العالم الاقتصادي- رصد
نجح قانون الرأسمالية؛ القاسي على الفقراء والناعم على الأغنياء، بشكل كبير في فرض نموذجه الفردي في التصور وفي السلوك، مهمشاً المنطق الجماعي خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وتكمن الصعوبة الخاصة بالجيل الذي نما تحت وطأة هذه السيطرة في واجب إعادة فكرة التضامن، وعلى الوجه الآخر تكررت له الشروط الاجتماعية أن الفرد هو الكل، وأصبحت الرأسمالية تزدهر من الآن فصاعداً على الربح والنزعة الاستعراضية واحتقار القواعد الجماعية، وللخروج من الآلية المدمرة للرأسمالية ينبغي أولاً تفكيك أنماط ثقافية والتخلص من التحكم السيكولوجي.
ويصب كتاب” الخروج من الرأسمالية من أجل إنقاذ الكوكب” على خطر استمرار الرأسمالية على البشرية بأسرها من خلال ثلاثة أنواع من المخاطر:
مخاطر بيئية ناتجة عن الاستهلاك المُفرط للطاقة والموارد الطبيعية، كما أن التصاعد في التفاوت العالمي يشكل خللاً في التوازن البيئي، بمعنى أن عدم التوازن بين الأثرياء والفقراء سيظل مرتفعاً، ومخاطر اجتماعية ناتجة عن تحفيز الاستهلاك، ودخول منطق الربح، ومخاطر سياسية تهدد الديمقراطية بسبب رغبة كبار الرأسماليين في الكسب على حساب الجميع، لذلك طغى منطق المردودية الاقتصادية على مجمل العلاقات الإنسانية، فترى مواطنين يبيعون أعضاء من جسدهم وآخرين يبيعون أبناءهم في سبيل الحصول على مال، وتحول التلفزيون إلى أداة تتبنى سياسة مقصودة ومُمنهجة تهدف إلى دفع الناس لاستهلاك سلع، ليست فقط للترفيه، وقد تكون ضارة بصحتهم بهدف الربح.
أحد الملامح الجوهرية لتركيز الاقتصاد على المال هو الفساد
لقد غيرت الرأسمالية من نظامها منذ سنة 1980، وخلال هذه العقود الثلاثة نضج جيل يرى التفاوت يتفاقم والاقتصاد يقترن بالجريمة، والمال يستقل عن الإنتاج المادي والطابع السلعي ينتشر في الأرض بأسرها، ويوضح “كيرفي” أن أحد الملامح الجوهرية لتركيز الاقتصاد على المال هو الفساد، فالفساد ينشر فكرة تتمثل في أن من هو محل تقدير ليس الفاضل بل الماكر.
كما أن المبالغة في الأيديولوجية الفردية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، التي أعلت بشكل مفرط من قيمة الثراء والنجاح الفردي على حساب الخير العام، قدمت تبريراً نظرياً لتسوية الأمور مع الأخلاق، فالأخلاق هي فرامل الخاسرين، وحماية المهزومين، والتبرير الأخلاقي لمن يستطيعون أن يراهنوا على كل شيء ويربحوا كل شيء.
من جهة أخرى، أصبح اقتصاد الفساد والتهريبات غير الشرعية تشكل عاملًا دولياً هائلًا في الاقتصاد العالمي، فهي أموال أفلتت من يد الجماعات التي أنتجتها، وكان ذلك نتاجاً لانفتاح حدود البلاد على السلع ورؤوس الأموال لتنتقل بحرية، ما فرضه كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فخلال الفترة 1970- 2004 لكل دولار تم إقراضه لأفريقيا جنوب الصحراء، خرج 60 سنتاً في صورة هروب لرؤوس الأموال في الفترة ذاتها.
ويوضح الكاتب الفرق بين الليبرالية والرأسمالية، حيث تهدف الليبرالية إلى تحرير الأشخاص من التقييدات الفوقية وتحدد نمطاً لتنظيم السلطات في المدينة، نابعاً من مبدأ أن لكل مواطن الحق نفسه مثل الآخرين، وهذا الحق يتمثل في حرية التعبير وفي إجراء الديمقراطية التمثيلية، أما الرأسمالية فهي حالة اجتماعية من المفترض ألا يكون للأفراد فيها أي دافع سوى البحث عن الربح وفقاً لآليات السوق التي تقوم بتنظيم الأنشطة، وهناك تعريف آخر للرأسمالية وهو السطو الشرعي الذي تنظمه الطبقة السائدة.
وعلى الصعيد الآخر يميز الكاتب بين اقتصاد السوق والرأسمالية، ويتبع في ذلك التمييز الذي أجراه المؤرخ “فرنان بردويل”، وهو يرى أن الرأسمالية نشأت من اقتصاد السوق، لتخرج إلى نطاق الكوكب كله، ففي الرأسمالية، سيطرة السوق على النظام الاقتصادي لها آثار لا تقوم على مجمل تنظيم المجتمع، فهي تعني ببساطة أن المجتمع يدار بوصفه ملحقاً تابعاً للسوق، وبدلاً من أن يكون الاقتصاد مندمجاً في العلاقات الاجتماعية، تكون هذه العلاقات الاجتماعية هي المندمجة في النظام الاقتصادي.
إن الإنسان في المجتمعات غير الرأسمالية، لا يسعى لحماية مصلحته الفردية في امتلاك الأشياء المادية، ولكن يسعى إلى ضمان وضعه الاجتماعي وحقوقه الاجتماعية ولا يعطي قيمة للممتلكات الفردية، فالخروج من الرأسمالية؛ هو الاعتراف بأن للأشخاص دوافع أخرى للفعل غير المصلحة الخاصة، ويعني أن نسقط عن الاقتصاد مكانة المتفرد في المجتمع، هو أن يكون هناك تنظيم للعلاقات الإنسانية من أجل إحداث التناغم بين فئات المجتمع.
تسعى الرأسمالية إلى تحويل انتباه جمهور واعٍ أكثر فأكثر بالكارثة المتلاحقة ليعتقد أن التكنولوجيا يمكنها أن تتجاوز هذه العقبة، ولكنها جعلته سلعة يتحكم فيها، حيث تتم مراقبة المستهلك، ويستبق رغباته حتى تجعله يتفادى أن يصيغها بنفسه، فالرأسمالي يرغب في جعل التقنية حلاً للأزمة البيئية، فهو لا يعول في الأساس إلا على التقنية لحل مشكلات التطور الإنساني، حيث يحلم بالاستغناء عن البشر تاركاً الآلات تعمل على تسوية الأمور.
الطاقة النووية لا تعتبر حلًا باعتبارها الطاقة التي تتناولها الرأسمالية في مسألة التغيرات المناخية
ويتطرق الكاتب، إلى التنمية الخضراء، فهناك ظواهر لا تسمح الرأسمالية ولا نظامها في التقييم بمعالجتها وأبرزها زيادة سخونة المناخ، حيث يرى الكاتب أن الطاقة النووية لا تعتبر حلاً باعتبارها الطاقة التي تتناولها الرأسمالية في مسألة التغيرات المناخية، فهي تبث للناس على أن الطاقة النووية لا تبث غازاً للاحتباس الحراري، متحججين بأن العالم في حاجة إلى الطاقة، ويرى أيضاً أن المراوح العملاقة (الطاقة الهوائية) في النظام الحالي لا تغير الوضع، فوفقاً للدراسات فإن البلاد الأكثر تقدماً في التزود بالمراوح الهوائية وهي ألمانيا وإسبانيا، لم تشهد تناقصاً في بث غاز ثاني أكيد الكربون، بل على العكس شهدت ارتفاعاً.
ونجد الشركات الكبرى التي تنتج الكهرباء بواسطة الفحم أو النووي تستثمر رؤوس أموال في مجال المراوح في الوقت نفسه الذي تستثمر فيه في تقنيات أخرى، بالنسبة لهذه الشركات لا يوجد أي تغير في نموذج الطاقة الموجود ولكنها تمثل استثماراً للمنافسة بين المنتجين فحسب، لأن الرأسمال لا ينفذها لكي يستجيب للتغير المناخي ولكن لكي يحقق ربحاً، ويرى أيضاً أن الفحم الذي يبعث ثاني أكسيد الكربون سيظل الوقود الحفري للمفاعلات الكهربائية، وارتفاع أسعار البترول يجعل استغلال الموارد الحفرية يعد مربحاً ما سيؤدي إلى استمرار إنتاج البترول وبالتالي انبعاثات غاز الكربون بدرجة أكبر.
يرى الرأسماليون أن التكنولوجيا ستعوض الخسارة في المجال الحيوي، فالاعتقاد في أن التكنولوجيا قادرة على حل المشكلات البيئية، يعني الرغبة في إدامة نمط حياة يكون مبرره الرئيسي هو تراكم السلع الاستهلاكية، كما يعني ترحيل قرار إيقاف تزايد انبعاثات غاز الاحتباس الحراري إلى الأجيال المقبلة، فاعتبار التكنولوجيا هي الحل يتضمن الرغبة في تغيير المجتمع في أسسه وكذلك في أهدافه.
ويبين الكاتب، أننا بحاجة إلى الخروج من الرأسمالية وليس من اقتصاد السوق، حيث تظل الرأسمالية غير فاعلة في توظيف الموارد؛ فالتوافقات بين الشركات الكبرى تهدر المنافسة، والمضاربة المالية تبالغ في ميول العرض والطلب، والفساد يوجه جزءاً مهماً من الموارد نحو الاستهلاك، وللخروج من الرأسمالية، نحتاج إلى اقتصاد لا يعتمد على مبدأ تراكم للموارد.
نقطة ضعف اقتصاد السوق أنه لا يدخل في الأسعار التكاليف غير المباشرة لتقديم السلع والخدمات
أما اقتصاد السوق فسيكون قادراً على توظيف الموارد بفاعلية، وهو يوازن بين العرض والطلب ويحدد أسعاراً، ولكن هناك نقطة ضعف ألا وهي أنه لا يدخل في الأسعار التكاليف غير المباشرة لتقديم السلع والخدمات، وبهذا فهو يعطي الأولوية للمدى القصير على المدى الطويل، ويحتاج تطور نظام الأسعار إلى تعديل المؤشرات الاقتصادية، وتدعو الرأسمالية إلى فقر المؤشر الذي تستخدمه لتقود الاقتصاد المُتمثل في معدل نمو الناتج القومي، حيث لا يأخذ النمو في حسبانه اضطرابات العولمة، والظلم والإهدار والتغير المناخي واستنفاد الموارد الطبيعية.
ويوضح الكاتب، إذا كان التفكير في تنظيم الاقتصاد بحسب مؤشر آخر بخلاف الناتج القومي، فهذا سيؤدي منطقياً إلى مسؤولية جماعية عن مجالات الملكيات العامة، التي لا يمكن إدارتها بصورة مستديمة من خلال المبادرة الفردية وحدها التي تهدف إلى الربح فقط، أما ما يتعلق بالملكية الفكرية؛ فكل ما هو قابل للترجمة إلى لغة رقمية ويقبل إعادة الإنتاج وقابل للاتصال بلا تكلفة، يميل إلى أن يصير ملكية عامة، عندما تكون متاحة وقابلة للاستخدام من الجميع، فالرهان الأساسي هو خلق أسواق منضبطة لبعض الملكيات العامة.
وسيبقى القسم الأكبر من الملكيات والخدمات داخل اقتصاد السوق، كيفية تحديد سعرها، ويرى الكاتب أن سعر هذه الملكيات يمكن أن يتعدل بالاتفاق من أجل أن ندمج بين تكلفة التأثير البيئي للاستهلاك والاهتمام بالعدالة الاجتماعية ويتم تطوير التعريفة تدريجياً حسب الحجم وحسب الحاجة، ما يمكّن أن يتم تطبيقها على مستهلكات عديدة خاصة في مجال الطاقة، ومثال على ذلك أسعار السيارات يتم تحديد سعرها بحسب مستوى بثها من الغاز الكربوني.
تتأهب الرأسمالية إلى اختتام وجودها القصير، ويمكن لنا الخروج من الرأسمالية بالتحكم في الهزات المحتومة التي ستنتج أو الغرق في فوضى تحدثها بسبب عماها وأنانيتها.
إن ما يجعل الميزان يميل هو القوة والسرعة اللتان بهما نتمكن من العثور على فكرة التضامن وفرضه، ليختتم الكاتب بسؤال: هل من الممكن أن نصل إلى ذلك من دون أن نمر بصدمات عنيفة وأن تقوم الحكومات الرأسمالية برد يؤدي إلى خسائر من الناحية البيئية؟.
______
المصدر: هيرفي كيمف، الخروج من الرأسمالية من أجل إنقاذ الكوكب (القاهرة: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى-2013).



































