اتجهت شركات ومخيمات صيفية أميركية إلى حظر الهواتف الذكية أثناء ساعات العمل، في محاولة لتعزيز السلامة والإنتاجية وتنمية المهارات الشخصية، فيما يرى العديد من الشباب أن التجربة منحتهم قدرة أكبر على التركيز والتواصل الحقيقي مع الآخرين.
بدأ رونين سيغريست، البالغ من العمر 17 عاماً، العمل منقذاً في متنزه “أوشن أواسيس” المائي بولاية نيوجيرسي خلال صيف 2025، بعدما كان يتطلع لهذه الوظيفة منذ سنوات. لكن التحدي الأكبر لم يكن طبيعة العمل، بل التخلي عن هاتفه الذكي طوال نوبات العمل التي تمتد من 6 إلى 7 ساعات يومياً.
واعترف سيغريست بأن التأقلم مع غياب الهاتف استغرق وقتاً، إذ ظل في البداية يفكر بمن يراسله وما الذي قد يفوته على منصات التواصل، قبل أن يعتاد تدريجياً على الوضع الجديد.
وانضمت شركة Morey’s Piers، المالكة للمتنزه ومجموعة من المرافق الترفيهية على ممشى وايلدوود الشهير، إلى قائمة متزايدة من جهات العمل التي تفرض حظراً صارماً على استخدام الهواتف أثناء ساعات العمل، في توجه يتقاطع مع سياسات مماثلة تطبقها العديد من المدارس الأميركية، بحسب “CNBC”.
وأظهرت بيانات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أن نصف المراهقين بين 12 و17 عاماً يقضون أربع ساعات أو أكثر يومياً أمام الشاشات، بينما ترتبط فترات الاستخدام المرتفعة خارج الأغراض الدراسية بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وغيرها من الآثار السلبية.
السلامة أولاً
أكدت نائبة الرئيس والمسؤولة الإدارية في Morey’s Piers، دينيس بيكسون، أن الشركة توظف نحو 500 شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 14 و19 عاماً خلال موسم الصيف، وأن سياسة حظر الهواتف مطبقة منذ سنوات، حيث يودع الموظفون أجهزتهم في خزائن مخصصة طوال فترة العمل.
وأرجعت بيكسون القرار بالدرجة الأولى إلى اعتبارات السلامة، موضحة أن بعض الموظفين المراهقين يديرون معدات ترفيهية تقدر قيمتها بملايين الدولارات أو يتحملون مسؤولية سلامة الزوار في الألعاب المائية وأحواض السباحة، ما يجعل أي تشتت مصدر خطر محتمل.
أكثر من مجرد إنتاجية
أشارت بيكسون إلى أن أهداف الحظر لا تقتصر على السلامة، بل تمتد إلى تنمية المهارات المهنية، فخلال فترات التوقف المؤقت عن العمل، يُفترض بالموظف البحث عن مهام إضافية مثل ترتيب المكان أو خدمة العملاء أو الاستعداد للطلبات المقبلة، بدلاً من اللجوء مباشرة إلى الهاتف.
وترى أن الاعتماد المستمر على الهاتف يحرم الشباب من اكتساب المهارات غير المباشرة التي تجعلهم أكثر قيمة في بيئة العمل، مثل المبادرة والانتباه للتفاصيل وتحمل المسؤولية.
التركيز الكامل على المهمة
امتد هذا التوجه أيضاً إلى قطاع المخيمات الصيفية الأميركية الذي يوظف أكثر من مليون شخص سنوياً، بينهم أعداد كبيرة من المراهقين والشباب.
وفرض مخيم Red Arrow Camp في ولاية ويسكونسن، المعروف بسياسة منع الهواتف للطلاب منذ سنوات، حظراً مماثلاً على المشرفين والعاملين منذ عام 2021.
وأوضح المدير التنفيذي للمخيم ريتش بروشينسكي أن فلسفة المؤسسة تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسية هي الانفصال عن الضوضاء الرقمية، واكتشاف مهارات جديدة، وتطوير القدرات الشخصية. ومن هذا المنطلق، يساعد حظر الهواتف الموظفين على تقديم نموذج عملي للمشاركين.
وأضاف أن غياب الهاتف يتيح للعاملين التركيز الكامل على المهام المطلوبة دون إشعارات ورسائل متواصلة تشتت الانتباه، ما يعزز الحضور الذهني والتفاعل المباشر مع المحيط.
“الدوبامين الحقيقي”
كشف سيغريست أن نتائج التجربة تجاوزت توقعاته بعد نحو شهر من التأقلم، إذ أصبح أكثر قدرة على التفكير بهدوء والتعامل مع أفكاره بعيداً عن التدفق المستمر للمحتوى الرقمي.
ولاحظ أيضاً تحسناً في تواصله مع الآخرين، سواء العملاء أو زملاء العمل، معتبراً أن الأحاديث المباشرة تمنحه شعوراً بالسعادة أكبر من تصفح الهاتف أو تبادل الرسائل.
وروى داوسون سينيس، البالغ من العمر 20 عاماً ويعمل مشرفاً في مخيم Red Arrow، أن الانفصال عن العالم الخارجي كان صادماً في البداية عندما التحق بالمخيم مراهقاً، لكنه أصبح لاحقاً جزءاً من التجربة التي يفضلها.
وأوضح أن الحياة داخل المخيم تدفع الشباب للتعامل المباشر مع مشاعرهم بدلاً من الهروب منها عبر الشاشات، لافتاً إلى أن المسؤولية اليومية تجاه الأطفال والمشاركين تفرض درجة عالية من الحضور والانتباه.
واختتم سينيس تجربته بالقول إن الابتعاد عن الهاتف لفترات طويلة جعله يشعر بأنه “أكثر حيوية”، في إشارة إلى الفارق بين التفاعل الواقعي والانشغال الدائم بالعالم الرقمي.
المصدر: العربية نت
