دراساتمقالات أساسية

هل تغيرت طبيعة العولمة الاقتصادية بعد اندلاع حرب أوكرانيا؟

الأزمة المالية والوباء والنزاع العسكري عوامل وضعت سلاسل التوريد والتبادل التجاري تحت الضغط

العالم الاقتصادي- رصد

عندما يعلن الرئيس التنفيذي لأكبر شركة لإدارة الأصول في العالم نهاية العولمة، فقد حان الوقت لتدوين ذلك. وكتب لاري فينك، مؤسس شركة “بلاك روك” أخيراً، في خطاب المساهم الخاص به، أن الحرب في أوكرانيا، التي جاءت على رأس تحولات سلسلة التوريد المتعلقة بالوباء، وضعت حداً للعقود الثلاثة الماضية من العولمة. وتوقع فينك أن “يتجه المزيد من الشركات والحكومات إلى التصنيع، وأن تكون مصادر مواردها محلية وإقليمية وليست عالمية”. وكتب “مؤسس بلاك روك” أن الحرب تمثل “نقطة تحول في النظام العالمي للجغرافيا السياسية واتجاهات الاقتصاد الكلي وأسواق رأس المال”.

وتقول “فايننشال تايمز”، إن “هذا التحول حدث في الواقع منذ عقد أو أكثر. وبدأ بالفصل بين أكبر اقتصادات العالم، الولايات المتحدة والصين، في اليوم التالي لسقوط بنك “ليمان براذرز” بفعل الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008، عندما أطلقت الصين برنامج التحفيز المالي الضخم وبدأت في إعادة التفكير في تحرير الأسواق المالية على النمط الأنجلو- أميركي. وتضيف الصحيفة أن بكين ليست وحدها في هذا، حيث قررت بلدان عدة أن رأس المال العالمي، على مدار الأربعين سنة الماضية أو نحو ذلك، قد طار بعيداً جداً عن الاقتصادات الوطنية، ما تسبب في ضغوط وعدم مساواة. وأدت هذه الضغوط في بعض الأحيان إلى ردود فعل شعبوية ضد العولمة، والتي تُعرف عموماً بأنها قدرة السلع والأشخاص ورأس المال على التحرك في أي مكان يكون فيه الأمر أكثر إنتاجية بالنسبة لهم.

لقد خلقت العقود العديدة الماضية من العولمة ازدهاراً غير مسبوق على المستوى العالمي. لكن في معظم البلدان، نما هذا الازدهار في ظل عدم المساواة. في حين يدور جزء من السخط حول ركود الأجور وفقدان الوظائف، خصوصاً بالنسبة إلى الأيدي العاملة والطبقات الوسطى الدنيا في البلدان الغنية. ويعود ذلك في معظمه إلى الاضطراب التكنولوجي لأسواق العمل، لكن بعضه يرجع إلى ما أطلق عليه أكاديميون مثل ديفيد أوتور تسمية “صدمة الصين”، إذ أدى ظهور الصين كقوة اقتصادية عظيمة إلى تحول تاريخي في أنماط التجارة العالمية، وما يعنيه انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.

من عام 2000 فصاعداً، أدى تدفق رأس المال الغربي إلى دول ذات سوق عمل رخيصة، بحجم غير مسبوق، إلى تراجع الأجور الصناعية والوظائف في الولايات المتحدة. وأسهم ذلك في تعزيز ديناميكيات “الفائز يأخذ كل شيء”، حيث تطالب أكبر الشركات متعددة الجنسيات، الصين ودولاً آسيوية أخرى عالية النمو، بمعظم نمو الدخل. وساعد على ذلك، الافتقار إلى سياسة مكافحة الاحتكار الأميركية المناسِبة والكثير من إلغاء القيود المالية والشركات عبر الغرب. في الواقع، لم تكن العولمة كاملة أبداً، حيث أغلقت بكين أيضاً أسواق رأس المال وحماية الصناعات الاستراتيجية بطرق لا تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية.

ولطالما اشتكت البلدان النامية الصغيرة من أن التجارة الحرة غير المقيدة ستضر بها. واليوم، تشكو دول غنية عدة من ذلك أيضاً. ولا يكمن الحل في الحروب التجارية بين الجيران، بل في حدوث تحولات في السياسة المحلية والمؤسسات الدولية للمساعدة في إنقاذ ما هو أفضل في العولمة، مع المساعدة أيضاً في إعادة ربط الاقتصاد العالمي بالازدهار المحلي بطرق تجعل الناخبين يشعرون أن قادتهم يبحثون عن مصالحهم.

لقد جعلت الأزمة المالية والوباء والحرب الروسية- الأوكرانية عقول الشركات تفكر بالكيفية التي يمكن أن تكون سلاسل التوريد العالمية ضعيفة في فترات التوتر. قد تجعل خطط الصين لـ”اقتصاد دائري” (نظام اقتصادي يهدف إلى القضاء على الهدر والاستخدام المستمر للموارد) من عالم ثنائي القطب أمراً واقعاً. وسيكون المستقبل هو الأقلَمة الأكبر. ونشهد ارتفاع الأجور في آسيا، وارتفاع أسعار الطاقة والمعايير البيئية والاجتماعية التي ستجعل سلاسل التوريد الطويلة أكثر كُلفة. في حين تختلف المناطق حول كيفية تنظيم البيانات والاقتصادات الرقمية. كما ستلعب السياسات الأكثر انقساماً دوراً أيضاً.

كل ما سبق يوحي بأن الأنظمة الاقتصادية تتأرجح. واستمرت هذه الدورة الخاصة من العولمة 40 عاماً. الأمل هو ألا تتأرجح الأشياء كثيراً في اتجاه سلبي بينما نتحرك نحو نظام عالمي جديد.

– إندبندنت عربية –

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى