من هرمز إلى باب المندب.. استهداف منشآت الطاقة يرفع تكلفة الحرب ويضع سوريا أمام معادلة جديدة

زمن القراءة: 19 دقائق

لا تزال منشآت الطاقة وممرات نقل النفط والغاز في السعودية والخليج العربي في قلب المواجهة التي اندلعت مع الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران في 28 شباط الماضي، مع انتقال جانب متزايد من الضغط العسكري إلى خطوط الأنابيب والمصافي والناقلات والممرات البحرية، ودخول ميليشيات مرتبطة بطهران في اليمن والعراق على خط استهداف البنية الحيوية للطاقة، في مسار رفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، وأوصل تكاليف شحن الخام إلى مستويات قياسية، وأعاد طرح أمن الطاقة باعتباره واحداً من أهم ميادين الصراع الإقليمي.

وتشير الوقائع الأخيرة إلى أن استهداف منشآت الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بمنشآت الإنتاج والتكرير، إذ امتد إلى خطوط النقل المصممة أصلاً لتجاوز نقاط الاختناق البحرية. فقد تعرض خط “شرق – غرب” السعودي لهجمات بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق التحقيقات العراقية والسعودية، من الأراضي العراقية، وأوقف الخط مؤقتاً بعد تسجيل أضرار وإصابات، في ضربة طالت أحد أهم البدائل الاستراتيجية لمضيق هرمز. وأكدت الحكومة العراقية أن الطائرات المستخدمة في الهجوم انطلقت من أراضيها، وأقالت قائداً عسكرياً مسؤولاً عن العمليات في محافظة ميسان وفتحت تحقيقاً بالحادثة.

وتزامن ذلك مع تصاعد تحركات ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، ووصولها إلى جزيرة ميون عند مضيق باب المندب، وهو ما وضع اثنين من أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية، هرمز وباب المندب، تحت ضغط متزامن، ورفع مستوى القلق في الأسواق من انتقال أزمة أمن الطاقة من الخليج إلى البحر الأحمر.

الضغط على الطاقة يتجاوز حدود المعركة

تعمل إيران، وفق قراءة لمسار الهجمات والتهديدات المعلنة، على رفع الكلفة الاقتصادية للحرب خارج أراضيها من خلال التأثير في منشآت الطاقة والممرات البحرية التي ترتبط بالأسواق العالمية، مع استخدام أذرع مسلحة موزعة في المنطقة ضمن ما يعرف في الخطاب الإيراني بـ”وحدة الساحات”.

وتكشف هذه السياسة عن محاولة لتحويل أمن الطاقة إلى ورقة ضغط ذات تأثير عالمي، لأن أي اضطراب في هرمز أو باب المندب أو خطوط النفط السعودية لا يبقى داخل حدود المنطقة، وينتقل سريعاً إلى أسعار الوقود والشحن والتأمين والتضخم في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

وكان رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف قد وجه مطلع الأسبوع تحذيراً مباشراً بعد جولة جديدة من الهجمات الأميركية والإيرانية، وقال: “اقصفوا أصولنا وستتعرضون للقصف”.

وكتب قاليباف على منصة “إكس”: “الأمر بسيط: سلسلة إنتاج النفط والغاز هنا واسعة ويسهل الوصول إليها ومكشوفة. وشركات النفط والغاز الأميركية في هذه المياه والمنشآت تتعرض للخطر ذاته”، في رسالة جاءت بعد حديث وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث عن هشاشة أسطول ناقلات النفط الإيراني. وأكدت تقارير دولية أن الخطاب الإيراني ربط بصورة مباشرة بين استهداف أصول طهران وإمكانية استهداف بنية الطاقة في الخليج.

كما أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي أن طهران تستعد لإعلان منطقة مقيدة جديدة في الخليج وممر ملاحي جديد في مضيق هرمز، في خطوة تضيف بعداً تنظيمياً إلى محاولات التحكم بحركة السفن داخل الممر الذي يعبر من خلاله في الظروف الطبيعية نحو خمس تجارة النفط والغاز المسال العالمية.

حركة السفن تهبط وأسعار الشحن تسجل مستويات قياسية

أصبحت حركة الملاحة نفسها مؤشراً مباشراً إلى حجم الضغط الذي فرضته الحرب. وأظهرت بيانات حديثة أن عدد السفن التي عبرت مضيق هرمز في 10 أيلول انخفض إلى سبع سفن فقط، مقارنة بمتوسط عشرة أيام بلغ 15 سفينة، وبمعدل يومي قبل الحرب وصل إلى نحو 125 سفينة.

هذا الانخفاض الحاد في حركة السفن لا يعني فقط تأخر شحنات النفط، إذ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع كلفة تشغيل الناقلات والتأمين عليها، ويدفع الشركات إلى طلب علاوات مخاطر مرتفعة مقابل دخول منطقة يمكن أن تتعرض فيها السفن للصواريخ أو المسيّرات أو الاحتجاز.

وسجلت أسعار شحن النفط بالناقلات العملاقة من خليج عمان إلى الصين مستويات قياسية خلال الأسبوع الجاري، ووصلت الكلفة إلى ما يعادل نحو 11.5 دولاراً للبرميل الواحد، وفق بيانات بورصة البلطيق، بعد أكبر موجة من الهجمات على السفن منذ بدء الحرب.

ويعني ذلك إضافة كلفة ضخمة إلى كل شحنة قبل وصول الخام إلى المصافي، ثم انتقال هذه الكلفة تدريجياً إلى الوقود والمنتجات المصنعة والنقل البري والجوي والغذاء.

وارتفع خام برنت في ختام تداولات الجمعة إلى 104.61 دولارات للبرميل، مسجلاً مكاسب أسبوعية تجاوزت 8%، ووصل خام غرب تكساس الأميركي إلى 100.05 دولار. كما سجل وقود الديزل في الولايات المتحدة مستويات قياسية تجاوزت ستة دولارات للغالون، في مؤشر إلى قدرة اضطرابات الخليج على الانتقال مباشرة إلى المستهلك الأميركي.

وكانت مجموعة “غولدمان ساكس” قد قدرت أن أسعار النفط يمكن أن تصل إلى 120 دولاراً للبرميل إذا تصاعدت الهجمات على السفن في الشرق الأوسط واستمرت اضطرابات الإمدادات.

إيران تحاول خلق أزمة طاقة عالمية

يرى الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة أن إيران تستخدم أذرعها في المنطقة لمحاولة خلق أزمة طاقة عالمية ترفع مستوى الضغط على الولايات المتحدة والقوى الدولية وتدفعها نحو وقف الحرب ضمن شروط أكثر ملاءمة لطهران.

وقال شريفة لـ”الثورة السورية” إن إيران “تحاول من خلال أذرعها خلق أزمة طاقة عالمية، للضغط على العالم وعلى الولايات المتحدة الأميركية من أجل إنهاء الحرب بالشروط الإيرانية بعد أن أصبحت هذه الحرب بمثابة ورطة للولايات المتحدة من وجهة النظر الإيرانية”.

وأضاف أن إيران تمكنت من الحفاظ على تماسك نظامها السياسي حتى الآن على الرغم من الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال الحرب، واتجهت إلى تعطيل المصالح الدولية عبر التأثير في ممرات الطاقة واستهدافها.

وأشار إلى وجود قراءات متعددة للموقف الأميركي، ومنها قراءة تفترض أن ارتفاع أسعار النفط يوفر فرصة للولايات المتحدة كي تزيد صادراتها من الخام والغاز الأعلى كلفة إلى أوروبا، مؤكداً أن استمرار هذه المعادلة لفترة طويلة يرفع الكلفة على الاقتصاد الأميركي نفسه ويزيد ضغوط التضخم.

وتدعم مؤشرات الأسواق هذا الجانب من التحليل، فقد أصبح ارتفاع الوقود قضية اقتصادية داخل الولايات المتحدة، ووصل النقاش إلى دراسة البيت الأبيض استخدام قانون الإنتاج الدفاعي لتوسيع طاقة تكرير النفط الأميركية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

منشآت الخليج في نطاق الاستهداف

شهدت الأشهر الماضية سلسلة هجمات مرتبطة بالطاقة في دول الخليج، على الرغم من إعلان حكومات المنطقة رفض الانخراط المباشر في الحرب.

وفي مطلع نيسان، تعرضت منشآت للطاقة والكهرباء وتحلية المياه في الكويت لهجمات بطائرات مسيّرة، وتعرضت منشأة تديرها مؤسسة البترول الكويتية لضربة ضمن موجة الهجمات التي رافقت التصعيد الإقليمي.

كما شهدت الإمارات في أيار ضربة بطائرة مسيّرة أدت إلى حريق في محطة براكة للطاقة النووية من دون تسرب إشعاعي أو وقوع إصابات، وأعلنت السلطات الإماراتية اعتراض طائرتين مسيرتين أخريين. وفي الفترة نفسها اعترضت السعودية ثلاث مسيّرات دخلت أجواءها من جهة العراق.

وعادت السعودية إلى واجهة التصعيد خلال الأيام الأخيرة، مع تعرض منشآت ومرافق طاقة في مناطق جنوب المملكة لهجمات الحوثيين، إلى جانب استهداف مصفاة جازان ومنشآت أخرى مرتبطة بالبنية النفطية. وأفادت وكالة الطاقة الدولية بأن إمدادات الخام السعودي هبطت في آب إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة عقود، وقدرتها بنحو ستة ملايين برميل يومياً، مع تأثير الهجمات التي طالت السفن ومصفاة جازان وحركة الشحن قرب ينبع.

استهداف “شرق – غرب” يغير طبيعة المخاطر

حملت الضربة التي طالت خط “شرق – غرب” ثقلاً استراتيجياً أكبر من استهداف خزان أو وحدة تكرير، لأن الخط يمثل أحد أهم الخيارات السعودية لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز.

ويمتد الخط، المعروف باسم “بترولاين”، نحو 1200 كيلومتر من بقيق شرقي المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، وتصل قدرته التصميمية إلى نحو سبعة ملايين برميل يومياً، وينقل فعلياً ملايين البراميل من مناطق الإنتاج الشرقية إلى الساحل الغربي.

وأصبح الخط أكثر أهمية خلال عام 2026 مع انخفاض حركة السفن عبر هرمز واتجاه السعودية إلى زيادة اعتمادها على البحر الأحمر لتصدير النفط. وتشير بيانات حديثة إلى أن الخط كان ينقل بين أربعة وخمسة ملايين برميل يومياً قبل إغلاقه المؤقت عقب الهجوم، وهي كمية تعادل قرابة 5 بالمئة من الإمدادات العالمية.

وقالت وزارة الطاقة السعودية إن الخط أوقف مؤقتاً بعد عدة هجمات في منطقتي الرياض والمدينة، وإن بعض الأشخاص أصيبوا وتلقوا العلاج. وأعلنت وزارة الخارجية السعودية أن المسيّرات التي استهدفت المنشأة جاءت من العراق، مع احتفاظ المملكة بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها الحيوية.

ويضيف استهداف هذا الخط طبقة جديدة إلى المخاطر، لأن تعطيل هرمز يزيد الاعتماد على “شرق – غرب”، وتعطل الخط يزيد الاعتماد على الممرات البحرية الأخرى، وتقدم الحوثيين قرب باب المندب يهدد بدوره الطريق الذي يصل موانئ البحر الأحمر بالأسواق العالمية.

هرمز وباب المندب في معادلة واحدة

تظهر خطورة الوضع الراهن في اقتراب التهديد من طرفي شبكة الطاقة الخليجية معاً. فإيران تمتلك القدرة على إرباك الملاحة في هرمز، والحوثيون وصلوا خلال الأيام الأخيرة إلى جزيرة ميون الواقعة في قلب باب المندب، وأصبحوا قادرين على زيادة الضغط على حركة السفن في المنطقة.

وتشير بيانات “كبلر” إلى أن حجم النفط السعودي الذي يعبر باب المندب باتجاه آسيا هبط من نحو 3.4 ملايين برميل يومياً في حزيران إلى 128 ألف برميل يومياً في آب، قبل أن يرتفع بصورة محدودة إلى نحو 700 ألف برميل في أيلول.

وتعني هذه الأرقام أن التهديد الأمني أصبح قادراً على تغيير خريطة تدفق النفط نفسها، لا على رفع سعره فقط.

ويمنح التزامن بين الضغوط في هرمز وباب المندب واستهداف “شرق – غرب” بعداً مختلفاً لمفهوم “وحدة الساحات”، إذ تتحول ساحات متباعدة جغرافياً إلى نقاط ضغط مترابطة حول منظومة إنتاج الطاقة ونقلها.

أمن الطاقة يدفع نحو ترتيبات أمنية جديدة

يرى عباس شريفة أن استهداف خطوط الأنابيب والممرات سيعيد ملف أمن الطاقة إلى مقدمة الحسابات العسكرية والسياسية لدى دول المنطقة والقوى المستوردة للنفط.

وقال إن “هذا الاستهداف سيؤدي إلى صحوة العالم على أزمة الطاقة من جهة أسبابها الأمنية”، مرجحاً اتجاهاً نحو بناء المزيد من التحالفات والترتيبات الأمنية لحماية ممرات الطاقة الدولية.

وتتجاوز الحماية المطلوبة في هذه المرحلة فكرة حماية ناقلة منفردة، إذ تمتد الحاجة إلى الدفاع الجوي ومراقبة الحدود ومنصات إطلاق المسيّرات وحماية الأنابيب والمصافي والمرافئ وممرات الملاحة.

كما أصبحت الأراضي العراقية جزءاً أساسياً من هذه المعادلة بعد ثبوت انطلاق المسيّرات التي ضربت السعودية من محافظة ميسان، وهو ما دفع بغداد إلى إقالة قائد عسكري وإطلاق عملية تحقيق واسعة وإغلاق منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران ضمن إجراءات أمنية مرتبطة بالحادثة.

سوريا تدفع تكلفة ارتفاع الطاقة

تنعكس أزمة الطاقة بصورة مباشرة على سوريا، التي ما تزال تحتاج إلى استيراد جزء من احتياجاتها النفطية، بالتزامن مع استمرار إعادة تأهيل منشآت الإنتاج والتكرير والنقل التي تضررت خلال سنوات الحرب.

وكان “صندوق النقد الدولي” قد أشار في تقييمه للاقتصاد السوري الصادر في آب إلى ارتفاع التضخم خلال 2026، وربط جانباً من هذا الارتفاع بزيادة أسعار الواردات، وخاصة الوقود والغذاء، بسبب الصراع الإقليمي.

ويقول شريفة إن للأزمة الحالية تأثيرات سلبية وأبعاداً استراتيجية يمكن أن تمنح سوريا أهمية إضافية ضمن شبكة الطاقة الإقليمية.

وأضاف لـ”الثورة السورية” أن سوريا لا تزال دولة مستوردة للطاقة، ما يجعل ارتفاع الأسعار العالمية عاملاً ضاغطاً في تكلفة المشتقات النفطية وفي تكاليف الإنتاج والنقل.

ويشير ذلك إلى سلسلة تأثير واسعة داخل الاقتصاد السوري، تبدأ من سعر الوقود ولا تتوقف عنده، لأن زيادة المحروقات تدخل في تكلفة الزراعة والصناعة والنقل الداخلي والشحن والأسعار النهائية للسلع.

استثمارات الخليج تتأثر بتغير الأولويات

يربط شريفة أزمة الطاقة أيضاً بمشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار التي أعلنت دول خليجية الدخول فيها داخل سوريا، إذ يؤدي تعرض البنية الحيوية لهذه الدول لهجمات متكررة إلى إعادة توزيع الأولويات المالية والأمنية.

وأوضح أن تضرر المصالح الخليجية نتيجة استهداف منشآت النفط يمكن أن ينعكس على المصالح السورية، بسبب وجود مشاريع إعادة إعمار واستثمار تعتزم دول خليجية تنفيذها في البلاد، مع احتمال أن تؤدي الحرب إلى إعادة ترتيب توقيت بعض العقود والإنفاق الاستثماري.

ويصبح هذا العامل مهماً في ظل اعتماد مرحلة التعافي السورية على تدفقات الاستثمار الخارجي وتمويل مشاريع الطاقة والنقل والبنية التحتية.

الجغرافيا السورية تكتسب قيمة إضافية

في الاتجاه الاستراتيجي، يرى شريفة أن الاضطرابات في هرمز وباب المندب تعيد إبراز سوريا كممر محتمل للطاقة بين العراق وشرق المتوسط.

وقال إن سوريا تستطيع أن تطرح موقعها كمسار بديل يصل موارد الطاقة العراقية بموانئ البحر المتوسط، وهو خيار يمكن أن يمنح البلاد فوائد اقتصادية وجيوسياسية على المدى الطويل.

وتدعم المباحثات السورية – العراقية هذا الاتجاه. فقد بحث وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ونظيره العراقي فؤاد حسين في دمشق، في 29 حزيران الماضي، آليات عبور الطاقة وربط الشبكات، ومشروع إعادة تأهيل أنابيب النفط الممتدة من العراق إلى سوريا، إلى جانب التعاون في المياه والزراعة والتكامل الاقتصادي.

ويمتلك العراق مصلحة مباشرة في تنويع طرق تصدير نفطه، لأن الجزء الأكبر من صادراته يخرج عبر موانئ الجنوب باتجاه الخليج، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي تعطيل طويل الأمد لمضيق هرمز.

خط أنابيب عراقي – سوري يعيد صياغة الخارطة

كان أستاذ العلوم السياسية والاستراتيجية الدكتور علي أغوان قد أكد في حديث سابق لـ”الثورة السورية” أن سوريا والعراق يحتاج كل منهما إلى الآخر في ملف الطاقة خلال المرحلة الحالية.

وقال إن سوريا تحتاج إلى الطاقة العراقية واستيراد النفط، والعراق يحتاج إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل اعتماده على منفذ البصرة، الذي تخرج منه في الظروف الطبيعية كميات تقترب من ثلاثة ملايين برميل يومياً.

وأضاف أن تعطل هرمز يفرض البحث عن بدائل، ويمكن لسوريا أن تؤدي دوراً استراتيجياً عبر موانئها وإنشاء أنابيب جديدة تمتد من كركوك ووسط العراق وجنوبه إلى الساحل السوري.

ويكتسب هذا التصور وزناً أكبر مع الهجمات الأخيرة، لأن استهداف الممرات الحالية يحول مشاريع الأنابيب البرية البديلة من أفكار اقتصادية طويلة الأجل إلى قضايا مرتبطة مباشرة بالأمن القومي وأمن الإمدادات.

الاكتفاء المحلي والأسعار التفضيلية

يرى شريفة أن المسار الأول أمام سوريا لتخفيف التعرض لصدمات الأسواق يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي للوصول إلى مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي.

وقال إن سوريا حققت تقدماً كبيراً في ملف الغاز، وإن إنتاج النفط يغطي، وفق تقديراته، قرابة ثلثي الاحتياجات الحالية، مع استمرار استيراد الثلث المتبقي من الخارج.

وتبقى هذه النسب مرتبطة بوتيرة استعادة الحقول ورفع الإنتاج وإصلاح شبكات النقل والتكرير، ما يجعل توسيع الإنتاج المحلي أحد العوامل الرئيسية في حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية.

ويقترح شريفة مساراً آخر يقوم على التفاوض للحصول على أسعار تفضيلية من الدول التي يمكن أن تستخدم الأراضي السورية ممراً لنفطها، وفي مقدمتها العراق.

وتقوم الفكرة على الربط بين منفعة دولة المصدر من استخدام خطوط وموانئ سورية وبين حصول دمشق على جزء من احتياجاتها بشروط سعرية أكثر استقراراً، بما يخفف أثر التقلبات العالمية في السوق المحلية.

الحرب تعيد تعريف قيمة الممرات

تكشف التطورات منذ شباط الماضي أن المعركة على الطاقة انتقلت من السيطرة على حقول النفط إلى السيطرة على الطريق الذي يسلكه البرميل للوصول إلى السوق.

فمضيق هرمز تحت ضغط التهديدات الإيرانية، وباب المندب يواجه تصاعداً حوثياً، وخط “شرق – غرب” تعرض لهجمات من العراق، ومصفاة جازان ومنشآت سعودية أخرى دخلت نطاق الضربات، وتضاعفت كلفة الناقلات والتأمين والشحن.

وفي هذا السياق، تتحول خطوط الأنابيب البرية إلى أصول استراتيجية قادرة على تغيير ميزان المخاطر. ويمنح الموقع السوري، الممتد بين العراق والبحر المتوسط، البلاد فرصة لاستعادة دور فقدته خلال سنوات الصراع، عبر التحول إلى عقدة لعبور النفط والطاقة والتجارة من الشرق إلى الساحل.

ويظل تحقيق هذه القيمة مرتبطاً بإعادة تأهيل الأنابيب والمرافئ والطرق، وتأمين الحدود، وجذب التمويل، وبناء اتفاقات طويلة الأجل مع العراق ودول أخرى تبحث عن ممرات خارج نقاط الاختناق البحرية.

وتظهر الوقائع الحالية أن أزمة الطاقة أصبحت جزءاً مركزياً من الحرب نفسها. فإيران تستخدم قدرتها على تهديد هرمز وشبكة حلفائها للضغط في اتجاه رفع كلفة المواجهة، والولايات المتحدة تضغط على صادرات النفط الإيرانية، والسعودية تبحث عن حماية خطوطها البديلة، والعراق يجد نفسه أمام تحدي ضبط الميليشيات ومنع استخدام أراضيه لضرب جيرانه.

وبالنسبة إلى سوريا، تجمع هذه الأزمة بين ضغط آني يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والواردات واحتمال تأثر بعض الاستثمارات، وقيمة استراتيجية متزايدة لموقعها كطريق محتمل لنفط العراق إلى المتوسط.

ويضع هذا التحول ملف الطاقة في صميم الحسابات الاقتصادية السورية، فكل زيادة في الإنتاج المحلي تخفف التعرض للأسعار الخارجية، وكل خط عابر للأراضي السورية يرفع قيمة الجغرافيا، وكل اتفاق طويل الأجل مع دولة مصدرة يمنح السوق المحلية هامشاً أكبر للاستقرار.

ومع استمرار الضغط على هرمز وباب المندب واستهداف المسارات البديلة، لم يعد السؤال محصوراً في كمية النفط المنتجة عالمياً، إذ أصبح الطريق الآمن لنقل هذه الكمية جزءاً أساسياً من سعرها ومن أمن الدول التي تعتمد عليها. وفي هذه المعادلة الجديدة تستعيد سوريا موقعاً جغرافياً يمكن أن يتحول، مع استقرار الداخل وإعادة بناء البنية التحتية، إلى أحد عناصر خريطة الطاقة الإقليمية التي تعيد الحرب الحالية تشكيلها.

عاصم الزعبي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار