بقلم: د. شاهر إسماعيل الشاهر
أستاذ العلاقات الدولية في جامعتي دمشق والفرات
تعد مسألة الإصلاح الإداري في سورية من أكثر الموضوعات أهمية وخطورة في هذه المرحلة، لما يعول عليها من آمال في مرحلة إعادة الإعمار، وهذا ما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل عملية الإصلاح الإداري كافية لتحقيق النتائج المرجوة؟ والخلل الإداري الموجود في مؤسساتنا هل هو سبب أم نتيجة؟
هذا السبب يمكن أن نحدده بأنه الحالة العامة للمجتمع، وهي مجموعة الظروف التي تفاعلت فيما بينها وأثمرت ما يسمى بالذهنية أو ثقافة المجتمع أو الأخلاقيات التي تسود المجتمع، والتي تحدد سلوك المواطنين فيه بشكل عام، ومنهم بشكل خاص القطاع الوظيفي المتعلق بالمؤسسات الحكومية، فهذا القطاع يعد من السلطة العامة، فمهما قويت الرقابة والمحاسبة لا يمكن ضبط سلوكية أعضاء هذا القطاع إذا لم يتوفر وازع داخلي يمكن إطلاق عليه تسميات متعددة: (ضمير, أخلاق, شعور وطني, مخافة من الله..).
لقد تحولت الوظيفة الاجتماعية للدولة, إلى علاقة أبوية متشابكة الروابط بنيوياً, تؤدي فيها الدولة دوراً مركزياً, الأمر الذي خلط بين دور الدولة ودور المجتمع في العملية الإصلاحية, بل حول المجتمع إلى مجتمع اتكالي على الدولة, ومشارك سلبي في قضايا الإصلاح, وهذا يؤشر إلى غياب الدور الحقيقي والفعلي للمجتمع في مهمة الإصلاح، فمثلاً: من مظاهر الإصلاح تبنت الدولة مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي, لكن السؤال يقول: أين دور المجتمع في هذه الصيغة الإصلاحية؟
فالصيغة تقتضي ثلاثة أركان متفاعلة فيما بينها مع الحفاظ على حدود معينة من الاستقلالية بينها لضرورات التفاعل، وهي: الدولة – السوق – المجتمع، بحيث يكون للدولة دور قانوني لتنظيم علاقة المجتمع بالسوق, وتأمين دخول المجتمع إلى السوق كمنتج ومسوق ومستهلك بآن معاً، الأمر الذي يعيد إنتاج البنية الاجتماعية من جديد, ويطور الدور القانوني للدولة, وينقل مفهوم السوق التقليدي القديم إلى مفهوم معاصر يلبي شروط التنمية (سوق المعلومات– سوق الاتصالات– سوق الأوراق المالية– سوق الاستثمار– سوق العمالة– سوق البحوث والاستشارات .. الخ)، فإشكالية فهم العلاقة التشاركية بين الدولة والمجتمع تحتم توعية مناسبة للأطراف المشاركة في العملية الإصلاحية.
ويُعد ضعف الإدارة من أبرز نقاط ضعف الاقتصاد السوري, لأن الإدارة هي المسؤولة عن إدارة الموارد المادية والبشرية المتاحة واستخدامها بالشكل الأمثل, والمسؤولة عن النتائج.
سياسة الإصلاح الإداري والإجراءات المتخذة
لقد عد السيد الرئيس بشار الأسد ” أن قصور الإدارة من أهم العوائق التي تعترض مسيرة التنمية والبناء في سورية, وهذا يتطلب تطوير الأنظمة الإدارية وهيكليتها, ورفع كفاءة الكوادر الإدارية والمهنية ومحاسبة المقصرين والمهملين والمفسدين “.
أما المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي عُقد بتاريخ 17/6/2000، فقد أشار إلى ضرورة معالجة الظواهر السلبية كظاهرة الفساد وضعف الأداء الإداري وتدني احترام القانون.
وتضمن مشروع برنامج الإصلاح الاقتصادي إنشاء هيئة عامة مستقلة للتنمية الإدارية تُعنى بالإصلاح الإداري عن طريق:
- إشاعة ثقافة إدارية مناسبة للإصلاح.
- تأهيل وتدريب الكوادر الإدارية.
- توصيف الوظائف الإدارية.
- التحول إلى الحكومة الإلكترونية.
وعليه فقد قامت الحكومة بتوصيف الوظائف الإدارية في وزارات ومؤسسات وشركات الدولة من مرتبة معاون وزير إلى أدنى وظيفة إدارية, وعلى مستوى الإصلاح الإداري، فقد تم تطوير هيكلي في بنية مؤسسة الحكومة وتفعيل آليات تقويم الأداء واعتماد معايير موضوعية في التوظيف، وتطوير عملية التأهيل والتدريب عبر افتتاح عدد من المعاهد وفي مقدمتها المعهد العالي لإدارة الأعمال عام 2001 والمعهد الوطني للإدارة العامة عام 2002, وعلى صعيد آخر، فقد تم إعادة هيكلة المصارف العامة وتحسين الإدارة الضريبية”.
فالإصلاح الإداري عملية تراكمية مستمرة ومتصلة بالبيئة التعليمية وأساليب التعليم والتأهيل في مختلف مستويات العملية التعليمية, وتباطؤ الإصلاح الإداري يتعلق بجملة من العوامل الداخلية، منها ما يتعلق بالقوى الفاعلة داخل المجتمع التي تتضارب مصالحها الخاصة مع تطور العملية الإدارية ومكافحة الفساد, بالإضافة لعدم توافر رؤية شاملة للإصلاح الإداري تتفق عليها كل أجهزة الدولة، وهناك من يقترح مصطلح التنمية الإدارية بدلاً من مصطلح الإصلاح الإداري.
فالإصلاح الإداري يتطلب إصلاحات في التشريعات والقوانين النافذة، والتخفيف من الإجراءات الإدارية، وإلغاء هياكل إدارية لا تقدم قيمة مضافة، واستحداث هياكل إدارية جديدة تحتاجها المرحلة القادمة، ويجب إعادة النظر في هيكلة الأجور والرواتب بحيث تكون ذات طابع تحفيزي، وإعادة النظر في مفهوم الوظيفة العامة الذي يتبع النموذج التقليدي المغلق المعتمد لأسباب اجتماعية وليست أسباب فنية, ومكافحة الفساد يكون بأدوات غير مباشرة عن طريق هياكل إدارية بسيطة وتشريعات واضحة وعمال مدربين ومحفزين مادياً ومعنوياً, أما الأدوات المباشرة فهي على شكل إجراءات قانونية وقضائية وإدارية, كما تشمل أدوات تنفيذية مثل بيان الذمة المالية لكبار المسؤولين لتعزيز الشفافية ولتعزيز الثقة بالإدارة الحكومية.
معوقات الإصلاح الإداري
مع أن الطموحات كبيرة لإنجاز مهمة الإصلاح الإداري في سورية, غير أنها بحاجة إلى إزالة العقبات من أمامها من أجل خلق بيئة مناسبة للإصلاح الإداري, ومن هذه العقبات:
- عدم التلازم بين برنامج الإصلاح الإداري وبرنامج الإصلاح الاقتصادي.
- قصور الدراسات والبحوث بخصوص عملية الإصلاح الإداري.
- عدم الاعتماد على المعلومات والتقنيات الإدارية، وتفشي الأمية المعلوماتية في مفاصل العمل الإداري، فأجهزة الحاسوب الموجودة في مؤسسات الدولة ليست سوى آلة للطباعة لا غير.
- ضعف كفاية الاختصاص بسبب غياب معايير علمية في اختيار القادة الإداريين.
فالإصلاح الإداري يشمل إصلاحاً في البيئة المحيطة بدائرة القرار الإداري والفعل الإداري، وهي بيئة اجتماعية وثقافية وما تنطوي عليه من منظومات كابحة للنجاح والمهارات، وعدم الكفاية في مخرجات العملية التعليمية، ومعاناة العامل في الحقل الإداري والوظيفي من ضعف القدرات الذاتية ومهارات العمل الإداري, وغياب احترام الوقت والنظام وساعات العمل الفعلية, وغياب الفكر الديمقراطي والممارسة الديمقراطية في قيادة العمل الإداري، وبروز ظواهر الفساد والمحسوبية، وفقدان حس المسؤولية, ويشمل الإصلاح الإداري أيضاً البيئة القانونية والسياسية, فالعمل الإداري غالباً ما يكون محكوماً بثقافة المرجعية الأعلى, بل وبالتبعية لها، الأمر الذي يقلل من المبادرات الذاتية.
لقد اعتبر السيد الرئيس بشار الأسد أن الإصلاح الإداري سيكون مدخلاً أساسياً لأية إصلاحات أخرى, ومن دونه يستحيل وضع برنامج للإصلاح الاقتصادي، فإدارات الدولة بوضعها الراهن غير مؤهلة لتطبيق برنامج الإصلاح كما ينبغي، وبعضها يبدي مقاومة سلبية اتجاه التطوير، فالكثير منها قد اعتاد على نمط من العمل والأساليب الإدارية التي تحد من سرعة التجاوب مع التشريعات والقوانين الضرورية للسير على طريق الإصلاح، لذا بات من الضروري معالجة وضع الإدارة على المستويات كافة.
وتقتضي ضرورات الإصلاح الإداري معالجة أهم معوقاته المتمثلة في مشكلة تعدد وتشابك الجهات الوصائية، وتفشي الفساد وضعف التأهيل وعدم كفاية الاختصاص، وعدم اعتماد أساليب علمية حديثة في معالجة المشكلات التي تعترض سير العمل الإداري، وضعف أجور العاملين وغير ذلك.
السياسات والإجراءات الخاصة بتطوير الإدارة العامة
هناك مجموعة من السياسات والإجراءات التي تعنى بالتطوير الإداري، والتي نبينها فيما يلي:
- إصلاح وتحديث الهياكل التنظيمية للإدارة الحكومية: بهدف زيادة فعالية الإدارة الحكومية وتقليص حجمها، يتم التحول في دور الإدارة الحكومية إلى الدور الناظم، مع التوسع في منح التفويضات، وتحقيق التشاركية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني للقيام ببعض الأعمال.
- تحسين عملية رسم السياسات وآلية صنع القرار وتنفيذه: ترسيخ دور الإدارة الحكومية في وضع السياسات الفعالة، وضمان تنفيذها، وتقييم الأداء الحكومي، وذلك عن طريق تعزيز قدرات العاملين في رئاسة مجلس الوزراء والهيئات التنسيقية، مع تطوير الآليات التي تسمح بوضع الاستراتيجيات وتنفيذها بكفاءة.
- الحكومة الإلكترونية: رفع كفاءة الخدمات الحكومية، وفعالية تقديمها للمواطن بأيسر السبل، مع تعزيز مفاهيم الشفافية ومشاركة المواطنين في مناقشة السياسات الحكومية، وذلك من خلال تحفيز تبادل المعلومات إلكترونياً بين الجهات الحكومية، وتقديم الخدمات الحكومية إلكترونياً للمواطنين من خلال أقنية متعددة تتناسب مع ظروف المواطن، مع استخدام التقانات الحديثة للتواصل ما بين المواطن والحكومة، وبناء الثقة بين الطرفين.
- تحسين إدارة الإنفاق العام: التحول من مفهوم تبرير الإنفاق إدراياً، إلى ربطه بتحقيق الأهداف، وذلك من خلال تطوير آليات الشراء والتعاقد، وتركيز التدقيق على الإنجاز، وترشيد النفقات غير المبررة، وضبط تضخم كتلة الرواتب والأجور.
- تحسين إدارة الموارد البشرية: التركيز على استقطاب الكفاءات للعمل في الإدارات الحكومية، مع تعزيز دور الابتكار وتحمل المسؤولية، وتصحيح نظم الترقية الوظيفة من خلال ربطها بالخبرة المهنية، وتأطير ذلك من خلال وضع بنية إدارية قادرة على القيام بذلك.
- تعزيز النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد: وترسيخ مبادئ المرفق العام (الحيادية، المهنية، النزاهة، المساواة، المسؤولية،…)، مع تعزيز مبادئ دولة القانون، واحترام الإدارة الحكومية للقرارات القضائية، وتعزيز الآليات الرقابية وجعلها أكثر مهنية.
ختاماً
إن تغيير الثقافة السائدة عملية مضنية تتطلب تضافر جهود مختلف السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وكبداية يجب البدء بإصلاح الجهازين القضائي والتعليمي، وعندها نملك الأساس المتين لإصلاح القطاعات الأخرى، فعماد الدول الحديثة هما الجهاز القضائي والجهاز التعليمي بشكل أساسي، وصلاح هذه الأجهزة ينعكس بشكل مباشر على الأجهزة الأخرى كالاقتصاد والإعلام والدفاع والصحة، وهذا ما نراه جلياً في الفرق بين الدول المتقدمة والمتخلفة.
Discussion about this post