أخطاء الشركات .. عندما تظن الإدارة أنها أذكى من الجميع

زمن القراءة: 6 دقائق

عندما قرر شاب شراء جهاز لتشغيل أشرطة الفيديو “في سي آر”، وقف أمام رفوف إلكترونيات تلمع كأنها من المستقبل، كان بحوزته 600 دولار—مبلغ يمثل مدخرات عائلته لأشهر- ولذلك لم يكن إنفاقها على جهاز جديد لا يفهم تقنيته قرارًا سهلًا.

لكن بهدوء، يقترب موظف مبيعات “سيركيت سيتي” الذي يرتدي سترة رياضية أنيقة وابتسامته تبدد الخوف؛ ليكون بمثابة خبير يشرح ويفكك طلاسم التكنولوجيا حتى يقتنع العميل، ويحصل هو على عمولة بيع.

في تلك اللحظة، لم يبع الموظف جهازاً فحسب، بل باع ثقة، وهذه الثقة تحديداً هي “الروح” التي بُنيت عليها شركة “سيركيت سيتي”، وهي نفسها الروح التي قادها الغرور لاحقاً إلى نهايتها.

من البداية المتواضعة إلى النجاح

بدأت القصة عام 1949 كمتجر تجزئة صغير بمدينة ريتشموند باسم “واردز”، قبل أن يحوله “آلان وورتزل” – نجل المؤسس – عام 1972 إلى “سيركيت سيتي”.

 لم تكن الفكرة مجرد بيع شاشات، بل استهداف ذوي الدخل المحدود عبر خطط تقسيط مرنة وعروض توضيحية منزلية مجانية، نجحت في تحويل المتجر الصغير إلى سلسلة كانت تضم أكثر من 600 متجر و60 ألف موظف، بحلول عام 2000.

تميز موظفو المبيعات في متاجرها بارتداء سترات رياضية، وكانوا يتقاضون عمولات تجعلهم حريصين على تقديم أفضل نصيحة للعميل.

بلغ النجاح أوجَه حتى خصص لها الخبير الإداري “جيم كولينز” فصلاً كاملاً في كتابه الشهير عام 2001 “من جيد إلى عظيم” كواحدة من أكثر الشركات ربحية في أمريكا.

الغرور الذي يحجب الرؤية

في الثمانينيات، ظهر منافس جديد يدعى “بيست باي”، يقدم ألعاب الفيديو والأقراص المدمجة بأسعار أقل داخل صالات عرض حديثة، لكن نظرت إدارة “سيركيت سيتي” إلى المنافس بنظرة استخفاف، مؤمنةً بأنها “أذكى من الجميع”، على حد وصف “وورتزل”، الذي أقر لاحقًا بأن المشاكل تبدأ عادةً “عندما تعتقد أنك تملك كل الإجابات”.

وبحلول عام 2000، ورغم تحقيق أسهم الشركة أعلى مستوياتها، كانت “بيست باي” تتجاوزها في المبيعات والربحية لكل متجر.

وفي محاولة للتدارك، اتخذ الرئيس التنفيذي الجديد “آلان ماكولو” قرارات أتت بنتيجة عكسية، أبرزها التوقف عام 2001 عن بيع الأجهزة المنزلية الكبيرة التي تشكل 15% من أرباحها.

كان المبرر المنطقي أن تكاليف نقل وتخزين هذه الأجهزة مرتفعة، وأن التخلص منها يتيح مساحة لمنتجات جديدة، غير أن هذا القرار أدى أيضاً إلى تفويت الشركة لفرصة الاستفادة من الطفرة في قطاع العقارات السكنية، وهي الفترة التي شهدت ارتفاعاً هائلاً في مبيعات الأجهزة المنزلية.

القضاء على عنصر النجاح

لم تتوقف الأخطاء عند هذا الحد، بل استهدفت عنصر النجاح الرئيسي للشركة وهم الموظفون،  وفي خطوة وصفها الخبراء بالعمى الإداري، قامت الشركة عام 2003،  بتسريح 4000 من أكفأ مسؤولي المبيعات وأعلاهم أجراً لتوفير التكاليف، واستبدلتهم بـ 2100 موظف بأجور بالساعة، أي بتكلفة أقل.

لتواجه الشركة مشكلة في خدمة العملاء بسبب الموظفين الجدد الذين يفتقرون للمعرفة بالمنتجات وليس لديهم حافز لإقناع العميل بالمنتج، رغم أنه في العام نفسه، حصل الرئيس التنفيذي آنذاك على تعويضات بلغت نحو 7 ملايين دولار.

حطم القرار الروح المعنوية للموظفين بين عشية وضحاها؛ فكما قال أحد المسؤولين السابقين، أصبح الموظف يخشى النجاح ولا يسعى إليه، لأن النجاح صار سبباً محتملاً للفصل من العمل.

وبالتالي تلاشى العنصر الأهم الذي كان يميز تجربة الشراء من متاجر “سيركيت” في أنحاء الولايات المتحدة ، بينما كانت “أمازون” و”بيست باي” تستثمران في مستقبل مختلف تماماً وهو التسوق عبر الإنترنت.

الفصل الأخير

بدلاً من إصلاح الأساس المتصدع، أنفقت الإدارة، تحت ضغط من المساهمين، نحو مليار دولار على إعادة شراء أسهمها بين 2003 و2007، بمتوسط 20 دولاراً للسهم.

لكن عمليات الشراء لم تكن كافية لتعويض حقيقة أن أعمال الشركة  كانت تتدهور، وأن قيمة السهم الواحد لم تتجاوز 4.20 دولار بحلول نهاية عام 2007، مقارنة بسعر بلغ 30 دولارًا في أيار 2006.

 لم يبقَ للشركة سيولة نقدية، واضطرت “سيركيت”، في تشرين الثاني 2008 للتقدم بطلب للحماية من الإفلاس.

لكن لم يخسر المساهمون فقط، بل خسر آلاف الموظفين مدخرات حياتهم، إذ كانت “سيركيت” توفر برنامجاً لشراء الأسهم يتيح للموظفين استثمار ما يصل إلى 10% من رواتبهم في أسهم الشركة، والتي  أصبحت بلا قيمة في النهاية.

كما خسرت مدينة ريتشموند نفسها جزءًا من نبضها الاقتصادي، إذ خلّف إغلاق متاجر فراغاً هائلاً في سوق العقارات التجارية أيضاً؛ وهي خسارة لم تقتصر على مُلّاك العقارات فحسب، بل طالت كذلك المقاهي والمطاعم المجاورة التي كانت تعتمد في نشاطها على موظفي الشركة.

ورغم أن الرئيس التنفيذي للسلسلة أرجع انهيار الشركة إلى “سوء الظروف الاقتصادية الكلية”؛ مشيرًا إلى الأزمة المالية المتفاقمة، إلا أن “سيركيت”، في الواقع، انهارت في اللحظة التي ظنت فيها أنها أذكى من الجميع وقدمت حسابات التكاليف على ثقة العملاء.

وتحولت قصة “سيركيت”، التي كانت تمتلك كل مقومات النجاح، من كتاب “من جيد إلى عظيم” لتصبح جزءًا في كتاب “جيم كولينز”: “كيف يسقط العظماء”.

وحين أُطفئت أنوار آخر متجر في آذار 2009، لم يكن الأمر مجرد نهاية لشركة، بل لعلاقة إنسانية امتدت ستين عاماً بين موظف يشرح بصدق، وعميل يثق بما يُقال له.

المصادر: موقع الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند  – مجلة تايم  – مجلة “Inc”

آخر الأخبار