الاستثمارات الأمريكية في سوريا.. 3 مراحل قبل الأثر الاقتصادي

زمن القراءة: 14 دقائق

بدأت الشركات الأمريكية، بعد سنوات طويلة من الغياب عن السوق السورية، تقترب مجدداً من دمشق، مدفوعة بالتغيرات التي شهدتها البيئة الاقتصادية خلال الأشهر الماضية، والرسائل التي حملها منتدى الأعمال السوري–الأمريكي الأول، الذي جمع مسؤولين حكوميين ورجال أعمال ومستثمرين من الجانبين.

ومع هذه التطورات التي ينظر إليها على أنها بداية مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، يطرح السوريون سؤالاً يرتبط بالنتائج: متى ستنعكس هذه التحركات على حياتهم اليومية؟

ويرى نائب رئيس جمعية «سورياد» لرجال الأعمال محمود محسن حج علي أن اللقاءات الاقتصادية الأخيرة تمثل انتقالاً من مرحلة التعارف واستطلاع الفرص إلى مناقشة مشاريع محددة، مؤكداً أن المنتدى يشكل مؤشراً على انخفاض مستوى المخاطر المرتبطة بالدخول إلى السوق السورية، لكنه لا يعني بالضرورة اتخاذ جميع الشركات المشاركة قرارات استثمار نهائية.

ويشير حج علي، في حديثه لصحيفة «الثورة السورية»، إلى أن المستثمر الأمريكي ينظر أولاً إلى استقرار البيئة القانونية، ووضوح التشريعات، وإمكانية تحويل الأموال، إضافة إلى الضمانات السياسية والأمنية، باعتبارها عوامل أساسية قبل ضخ استثمارات كبيرة.

ويتوقع حج علي أن يكون قطاع الطاقة أول القطاعات استقبالاً للاستثمارات الأمريكية، نظراً للحاجة الملحة إلى زيادة إنتاج النفط والغاز وتحسين إمدادات الكهرباء، وهي مشاريع توفر في الوقت نفسه عائداً اقتصادياً واضحاً للمستثمر.

ويمتد الاهتمام، وفقاً لحج علي، من قطاع الطاقة إلى الاتصالات والتكنولوجيا والخدمات المالية، إضافة إلى النقل والخدمات اللوجستية وإعادة تأهيل البنية التحتية، التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة بعد سنوات الحرب.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن قطاع الطاقة يمتلك أفضلية واضحة، لأن المستثمرين يبدأون عادة بالقطاعات ذات الإيرادات المستقرة والأصول القابلة للتقييم، مشيراً إلى أن العقود ومذكرات التفاهم التي أُعلنت خلال الفترة الماضية تعكس انتقال الاهتمام إلى مرحلة التنفيذ.

ولا يقتصر أثر دخول الشركات الأمريكية على الأموال التي يمكن أن تضخها في السوق، إذ يؤكد الخبراء أن وجود شركات أمريكية كبرى يمنح الاقتصاد السوري مؤشراً على الثقة أمام المستثمرين الآخرين، وقد يشجع شركات أوروبية وخليجية وآسيوية على إعادة تقييم فرص الاستثمار في سوريا.

كما يمكن أن يسهم هذا الحضور في نقل التكنولوجيا، وتطوير أساليب الإدارة، وتعزيز معايير الحوكمة، وربط الشركات السورية بسلاسل التوريد العالمية.

ماذا عن القطاع المالي؟

يُعد القطاع المالي من القطاعات التي يُتوقع أن تشهد تغيرات متسارعة، في ظل التوجه نحو تحديث أنظمة المدفوعات وربط المصارف السورية تدريجياً بالنظام المالي الدولي، بما يسهم في تسهيل التحويلات المالية والتعاملات التجارية، ويفتح المجال أمام توسع نشاط شركات التكنولوجيا المالية.

ويرى عبد الكريم أن هذه الخطوات ستكون من أوائل النتائج التي قد يلمسها المواطن، لتأثيرها المباشر في التحويلات المالية والتجارة والخدمات المصرفية.

ويجمع الخبيران على أن آثار الاستثمارات لن تظهر سريعاً، وإنما ستمر بعدة مراحل. وتتمثل المرحلة الأولى في افتتاح المكاتب وبدء توظيف أعداد محدودة، لتبدأ بعدها نتائج ملموسة بالظهور في قطاعات الكهرباء والطاقة والاتصالات والنقل.

أما التحسن الفعلي في مستوى المعيشة والدخل والأسعار، فيحتاج إلى فترة أطول قد تمتد بين ثلاث وخمس سنوات، في حال تحولت الاستثمارات إلى مشاريع إنتاجية مكتملة.

الاستثمار وحده لا يكفي

ويؤكد محمود محسن حج علي أن نجاح الاستثمارات الأجنبية لا يُقاس بحجم الأموال المعلنة فقط، وإنما بمدى ارتباطها بالاقتصاد المحلي، من خلال تشغيل العمالة السورية، ونقل الخبرات، والاستفادة من الموردين المحليين، بما يحقق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ويحذر من أن اعتماد المشروعات على خبرات ومستلزمات مستوردة في تنفيذ أعمالها سيحد من استفادة المواطنين منها، مهما بلغت قيمتها.

ورغم المؤشرات الإيجابية، ما يزال الطريق أمام الاستثمارات الأجنبية يواجه عدداً من العقبات، أبرزها استكمال تحديث البيئة التشريعية، وتطوير القطاع المصرفي، وتسريع إجراءات التقاضي التجاري، إضافة إلى ضمان الشفافية والاستقرار التشريعي.

ويشدد الدكتور محمود عبد الكريم على أهمية إدارة توقعات المواطنين، لأن الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات لا يعني انعكاسها فوراً على الأسعار أو الدخل، وإنما يحتاج الأمر إلى وقت حتى تتحول العقود إلى مصانع ومحطات طاقة ومشروعات إنتاجية توفر فرص العمل وتزيد الإنتاج.

ويرى عبد الكريم أن الشركات الأمريكية باتت أقرب إلى السوق السورية من أي وقت مضى، إلا أن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد الوفود أو الاتفاقيات، لكن بقدرة الاقتصاد السوري على تحويل الاهتمام الدولي إلى مشاريع منتجة تنعكس على حياة الناس. فالمواطن السوري لا ينتظر أخبار توقيع العقود بقدر ما ينتظر كهرباء أكثر استقراراً، وفرص عمل جديدة، وخدمات أفضل، وتحسناً فعلياً في مستوى معيشته، وهي النتائج التي ستحدد مدى نجاح هذه العودة الاقتصادية.

ويشرح عبد الكريم هذه العملية من خلال ما يسميه «ثلاث موجات اقتصادية»، إذ تبدأ الموجة الأولى خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر الأولى، ويقتصر النشاط خلالها على توقيع العقود، وافتتاح مكاتب الشركات، وإجراء الدراسات الفنية، وبدء أعمال المسح والاستكشاف، إلى جانب توفير عدد محدود من فرص العمل المرتبطة بالأعمال الإدارية والهندسية.

أما المرحلة الثانية، التي تمتد بين عام وثلاثة أعوام، فتشهد بدء تنفيذ المشاريع الكبرى، ولا سيما في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل، ما يسهم في زيادة فرص العمل وتحريك قطاعات المقاولات والنقل والخدمات، إلى جانب تحسن تدريجي في مستوى الخدمات الأساسية.

وفي المرحلة الثالثة، التي قد تمتد بين ثلاث وخمس سنوات، تبدأ المشاريع الإنتاجية بإظهار نتائجها الفعلية، سواء من خلال زيادة إنتاج النفط والغاز، أو تحسن إمدادات الكهرباء، أو توسع النشاط الصناعي، بما ينعكس تدريجياً على النمو الاقتصادي والدخل وفرص العمل ومستوى معيشة المواطنين.

ويؤكد عبد الكريم أن الاستثمار في قطاع الغاز يحمل أهمية خاصة، لأن زيادة إنتاجه تنعكس مباشرة على تشغيل محطات توليد الكهرباء، وما يترتب على ذلك من آثار في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.

الاستثمار وحده لا يصنع المعجزة

ورغم أهمية الاستثمارات الأجنبية، يحذر الخبراء من المبالغة في التعويل عليها باعتبارها الحل الوحيد للمشكلات الاقتصادية.

ويقول محمود محسن حج علي إن نجاح الاستثمار يُقاس بمدى ارتباطه بالاقتصاد المحلي وقدرته على خلق قيمة مضافة حقيقية، مضيفاً أن المشروعات الأجنبية يجب أن تعتمد على العمالة السورية، وتسهم في تدريب الكوادر المحلية، ونقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية، وتشجيع الصناعات المحلية وسلاسل التوريد الوطنية، بدلاً من الاعتماد الكامل على المعدات والعمالة المستوردة.

ويرى أن ربط الاستثمارات بالاقتصاد الوطني يمثل الضمان لتحويلها إلى محرك للتنمية، وليس إلى مشاريع تقتصر نتائجها على تحقيق أرباح للشركات الأجنبية.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن مشاريع الطاقة والبنية التحتية تعد من أكثر القطاعات قدرة على توليد فرص العمل داخل المشروع نفسه وفي القطاعات المرتبطة به. فتطوير حقل غاز، على سبيل المثال، يحتاج إلى شركات مقاولات وخدمات نقل وأعمال صيانة وموردين محليين وشركات هندسية، إضافة إلى العاملين بصورة مباشرة وغير مباشرة.

كما ينعكس تحسن التغذية الكهربائية على قدرة المصانع على زيادة إنتاجها وخفض تكاليف التشغيل، ويشجع المستثمرين المحليين، قبل الأجانب، على توسيع أعمالهم.

ويشير عبد الكريم إلى أن الاقتصاد السوري ينطلق اليوم من قاعدة منخفضة للغاية بعد سنوات القصف، ولذلك يمكن لأي زيادة في الاستثمار والإنتاج أن تنعكس في معدلات نمو مرتفعة، إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية وتحسن مناخ الاستثمار.

تحديات لا يمكن تجاهلها

ورغم المؤشرات الإيجابية، ما يزال الطريق أمام الاستثمارات الأجنبية يواجه عدداً من التحديات، ويضع الدكتور عبد الكريم خمس أولويات يراها حاسمة لنجاح المرحلة المقبلة.

وتتمثل أولى هذه الأولويات في تحويل مذكرات التفاهم والاتفاقيات الأولية إلى مشاريع فعلية ضمن جداول زمنية واضحة، إذ تظهر التجارب الدولية أن جزءاً من الاتفاقيات الاستثمارية لا يصل إلى مرحلة التنفيذ.

أما التحدي الثاني، فيتعلق باستكمال الإصلاحات التشريعية، وتطوير القضاء التجاري، وتعزيز حماية المستثمرين، بما يضمن سرعة الفصل في النزاعات ووضوح القوانين واستقرار البيئة الاستثمارية.

ويأتي القطاع المصرفي في المرتبة الثالثة، إذ يرى الخبراء أن المصارف السورية تحتاج إلى تحديث بنيتها التقنية وتعزيز قدراتها على التعامل مع النظام المالي العالمي، حتى تتمكن من استيعاب الاستثمارات الجديدة وتمويل المشاريع الكبرى.

ويتمثل التحدي الرابع في تنويع الاستثمارات وعدم حصرها في قطاع الطاقة، إذ يحتاج الاقتصاد أيضاً إلى استثمارات في الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات، بما يسهم في بناء قاعدة إنتاجية متوازنة.

أما التحدي الخامس، فيرتبط بإدارة توقعات المواطنين، إذ إن الإعلان عن استثمارات بمليارات الدولارات لا يعني تحسناً فورياً في مستوى المعيشة، وإنما يحتاج أثرها إلى وقت حتى تتحول الأموال إلى مشاريع قائمة على الأرض.

الاقتصاد السوري أمام فرصة جديدة

تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن سوريا تحتاج إلى مئات المليارات من الدولارات لإعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، ما يجعل الاستثمار الأجنبي أحد مصادر التمويل المهمة خلال المرحلة المقبلة.

ويؤكد الخبراء أن رأس المال وحده لا يكفي، إذ يتطلب نجاح هذه المرحلة استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية، وتبسيط الإجراءات الإدارية، ومكافحة الفساد، وتطوير البنية القانونية والمؤسساتية.

كما تتطلب الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية بناء شراكات مع القطاع الخاص السوري، بما يساعد على تحويل هذه المشاريع إلى رافعة للنمو الاقتصادي ونشاط مرتبط بالسوق المحلية.

ويُعتقد أن أهمية دخول الشركات الأمريكية لا تقتصر على حجم الأموال التي يمكن أن تضخها، وتشمل أيضاً ما يحمله هذا الدخول من مؤشرات إلى الأسواق العالمية.

فوجود شركات أمريكية كبرى في السوق السورية قد يشجع شركات أوروبية وآسيوية وخليجية على إعادة النظر في خططها الاستثمارية، وقد يسهم في تعزيز ثقة مؤسسات التمويل الدولية وشركات التأمين بالمشاريع المنفذة داخل سوريا.

ويرى الخبراء أن التطورات الحالية تمثل بداية مرحلة جديدة، وأن نجاحها سيُقاس بقدرة الاقتصاد السوري على تحويل الاهتمام الدولي إلى مشاريع إنتاجية مستدامة.

ويتفق الخبيران على أن التفاؤل الذي يرافق عودة اهتمام الشركات الأمريكية بالسوق السورية يقابله حذر تفرضه التحديات الاقتصادية، وأن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد الوفود أو مذكرات التفاهم أو المؤتمرات الاقتصادية، وإنما بحجم التغيير الذي تحدثه المشاريع المنفذة في حياة السوريين.

فالمواطن السوري، الذي عانى خلال سنوات حرب النظام المخلوع من نقص الكهرباء وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، ينتظر نتائج الاستثمارات على أرض الواقع أكثر من أسماء الشركات أو حجم الأموال المعلنة؛ كهرباء أكثر استقراراً، ومصانع تعود إلى الإنتاج، وفرص عمل جديدة، ودخولاً أعلى، وخدمات أفضل.

وعند تحقق هذه النتائج، تنتقل عودة الشركات الأجنبية من الاتفاقيات والإعلانات إلى أثر اقتصادي ينعكس على الحياة اليومية، ويسهم في تعافي الاقتصاد السوري واستعادة قدرته على النمو والإنتاج.

من الاستثمار إلى الأثر

لا تبدأ المرحلة الأهم عند إعلان قيمة الاستثمار أو دخول الشركة إلى السوق، وإنما عند تحديد ما سيضيفه المشروع إلى الاقتصاد السوري قياساً بما يحصل عليه المستثمر. وهنا تبرز أهمية صياغة العقود بطريقة تحدد نسب التشغيل المحلي، وحجم المشتريات من الشركات السورية، وبرامج التدريب، ونقل المعرفة، والالتزامات الزمنية للتنفيذ، فالفارق بين استثمار يضيف أصلاً إنتاجياً جديداً وآخر ينتهي أثره بانتهاء المشروع تحدده هذه التفاصيل، ومع اتساع الحاجة إلى رؤوس الأموال، تصبح قدرة الجهات المعنية على التفاوض واختيار المشاريع ذات الأثر الأوسع عاملاً مهماً في تحديد العائد الاقتصادي الذي تحصل عليه سوريا من موجة الاستثمار المرتقبة.

كما يضع دخول شركات كبيرة السوق السورية الشركات المحلية أمام اختبار مختلف؛ إذ لن تقتصر المنافسة على الأسعار، وستشمل معايير الجودة، ودقة التنفيذ، والقدرة على الالتزام بالعقود، والإدارة المالية، ومتطلبات السلامة والإفصاح، وقد يدفع ذلك الشركات السورية الراغبة في الدخول كمقاولين أو موردين إلى إعادة تنظيم أعمالها وتطوير أنظمتها الإدارية والمحاسبية ورفع كفاءة كوادرها، ومن هذه الزاوية، يمكن أن يتجاوز أثر الاستثمار حدود المشروع نفسه إلى رفع معايير العمل داخل جزء من القطاع الخاص، شريطة أن تتاح للشركات المحلية فرصة فعلية للدخول في سلاسل التوريد والعقود الفرعية، وألا تبقى على هامش المشاريع الكبرى.

ويطرح حجم المشاريع المحتملة مسألة أخرى تتعلق بقدرة سوق العمل السورية على توفير المهارات المطلوبة، فمشروعات الطاقة والاتصالات والخدمات المالية والبنية التحتية تحتاج إلى اختصاصات هندسية وتقنية وإدارية ومالية قد يزداد الطلب عليها خلال فترة قصيرة، ما يجعل تأهيل الكوادر جزءاً من الاستعداد للاستثمار وليس نتيجة لاحقة له، وإذا اتسعت الفجوة بين احتياجات الشركات والمهارات المتوفرة، فقد تضطر المشاريع إلى استقدام جزء أكبر من خبراتها من الخارج، لذلك يرتبط تعظيم فرص التشغيل بقدرة الجامعات والمعاهد ومراكز التدريب والقطاع الخاص على الاستجابة مبكراً للوظائف والمهارات التي ستطلبها المشاريع الجديدة.

مختار الإبراهيم

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار