لا تفسدوا اقتصاد المعرفة في لندن

زمن القراءة: 5 دقائق
في حي المعرفة شمال لندن، يمكنك أن تمر بمقار «جوجل ديب مايند» ومعهد «فرانسيس كريك» ومستشفى «يو سي إل» ومعهد «آلان تورينج» خلال ما يزيد قليلاً على 20 دقيقة، وقد أصبحت أعرف هذه المنطقة جيداً منذ انضمامي إلى جامعة لندن كوليدج قبل أكثر من خمس سنوات.

وفي أي يوم عادي، ستجد باحثين ينتقلون بين المختبرات، وطلاباً يتوجهون إليها، ورواد أعمال يلتقون بالمستثمرين، وأطباء يتعاونون مع العلماء في حل مشكلات شغلت الطب لعقود.

توافدت المؤسسات إلى هذه المنطقة على مدار قرون، ونحن في جامعة لندن كوليدج نحتفل هذا العام بمرور 200 عام على تأسيسها. إنها في الأساس ظاهرة تدحرج كرة الثلج:

الجامعات تستقطب المواهب، والشركات تتبع هذه المواهب، والمستثمرون يتبعون تلك الشركات، ولا يزال القرب المكاني هو الآلية التي تصنع النجاح.

وقد دعا جيم أونيل، كبير الاقتصاديين السابق في «جولدمان ساكس»، الحكومة أخيراً إلى دعم الأماكن والمؤسسات التي تتمتع بميزة تنافسية.

وهو محق في الإشارة إلى أنه إذا كانت المملكة المتحدة تريد تحقيق نمو تقوده الابتكارات واستقطاب الاستثمار الخاص، فعليها دعم المدن ذات البحث العلمي الكثيف، التي بنت بالفعل كتلة حرجة حول جامعات عالمية المستوى ومستشفيات كبرى.

وهذه حقيقة يواصل خطابنا الوطني تجنبها؛ فمعالجة تركز القوة السياسية المفرط في لندن ينبغي ألا تؤدي إلى تقويض دورها باعتبارها مركزاً عالمياً رائداً للابتكار.

ولا يمكن بناء كتلة حرجة بين عشية وضحاها. وقد أدركت حكومة ستارمر أن ممر أكسفورد-كامبريدج أحد هذه التجمعات البحثية كثيفة الابتكار، واستثمرت فيه بناء على ذلك.

وها هو ذا آندي بورنهام اليوم في «داونينج ستريت»، وبعد عقد من العمل على تحويل مانشستر إلى أسرع أقاليم المدن نمواً في البلاد، مستفيداً بشكل جزئي من قوة الابتكار.

فإذا كنا نقر بأننا سنقود النمو من خلال الاستثمار في المناطق التي طورت تركيزاً عالياً من الابتكار، وأن مانشستر واحدة منها وممر أكسفورد-كامبريدج أخرى، ألم يحن الوقت الآن للإقرار بأن لندن لا تقل أهمية عنهما بأي حال؟

ركزت الحكومات المتعاقبة، بحق، على تنشيط مناطق المملكة المتحدة التي تسجل أدنى معدلات النمو. وهذا منطقي. وكذلك الحال بالنسبة إلى نقل بعض وظائف الحكومة بعيداً عن المركز، لكن الاستثمار في الابتكار في لندن ينبغي أن يكون أولوية أيضاً؛ فالعاصمة تستضيف العديد من مراكز أبحاث الطب الحيوي المدعومة من الدولة، ولولاها لما كان ممكنا تحقيق كثير من الاختراقات المذهلة، غير أن تمويل هذه المراكز بات مهدداً.
ولا يمكن تحقيق النمو بوتيرة أسرع من لندن، بالنظر إلى دورها الفريد في الذكاء الاصطناعي وعلوم الحياة والتكنولوجيا المالية والصناعات الثقافية والإبداعية، وجامعاتها التي تستقطب المواهب العالمية التي تنشئ شركات في أنحاء البلاد.

كما أن مختبراتها تنتج أبحاثاً تتحول إلى علاجات يتم تقديمها في مختلف أنحاء هيئة الخدمات الصحية الوطنية، فضلاً عن صادرات تساعد على تمويل قطاع الرعاية الصحية.

على سبيل المثال، تتخذ شركة «أوتولوس ثيرابيوتكس»، المنبثقة عن جامعة لندن كوليدج، من لندن مقراً لها، وتنتج في ستيفينج، وتطرح علاجاتها الرائدة للمرة الأولى في مانشستر، كما أن رأس المال الذي يتم جمعه في لندن يمول شركات في مختلف أنحاء البلاد.
وينبغي ألا يعني ذلك ترك المدن الأصغر خلف الركب، فقد أظهرت أعمال معهد بينيت بشأن التجمعات المترابطة أن مناطق المملكة المتحدة، بدلاً من التنافس فيما بينها، تدعم نمو بعضها بعضاً وتعززه.

وتسهم مراكز مثل لندن ومانشستر في نمو البلاد بأسرها من خلال سلاسل توريد عالية القيمة، وتطوير المهارات، والبنية التحتية البحثية، والتجارة، فعندما ترتفع الإنتاجية في مجالات التكنولوجيا أو علوم الحياة في لندن، تستفيد المناطق الأخرى أيضاً، والعكس صحيح.

وإذا حصلت كل منطقة على تمويل يكفي لبقائها، لكن ليس بما يكفي لتوسيع نطاق قدراتها، فينبغي للمملكة المتحدة ألا تتفاجأ إذا وجدت صعوبة في منافسة دول مثل الولايات المتحدة أو اليابان، اللتين قضتا عقوداً في بناء مراكز ابتكار عالمية المستوى.
ويمكن لحكومة بورنهام أن تجعل هذا الأمر واضحاً، لا بد من تحديد التجمعات الرئيسة ودعمها ونشر ثمار النمو الذي تولده في أنحاء البلاد، ولندن تمثل محوراً أساسياً في هذه القصة.
مايكل سبنس
المصدر: فايننشال تايمز
آخر الأخبار