسبرطة، حين حرمتها أثينا من أسواقها وموانئ إمبراطوريتها، فطالبت إسبرطة برفع القيود، لكن أثينا تمسكت بالتحكيم بدل الاستجابة لما رأته أمرًا من قوة منافسة.
 – صار الخلاف على التجارة اختبارًا لمن يملك حق الإملاء، وفي مثل هذه اللحظات، تكبر تكلفة التسوية سياسيًا؛ لأن القادة يحسبون ما سيخسرونه من هيبة، إلى جانب ما قد تكلفه الحرب من أرواح.
 – هذه هي “الغيرة السياسية” بمعناها الاستراتيجي: يصبح تقدم المنافس خسارة محتملة للنفوذ والأمان، وعندئذ يبدو الانتظار خطرًا، والتنازل ضعفًا، ويغدو كبح القوة الصاعدة أسهل تبريرًا من التعايش معها.  


  – للخوف منطقه المتبادل: ما تسميه القوة الصاعدة توسيعًا لفرصها، قد تراه القوة الراسخة تضييقًا لمساحتها، ويتحول قياس النجاح عندئذ إلى سؤال عما يفقده الآخر.
 – اندلعت الحرب عام 431 قبل الميلاد، وامتدت، مع هدنة لم تصمد، حتى انتصار إسبرطة عام 404، لتتحقق مخاوف “أرخيداموس”.
 – يصف المؤرخ اليوناني “زينوفون” الذي استكمل رواية “ثوقيديدس” للحرب، هدم أسوار أثينا على أصوات المزامير، وسط اعتقاد المنتصرين بأن حرية اليونان تبدأ يومها.
 – لكن مشهد الاحتفال أخفى ثمنًا هائلًا: مدنًا خُربت، وسكانًا شُردوا، واقتتالًا داخليًا، وضعفت اليونان، وزاد نفوذ الفرس، والنزيف تجاوز الطرف المهزوم، ومهد ذلك لصعود قوى أخرى لاحقًا؛ وهو ما يجعل الحكاية إنذارًا صالحًا خارج عصرها.
 شرارة غيرة جديدة

– بعد نحو 2500 عام، عادت مسألة القدرة التي يخشاها المنافس، وهذه المرة داخل مصانع الرقائق، وفي قلبها آلة الطباعة الحجرية الضوئية التي تساعد على تحويل التصميم الإلكتروني إلى دوائر قابلة للتصنيع، وصولًا إلى رقائق متقدمة في النهاية.
 – تُسقط الآلة الضوء عبر قالب يحمل تصميم الرقاقة، لطباعة أنماط الدوائر الإلكترونية فوق السيليكون، وتتكرر العملية عبر طبقات متعددة، ضمن خطوات تصنيع دقيقة تضمن اتصال الدوائر وعملها بصورة سليمة.
 – “دي يو في” و”إي يو في” هما الفئتان الأبرز من آلات الطباعة الضوئية المستخدمة في تصنيع الرقائق؛ تستطيع الأولى إنتاج رقائق متقدمة بخطوات إضافية أكثر تعقيدًا.
 – بينما تتيح الثانية تفاصيل أدق وتسهّل تصنيع الأجيال الأكثر تقدمًا. وقد تستخدم المصانع النوعين معًا لإنتاج الرقاقة نفسها، وتنفرد “إيه إس إم إل” الهولندية بتوريد آلات “EUV” تجاريًا، بينما تنافسها “نيكون” اليابانية في سوق “DUV”.  


  – تتمتع الشركتان بحصرية استثنائية بفضل عقود من التطوير وتكامل تقنيات البصريات ومصادر الضوء والحركة الدقيقة وشبكة الموردين، ولهذا يمكن أن يصبح التحكم في بيع هذه الآلات أداة للتحكم في قدرة دولة صناعية منافسة.
 لماذا الغيرة إذن؟

– يقدّر مركز التكنولوجيا وفن الدولة البحثي الأمريكي واردات المصانع المملوكة لشركات صينية بنحو 343 آلة “دي يو في” من “إيه إس إم إل” الهولندية بين 2012 والربع الأول من 2026.
 – بعض أجهزة “DUV” تستطيع دعم تصنيع رقائق جيل 7 نانومتر، وهي رقائق متقدمة تُستخدم في الهواتف ومعالجات الذكاء الاصطناعي، ويمكن توظيفها أيضًا في أنظمة عسكرية.
 – لذلك تخشى واشنطن قدرة الصين على إنتاج أدوات القوة المقبلة باستقلال أكبر، وتفرض قيودًا على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إليها، بهدف إبطاء توظيف هذه التقنيات والذكاء الاصطناعي في تطوير الأسلحة والتطبيقات العسكرية.
 – يدعو المركز الأمريكي إلى حظر شامل لتصدير “دي يو في”، وتقييد صيانة الموجود منها بالمصانع الصينية المتقدمة.
 حرب بيلوبونيزية جديدة

– رغم التحذيرات الغربية المتكررة، تتقدم الصين فعلًا، حيث ذكرت تقارير في يوليو، أنها بدأت إنتاج أجهزة “دي يو في” محلية لدى “أيشينغنا”، مع احتياجها لاختبارات إضافية وبقائها بعيدة عن مضاهاة أجهزة الشركة الهولندية.
 – كشفت تقارير أيضًا في ديسمبر 2025 عن نموذج “EUV” صيني يولّد الضوء المطلوب، لكنه لم يكن قد أنتج رقائق عاملة وقتها، علمًا بأن توليد الضوء خطوة؛ وتحويله إلى إنتاج موثوق يتطلب خطوات أخرى.
 – لهذا يظل امتلاك المعدات الأجنبية مهمًا، حتى مع تطوير بدائل محلية، فالاختبار الصناعي الحقيقي هو سرعة الإنتاج، ودقة محاذاة الأنماط، ونسبة الرقائق السليمة، والقدرة على تكرار النتائج باستمرار. 

– هنا يعود خوف إسبرطة بصورة معاصرة، حيث ترى واشنطن في تقييد المعدات حماية لتفوقها وأمنها، ويمكن لبكين أن ترى فيه دليلًا على ضرورة التحرر من الاعتماد الخارجي، فتتسارع دائرة المنع والاستقلال.
 – يبقى التشبيه عدسة لفهم الخوف والمكانة، ولا يثبت أن الحرب محتومة، فالقرارات والتحالفات والمصالح تستطيع دفع التنافس نحو مواجهة، كما تستطيع إبقاءه داخل حدود يحتملها الطرفان.
 – لكن إذا تجاوز الصراع المصانع إلى حرب، فقد تمتد الخسائر عبر التجارة وسلاسل الرقائق والتمويل إلى العالم كله، وتزيد الأسلحة النووية حجم الخطر؛ فلن تكون دائرة الهلاك بحجم اليونان القديمة.
 – كان “أرخيداموس” يخشى حربًا يرثها الأبناء، والخطر اليوم أن تنشغل قوتان بمن يملك آلة طباعة المستقبل، وتتركا للأبناء عالمًا تستنزف صراعاته الموارد وتُضيّق فرص التقدم والعيش الآمن.
 المصادر: أرقام- ساوث تشاينا مورنينج بوست- رويترز- إيه إس إم إل- مركز التكنولوجيا وفن الدولة- مكتب الأمن والصناعة التابع لوزارة التجارة الأمريكية- موقع ليفيوس المتخصص في التاريخ القديم- أرشيف الكلاسيكيات التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

آخر الأخبار