هل تلتهم الرأسمالية العالم؟

زمن القراءة: 7 دقائق

قد يكون أعظم نجاح اقتصادي في التاريخ هو نفسه أحد أكبر مصادر القلق بشأن المستقبل. فالرأسمالية التي ساهمت خلال القرون الثلاثة الماضية في رفع مستويات المعيشة، وتحسين الصحة، وتوسيع الإنتاج والاستهلاك على نحو غير مسبوق، قامت في الوقت ذاته على فكرة تبدو بسيطة لكنها لا تعرف حدودًا واضحة: النمو المستمر.

وهنا تبرز المفارقة التي يناقشها المؤرخ الاقتصادي تريفور جاكسون في كتابه الجديد «الآلة النهمة: كيف غزت الرأسمالية العالم». فالنظام الذي غيّر حياة مليارات البشر قد يكون وصل إلى مرحلة أصبح فيها استمرار توسعه متعارضًا مع حدود كوكب محدود الموارد.

في عام 2003، كتب المنظّر الأدبي فريدريك جيمسون أن تخيل نهاية العالم أسهل من تخيل نهاية الرأسمالية. لكن جاكسون يذهب أبعد من ذلك؛ فهو يرى أن الرأسمالية قطعت بالفعل شوطًا طويلًا في استنزاف «كوكبنا المحدود»، وأن عدم تغيير المسار قد يجعل نهاية العالم أقل شبهًا بفكرة خيالية وأكثر قربًا من نتيجة فعلية.

معجزة لم تكن حتمية

يقدم جاكسون، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة بيركلي، سردًا مكثفًا لعدة قرون من التوسع الرأسمالي، لكنه لا يقدم الرأسمالية باعتبارها قصة شر مطلق. فهو يعرفها بوصفها نظامًا يحول عناصر مثل العمل والأرض إلى أصول قابلة للتبادل في السوق، ويقر بأن أسباب هيمنتها العالمية أكثر تعقيدًا من اختزالها في الاستغلال أو الطمع.

ارتبطت الرأسمالية بالفعل بالاستعمار والعنف والعبودية، لكنها ارتبطت أيضًا بزيادة هائلة في مستويات المعيشة. وخلال نحو ثلاثة قرون، أصبح سكان العالم البالغ عددهم اليوم 8 مليارات نسمة، في المتوسط، أكثر ثراءً وصحة من أسلافهم، وهي نتيجة يصفها جاكسون بأنها “معجزة”. لكن هذه النتيجة لم تكن حتمية.

فعلى عكس الرؤية التي تعتبر الرأسمالية نتيجة طبيعية لا مفر منها لرغبة البشر في التجارة والمنافسة، يرى جاكسون أن تاريخها كان استثنائيًا وغريبًا إلى حد كبير. فالثورة الصناعية نفسها، في نظره، لم تكن المسار الطبيعي للتاريخ، بل حدثًا احتاج إلى تضافر ظروف كثيرة، بعضها كان وليد الصدفة.

من إدارة الندرة إلى سباق التراكم

قبل ظهور الرأسمالية الحديثة، تعاملت المجتمعات مع الندرة من خلال العادات وروابط القرابة وأشكال التعاون التقليدية. لكن الرأسمالية استبدلت هذه الآليات تدريجيًا بمنطق التراكم.

ويرى جاكسون أن النتيجة كانت ظهور شكل جديد من الصراع الاجتماعي، لم يعد يقتصر على الفقراء أو الطبقات الدنيا. حتى أصحاب الثروات والنفوذ أصبحوا، وفق تحليله، جزءًا من سباق البقاء الذي تفرضه الأسواق.

ومن هنا تأتي إحدى مفارقات النظام: فحتى أصحاب رؤوس الأموال الكبار يخضعون لضغوط المنافسة والتوسع والاستمرار في تحقيق العوائد. ولذلك لا يمكن تفسير السلوك الاقتصادي دائمًا باعتباره نتيجة للطمع الفردي؛ إذ إن بنية النظام نفسها تدفع الفاعلين إلى مواصلة السباق.

الرأسمالية.. من الاستكشاف إلى الإمبراطورية

يبدأ كتاب «الآلة النهمة» من رحلات المستكشفين البرتغاليين والإسبان في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وينتهي في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، عندما بدا أن النظام الرأسمالي نفسه قد يكون على وشك الانهيار.

ويربط جاكسون بين ظهور النظام النقدي العالمي، وتطور الأدوات والمؤسسات المالية، وبين توسع العبودية، والتصنيع، والإمبريالية.

ويستعين بثلاث شخصيات عاش كلٌ منها في نقطة تحول تاريخية: مارتن لوثر عام 1517، وإسحاق نيوتن عام 1717، وفلاديمير لينين عام 1917. والمقارنة بين العوالم التي عاش فيها هؤلاء تكشف حجم التحول الذي أحدثته الرأسمالية.

ففي اقتصاد لوثر الزراعي القائم على الاكتفاء، كان معظم الناس يعيشون على غذاء محدود ويرتدون عددًا قليلًا من الملابس. أما في لندن عصر نيوتن، فلم يكن العمال أثرياء، لكنهم أصبحوا قادرين بصورة منتظمة على استهلاك خبز القمح اللين والبيرة، إضافة إلى منتجات قادمة من المستعمرات مثل التبغ والشاي والسكر.

وهكذا بدأت عادات استهلاكية جديدة تربط بين العمل المأجور في أوروبا والعمل القسري والعبودية في العالم الجديد. كان الأوروبيون يعملون لساعات أطول، ويكسبون مزيدًا من المال، ثم ينفقونه على سلع مستوردة من مزارع الأمريكتين. ونتج عن ذلك ما يصفه جاكسون بـ«الثورة الإنتاجية» التي أسست ثقافة استهلاك جديدة.

الاستهلاك لم يكن خياراً دائماً

لكن ارتفاع الاستهلاك لم يكن مجرد استجابة تلقائية لتوافر السلع. ففي إنجلترا، أجبر نظام «التسييج» كثيرًا من الناس على الانتقال إلى العمل المأجور بعد خصخصة الأراضي المشتركة التي كانت مصدرًا أساسيًا لمعيشتهم.

كما أدت قوانين جديدة إلى تجريم التشرد ومعاقبة العمال الذين يتركون وظائفهم. وبذلك تشكلت سوق العمل الحديثة عبر مزيج معقد من الحوافز الاقتصادية والضغوط الاجتماعية والسياسات القانونية.

ويرى جاكسون أن العلاقة بين الرأسمالية والعبودية أكثر تعقيدًا من أي تفسير مبسط، ولذلك يحاول تقديمها باعتبارها جزءًا من شبكة تاريخية مترابطة شملت التجارة والتمويل والتصنيع والاستعمار.

آلة” لا تعرف التوقف

على غلاف الكتاب، تظهر رسمة للفنان آرت يونغ تعود إلى عام 1911، لرجل بدين يجلس أمام مائدة مزدحمة ويشرب من إناء ضخم، بينما لا ينتبه إلى الهاوية التي تفتح خلفه.

الصورة تختصر رؤية جاكسون للرأسمالية: آلة نهمة تواصل استهلاكها دون أن تتوقف لتسأل عن حدودها.

فالنظام، وفق وصفه، يعمل بمنطق آلي لا يملك آلية داخلية للتوقف عن النمو والتوسع. والمشكلة أن النمو الاقتصادي المستمر، عندما يعتمد على استهلاك متزايد للطاقة والموارد، يصطدم في النهاية بحقيقة أن الأرض ليست بلا حدود.

هل يمكن تفكيك الآلة؟

رغم تشاؤمه، يترك جاكسون نافذة صغيرة مفتوحة أمام التغيير. فالرأسمالية، كما يقول، «صنعها البشر»، وهذا يعني أن البشر قادرون أيضًا على إعادة تشكيلها أو تفكيكها.

لكن المفارقة أن الكتاب نفسه يبدو أحيانًا غير واثق من قدرة الأفراد على إحداث هذا التغيير. فالنظام، بمرور الوقت، يصبح أكثر استقلالًا عن رغبات الأفراد وأكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه.

ولهذا فإن اختيار شخصيات مثل لوثر ونيوتن ولينين ليس لأنهم كانوا وحدهم صناع التاريخ، وإنما لأن كل واحد منهم يمثل «لقطة» لعالم اقتصادي مختلف.

وهنا تكمن الرسالة الأكثر إثارة للقلق في الكتاب: قد لا يكون الإنسان هو من يقود النظام الاقتصادي دائمًا؛ ربما أصبح النظام نفسه هو الذي يعيد تشكيل خيارات الإنسان.

فالرأسمالية رفعت مستويات المعيشة ووسعت نطاق الإنتاج والثروة بصورة لا يمكن إنكارها، لكنها في الوقت نفسه بنت اقتصادًا يعتمد على التوسع المستمر. والسؤال الذي يتركه جاكسون مفتوحًا ليس ما إذا كانت الرأسمالية قد صنعت عالمًا أفضل، بل ما إذا كان الكوكب قادرًا على تحمل استمرار المعجزة إلى ما لا نهاية.

المصدر: “نيويورك تايمز”

آخر الأخبار