هل تتبع كافة المهن المبرمجين في تبنّـي الذكاء الاصطناعي؟

زمن القراءة: 7 دقائق

قد لا يكون السؤال الأهم في طفرة الذكاء الاصطناعي هو: إلى أي مدى أصبحت النماذج أكثر ذكاءً؟ بل ربما يكون: كم عدد البشر المستعدين لاستخدامها بالطريقة نفسها التي يستخدمها المبرمجون؟

لا يتعامل المبرمجون مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة جانبية، بل بدأوا يدمجونه في قلب يومهم المهني.

في شركات التكنولوجيا الناشئة في وادي السيليكون، تغيّر المشهد بصورة لافتة خلال السنوات الأخيرة؛ فالمخرجات ما زالت كما هي: صفحات وصفحات من الأكواد البرمجية، لكن طريقة إنتاجها أصبحت مختلفة.

بدلًا من الجلوس لساعات أمام لوحة المفاتيح، يتحدث بعض المهندسين إلى ميكروفونات، ثم تُحوّل تعليماتهم إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، وتُرسل إلى وكلاء ذكيين قادرين على التفاعل مع البرمجيات وكتابة الأكواد بأنفسهم.

رهانات طفرة الذكاء الاصطناعي

هنا تكمن إحدى أكبر رهانات طفرة الذكاء الاصطناعي: هل يمكن نقل هذه الدرجة من الاعتماد إلى بقية الوظائف المكتبية؟

يقر كولين جارفيس من شركة «أوبن إيه آي»، المطورة لـ«تشات جي بي تي»، بأن معظم العاملين في الوظائف المكتبية لم يدخلوا بعد هذا العالم. لكن مستقبل الشركة، بل ومستقبل طفرة الذكاء الاصطناعي بأكملها، يرتبط بقدرة التكنولوجيا على الانتشار خارج قطاع البرمجة.

تنفق شركات الحوسبة السحابية العملاقة في الولايات المتحدة، إلى جانب مختبرات الذكاء الاصطناعي مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، مبالغ هائلة على مراكز البيانات والبنية التحتية.

ووفق تقدير تقريبي أجرته «ذي إيكونوميست»، فإن تغطية تكلفة هذا التوسع ستتطلب وصول الإيرادات السنوية الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي إلى نحو 2.5 تريليون دولار سنويًا بحلول نهاية العقد، مقارنة بنحو 150 مليار دولار حاليًا.

المبرمجون.. المستخدمون الأكثر حماسًا

حتى الآن، يتصدر مطورو البرمجيات جميع القطاعات بفارق كبير في تبني أدوات الذكاء الاصطناعي. ووفق منصة «ستاك أوفرفلو»، يقول نحو أربعة من كل خمسة مبرمجين إنهم يستخدمون أداة للبرمجة بالذكاء الاصطناعي.

وتشير شركة الأبحاث «سيمي أناليسيس» إلى أن البرمجة أصبحت تمثل أكثر من نصف الإيرادات السنوية المتكررة المجمعة لشركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، وفق مقياس يعتمد على وتيرة المبيعات الحديثة.

كما قفزت الإيرادات السنوية المتكررة لأربع شركات ناشئة متخصصة في البرمجة بالذكاء الاصطناعي، هي «كوجنيشن» و«كورسور» و«لوفابل» و«ريبليت»، من نحو 800 مليون دولار في يونيو 2025 إلى 6 مليارات دولار حاليًا.

ويفسر حماس المبرمجين سبب انتشار الذكاء الاصطناعي بصورة أسرع في الصناعات التي تضم نسبة أكبر من العاملين في البرمجة. لكن هذا النجاح قد يحمل مفارقة مهمة: ربما لا يكون المبرمجون مجرد نموذج لما سيحدث لبقية الوظائف، بل استثناء يصعب تكراره.

القانون والمال وخدمة العملاء.. الرهان التالي

تُطرح ثلاثة قطاعات غالبًا باعتبارها المرشحة الأبرز لموجة التوسع التالية: القانون، والقطاع المالي، وخدمة العملاء.

في المجال القانوني، ضاعفت شركات «هارفي» و«كليو» و«ليغورا» تقريبًا إيراداتها السنوية المتكررة مجتمعة خلال العام الماضي لتصل إلى نحو مليار دولار. وتقول «هارفي» إن الوقت الذي يقضيه المحامون على منصتها يتضاعف شهريًا.

وفي القطاع المالي، بدأت البنوك والعاملون في الخدمات المالية أيضًا في تبني التكنولوجيا. وأضافت شركة «روغو»، المتخصصة في أدوات الذكاء الاصطناعي للخدمات المالية، 100 عميل مؤسسي خلال الربع الأخير، بينما ارتفعت إيراداتها السنوية المتكررة بنسبة 50%.

أما خدمة العملاء، فتشهد بدورها تسارعًا لافتًا. وبلغت الإيرادات السنوية المتكررة لشركة «سييرا» نحو 200 مليون دولار في يونيو، أي ضعف مستواها في نوفمبر الماضي. كما ضخ المستثمرون الجريئون نحو 3 مليارات دولار في شركات الذكاء الاصطناعي العاملة في هذا المجال منذ بداية العام، وهو أكبر تدفق استثماري بين فئات تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

بيد أن هذه القطاعات، رغم جاذبيتها، تواجه أربعة اختلافات رئيسية تجعل البرمجة حالة خاصة: توافر بيانات التدريب، وسهولة اختبار النتائج، وانخفاض الحاجة إلى التفاعل البشري المباشر، وطبيعة مهندسي البرمجيات أنفسهم.

لماذا تتفوق البرمجة؟

أحد أسباب نجاح الذكاء الاصطناعي كمساعد للمبرمجين هو الكم الهائل من الأكواد مفتوحة المصدر المنشورة على الإنترنت. وقد دخل جزء كبير منها في تدريب النماذج، ويمثل في بعض الحالات قرابة خُمس بيانات التدريب.

ولا تتوافر الكمية نفسها من البيانات العامة في مجالات مثل شكاوى العملاء أو مفاوضات العقود.

كما أن اختبار الأكواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي أسهل نسبيًا. فاختبارات البرمجيات جزء أساسي من عملية التطوير، ويمكن لبرنامج أن يفحص برنامجًا آخر، ما يزيد فرص اكتشاف الأخطاء قبل أن تسبب أضرارًا. كما تساعد نتائج الاختبارات نفسها في تحسين أداء النماذج.

أما تقييم ما إذا كان عميل غاضب قد هدأ بالفعل، أو ما إذا كان نموذج مالي قد التقط التفاصيل الدقيقة في حسابات شركة، فهو أكثر تعقيدًا.

وتتمتع أدوات البرمجة بميزة أخرى؛ إذ إن كثيرًا من المعلومات المطلوبة لإنجاز المهمة موجود أصلًا داخل قاعدة أكواد البرنامج أو يمكن الوصول إليها عبر واجهات برمجة التطبيقات. في المقابل، توجد معلومات حاسمة في وظائف أخرى داخل عقول الموظفين، أو في تفاصيل غير رقمية مثل تعبير وجه محامٍ أثناء التفاوض.

محاولة سد الفجوة

تحاول شركات الذكاء الاصطناعي التغلب على هذه العقبات. ويقول وينستون واينبرغ، الرئيس التنفيذي لـ«هارفي»، إن تطور النماذج يسمح للشركة باستخدام البيانات الاصطناعية التي تنتجها أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها في تدريب أدواتها.

كما تربط شركات ناشئة مثل «ميركور» شركات الذكاء الاصطناعي بمتخصصين في مجالات مختلفة لنقل خبراتهم إلى النماذج. وتعمل «كريستا» على تحليل آلاف النصوص الخاصة بمكالمات مراكز الخدمة لاستخلاص جزء من المعرفة الموجودة في أذهان الموظفين، مثل كيفية التعامل مع طلبات استرداد الأموال.

وفي الوقت نفسه، ترسل شركات الذكاء الاصطناعي أعدادًا متزايدة من المهندسين إلى مقار العملاء لحل المشكلات وتحسين الأدوات.

لكن هناك عقبة قد تكون أصعب من كل ما سبق: المبرمجون أنفسهم.

فهم بطبيعتهم أكثر استعدادًا لتجربة التكنولوجيا الجديدة، كما أنهم معتادون على التغيير المستمر نتيجة تطور لغات البرمجة. لذلك جاء جزء كبير من تبني أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة من الأسفل إلى الأعلى؛ إذ اكتشف المهندسون الأدوات وجربوها بأنفسهم.

أما موظفو مراكز الاتصال، فعادة لا يملكون الحافز أو الحرية نفسها للتجربة، وينتظرون غالبًا تطبيق التكنولوجيا بقرار إداري. وفي القانون والمال، تفرض القواعد التنظيمية الصارمة قدرًا أكبر من الحذر.

من المؤكد أن استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات أخرى سيواصل النمو، وربما يتسارع مع تحسن النماذج وزيادة ثقة الشركات في تسليم بعض المهام إلى الوكلاء الذكيين.

لكن قد يمر وقت طويل قبل أن يصبح موظف المكتب التقليدي مثل المبرمج: يتحدث إلى ميكروفون، ويترك الذكاء الاصطناعي يتولى الجزء الأكبر من العمل أمامه.

المصدر: أرقام- ذي إيكونوميست

آخر الأخبار