تحقيقاتمقالات أساسية

“المافيا الصحية” في العالم العربي: هوس المال على حساب الأرواح

عصابات الإجرام استغلت أزمة كورونا وتسللت عبرها لتنشر المواد المقلدة والمغشوشة وتنشط في تهريب الدواء

العالم الاقتصادي- رصد

غيّر فيروس “كورونا” طبيعة وشكل الحياة على كوكب الأرض، فمنذ انتشاره أواخر العام الماضي 2019 مثل النار في الهشيم، وتسلله إلى قطاعات التعليم والعمل والتجارة والحياة الاجتماعية، وضع قوانينه الخاصة، وبدّل العادات وأنماط التعايش في المجتمع، بل تعدّى ذلك ليغيّر نشاط العصابات الإجرامية المنظمة، أو ما يعرف بـ”المافيا”، في العالم أجمع، التي وجدت في الجائحة فرصة ذهبية لتقوية نشاطها في المجال الطبي، بخاصة مع تزايد الطلب على الأدوية والمستلزمات الطبية والوقائية.

فيروس كورونا، الذي فرض على شعوب العالم الالتزام بارتداء الكمامات واتباع الإجراءات الاحترازية، وبشكل عام في متعلقات النظافة والتعقيم، أوجد لتلك العصابات نشاطاً جديداً لدخول الأسواق من خلال نشر المواد المقلدة والمغشوشة، إضافة إلى نشاط تهريب الأدوية وتوزيعها بطرق غير مشروعة لمضاعفة الأرباح.

هذا الغزو من عصابات الإجرام للقطاع الصحي، خصوصاً في العالم العربي، يدفعنا للتساؤل عن سيطرة تلك “المافيات” على سوق الأدوية ومستلزمات العناية الشخصية والوقائية، وهل استغلت دعم الحكومات المادي للدواء في نشاطها التهريبي، إذ تجاوزت حالات الإصابة بالفيروس أكثر من 42 مليون حالة حول العالم، منها مليون حالة وفاة، فيما سجلت السعودية 344 ألف إصابة منذ بداية الجائحة، ونحو 5 آلاف وفاة، مما دفع العصابات الإجرامية إلى انتهاز فرصة الإقبال الكبير على الأدوية والخدمات الطبية والمواد الوقائية ضد “كوفيد-19″، في محاولة لاختراق سوق الصحة العالمية والعربية.

“الإنتربول” يلاحق المهربين

نفذت الشرطة الدولية عملية ضد الجريمة الصيدلانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فبراير (شباط) الماضي، شاركت فيها كل من الأردن والعراق وقطر والكويت ولبنان وليبيا والمغرب والسعودية، عبر تنفيذ عدد من العمليات الضبطية على المنافذ البرية والبحرية والجوية. وأسفرت عن مصادرة عدد من الأدوية وعقاقير التخدير ومسكنات الألم ومضادات الملاريا والمهدئات عبر منافذ الدول المشاركة، كما شملت بعض الأدوات الطبية مثل المحاقن والأشرطة اللاصقة وخيوط الجراحة.

السعودية تحارب “تجار الأزمة”

تواصل وزارة التجارة السعودية إعلانات إطاحة المنشآت أو المصانع والأفراد المخالفين للأنظمة التجارية في البلاد، ولوحظت زيادة عدد هذه الإعلانات في القطاع الصحي منذ بدء جائحة كورونا، إذ بلغت الغرامات الفورية للمنشآت التي استغلت فيروس “كوفيد-19” ورفعت الأسعار، 825 غرامة حتى يونيو (تموز) الماضي، لتحتل العاصمة المركز الأول في المخالفات، تليها منطقة مكة ثم الشرقية.

وأعلنت الوزارة ضبط أكثر من 25 مليون كمامة مخزنة بطريقة عشوائية للبيع في السوق السوداء، كما أطاحت عدداً من مستغلي الجائحة في تصنيع أو تهريب المواد الصحية والدوائية المغشوشة أو المخالفة للمقاييس، وضبطت الفرق الرقابية في سبتمبر (أيلول) الماضي مصنعاً مخالفاً يغش سوائل التنظيف، وصادرت 1200 عبوة معدة للبيع.

في السياق ذاته، انضمت السعودية أخيراً إلى التحالف الدولي للجهات الرقابية على الأدوية بهدف تطوير الجانب الرقابي في البلاد، ولضمان سلامة وفعالية الأدوية والعقاقير واللقاحات، مما يعزز قدرة الجهات الرقابية على سد ثغرات الرقابة التنظيمية العالمية والمبادرات الرقابية. ويناقش التحالف موضوعات تصنيع وتوزيع سلاسل التوريد والتصدير للأدوية واللقاحات والعقاقير.

مافيا الدواء تستفيد من الدعم الرسمي في لبنان

ليست عمليات تهريب الأدوية مستجدة في لبنان، لكن عناصر عدة اجتمعت في الفترة الأخيرة حتى برزت بشكل واضح مع تعاظم حجمها. الهموم الملقاة على كاهل المواطن اللبناني كثيرة، أما الدواء فيشكل هماً أساسياً يطال صحته وحياته، ويجد نفسه اليوم عاجزاً عن تأمينه، وها هو حالياً في مواجهة مع مافيا تهريب الدواء خارج البلاد، ما يزيد من قلقه حول ما ستؤول إليه الأمور.

في غضون ذلك، تمكنت القوى الأمنية من إحباط تهريب أدوية مدعومة من الدولة عبر المطار إلى مصر والعراق، كما تقوم وزارة الصحة بالتنسيق مع النقابات المعنية بعمليات دهم لضبط الأمور، لما لذلك من انعكاسات على الاقتصاد اللبناني والمصلحة العامة. لكن هل يكفي هذا لتعود الأمور إلى نصابها في هذا القطاع الحيوي؟

بدا واضحاً خلال الأسابيع الأخيرة أن عمليات تهريب الأدوية تسهم بشكل أساس بالشح الحاصل في سوق الأدوية بالبلاد. وفيما يبحث المواطن اللبناني في عشرات الصيدليات عن دواء يحتاجه، ثمة جهات تحقق أرباحاً هائلة على حسابه. وأجرت وزارة الصحة مداهمات خلال الأسابيع الماضية لمستودعات للأدوية وصيدليات، واتخذت على إثرها قراراً بإقفال عدد كبير منها بالشمع الأحمر. وتوزعت أماكن المداهمة على منطقة زحلة البقاعية والحازمية في بيروت وغيرهما من المناطق، وتبين بعد التحقق من كميات الأدوية المخزنة في الشركات أو المستودعات أو الصيدليات أن هناك عمليات متاجرة واحتكاراً للأدوية بقصد تحقيق الأرباح عبر التهريب.

وأكد وزير الصحة اللبناني حامد حسن، أثناء المداهمة الأخيرة لأحد مستودعات الأدوية في منطقة المطيلب في المتن، وجود مخزون وافر من الدواء بما يسمح بتلبية حاجات السوق في حال تم البيع والتوزيع بطريقة عادلة. وقال حسن، إن “هذا ما حصل في المداهمات التي سبقت أيضاً وتلك التي ستلي، للتأكد من أسباب شح الأدوية في الأسواق والتحقق في شأن ما إذا كانت تباع بعدالة”. وبحسب ما اتضح حتى الآن، تعمل شركات ومستوردون على احتكار كميات كبيرة من الأدوية بقصد المتاجرة بها لاحقاً، ما يفسر النقص الهائل في الصيدليات. ويدعو ذلك إلى الاستمرار بعمليات الدهم بهدف ضبط الوضع، وفق حسن الذي أكد “عدم وجود اعتبارات شخصية ضد أي من الشركات والمستودعات والصيدليات التي تداهم، بل إن العبرة في مواجهة شبكات الإتجار غير المشروعة”. وأشار إلى زيارة تمت الأسبوع الماضي إلى مستودعات منطقة الكرنتينا التابعة لوزارة الصحة، بعدما ضبطت القوى الأمنية في المطار بالتعاون مع التفتيش الصيدلي المركزي أصنافاً من الأدوية كتبت عليها عبارة “وزارة الصحة اللبنانية”، إضافة إلى تلك المسحوبة بكميات تجارية من صيدليات ومستودعات.

فوجود دواء لدى الوكيل وفي صيدليات معينة بكميات تجارية، يطرح علامات استفهام في حال عدم توفره في الأسواق للمواطنين، ويؤكد ذلك ضرورة التدقيق واتخاذ الإجراءات الإدارية أو القضائية اللازمة بعد التحقق من الأدوية المخزنة بكميات كبيرة، إذا كان الهدف هو المتاجرة على حساب المواطن الذي يحرم من دوائه.

لماذا برز التهريب الآن؟

في سياق متصل، أرجع نقيب الصيادلة غسان الأمين في تصريح لـ”اندبندنت عربية”، “المتاجرة بالأدوية وتهريبها إلى خارج لبنان لعنصر أساس هو تسعيرة الدواء على سعر الصرف الرسمي للدولار، أي على الـ1515 ليرة لبنانية، أما الدولار في السوق السوداء فيقارب 9 آلاف ليرة.

هذا الفارق الكبير، إضافة إلى أن سعر الدواء في البلاد هو الأرخص بالمنطقة، شجع البعض على المتاجرة بهدف تحقيق الأرباح، فنجد دائماً أن ضعفاء النفوس يسيئون إلى المهنة عندما يضعفون أمام المغريات والمال. يضيف، “الجهود التي يقوم بها وزير الصحة بالتعاون مع نقابة الصيادلة ونقابة مستوردي الأدوية من شأنها أن تقف في وجه مافيا الدواء، لكن عوامل عدة اجتمعت وأسهمت في نقص الأدوية بالأسواق أيضاً”. كما أشار الأمين إلى حال من الهلع سادت بين المواطنين، وأدت إلى تخزين الأدوية في المنازل خوفاً من انقطاعها، مضيفاً أن “شراء الأدوية بكميات كبيرة من قبل من قدموا إلى لبنان خلال فصل الصيف لاعتبارها أرخص ثمناً، وعمليات تهريب الأدوية، أديا معاً إلى شح الأدوية”.

ويبدو أن الجهات الأساسية التي تهرب الأدوية إليها بقصد المتاجرة، هي العراق وليبيا ومصر. والسؤال المطروح الآن هو: ما الإجراء الذي سيلي هذه المداهمات لمحاسبة المخالفين؟ يقول نقيب الصيادلة في ردّه، إن “المسؤولية الكبرى تقع على أجهزة الجمارك والحدود التي تبدو الأكثر قدرة على ضبط عمليات التهريب من خلال زيادة الرقابة، أما المداهمات فتتبعها إحالة الملفات إلى التحقيق حتى تبت فيها النيابة العامة أياً كانت الجهة المعنية”.

عمليات التهريب الكبرى وتجارة الأفراد

وتبدو مافيا تهريب الدواء من المسببات الأساسية لأزمة الدواء في لبنان بحسب وزير الصحة ونقيب الصيادلة، إلا أن نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة يقلل من أهميتها أمام تخرين الأدوية في المنازل خوفاً من انقطاعها، وذلك بعد إعلان مصرف لبنان المركزي الشهر الماضي إمكان وقف دعم الدواء. وقال إن “الطلب الهائل على الأدوية، تحديداً تلك الخاصة بالأمراض المزمنة، عمّق الأزمة إلى جانب تراجع الاعتمادات المخصصة للدواء”.

أما عمليات التهريب، فيعتبر جبارة أنها “لطالما كانت موجودة، لكنها زادت في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي بشكل خاص في ظل شح الأدوية، فهي لم تتم يوماً بهذه الأعداد الكبيرة. لكن بالرغم من حجمها الذي يبدو كبيراً، فهي ناتجة عن عمليات يقوم بها أفراد يُعرفون بـ “تجار الشنطة”. ولم تصل إلى حد عمليات التهريب الكبرى. كما يستبعد أن تكون هناك شركات مسؤولة عن هذا النوع من العمليات، فهي لا تتعدى إطار الأفراد الذين يقومون بها طمعاً في الأرباح”.

من جهة أخرى، باءت بالفشل محاولات نقابة الصيادلة ونقابة مستوردي الأدوية ووزارة الصحة، لتحديد كمية الأدوية التي تسلم إلى الصيدليات ومن بعدها إلى المواطن بما يكفي لسد حاجة شهر واحد. ويبدو واضحاً بالنسبة إلى جبارة أن الحل ليس في المداهمات التي تقوم بها وزارة الصحة، إنما في “توصيات تصدرها وإجراءات تعمل على تنفيذها بحزم، منعاً لعمليات التهريب، فتلتزم بها الشركات والصيادلة، ويتم التحقق من وجهة الأدوية، علماً بأن معظم تلك التي تهرب هي الخاصة بالأمراض المزمنة، مثل أدوية الضغط والقلب والأعصاب”.

في العراق تهريب الدواء يتواصل والفاعل “مسنود”

وفي العراق، أوجز الوزير الأسبق للصحة والبيئة علاء الدين العلوان الوضع الصحي للبلاد في ما يقارب 60 صفحة، من خلال تقرير سلط الضوء فيه على أسباب تراجع القطاع الصحي، محدداً مواطن الضعف والخلل التي تعوق الإصلاح، وأبرز التحديات المتمثلة في الفساد وهدر المال العام، وغياب أكثر من 85 في المئة من الأدوية الأساسية.

وانتقد التقرير المعنون بـ “الوضع الصحي في العراق وأولويات العمل”، الحكومات المتعاقبة في ما بعد 2003، كونها لم تمنح قطاع الصحة والبيئة الأولوية في برامجها، فالإنفاق الصحي في العراق للشخص الواحد هو الأقل في المنطقة، ويقدر بـ154 دولاراً مقارنة بدول الجوار، فإيران على سبيل المثال تنفق 366 دولاراً، بينما الأردن 257 دولاراً للشخص الواحد.

إهمال الحكومات المتعاقبة وقلة تمويل القطاع الصحي أديا إلى خلق فجوات كبيرة في الخدمات الصحية والوقائية والعلاجية، وأصبحت الطبقة الفقيرة تنوء تحت وطأة الرسوم المفروضة، فالمريض العراقي يتحمل ما يقارب 70 في المئة من تكاليف الرعاية الصحية.

أما الوضع الدوائي فوصفة التقرير “بالخطير وغير المنضبط، ويبعث على القلق الشديد”، إذ لا تستوفي 60 إلى 70 في المئة من الأدوية المتداولة في الصيدليات الخاصة متطلبات التداول، من حيث عدم إقرارها أو تسجيلها أو إخضاعها لفحوص الرقابة الدوائية. التقرير الذي لخص الواقع الصحي كان آخر ما قدمه الوزير الأسبق، تاركاً استقالته من الوزارة، لتطرح تساؤلات حول صعوبة إصلاح الواقع الصحي مع وجود منظومة الفساد التي تقف خلفها أحزاب وجهات متنفذة.

العيادات غير المرخصة

تمثل العيادات غير المرخصة أحد أوجه المافيات الطبية في العراق، فغالباً ما يقوم المستثمر بتأجير إجازة الممارسة لأحد الأطباء بمبالغ طائلة، وتفتتح العيادات أو المراكز الصحية باسم الطبيب، لكن غالبية العاملين فيها ليسوا أطباء، أو يمارسون العمل الطبي من دون إشراف متخصص.

ويوضح نقيب الأطباء عبد الأمير الشمري، أن مهمة النقابة متابعة العاملين في المراكز الصحية، وتدقيق تراخيص العمل لممارسة المهنة في الحقل الطبي، وفي حال عدم وجود التراخيص يجري إعلام مديرية مكافحة الجرائم المنظمة لإغلاقها. يضيف، “النقابة تتفاجأ بإعادة افتتاح هذه المراكز بالرغم من عدم وجود تراخيص للعمل بها، وهذا يعني وقوف جهات متنفذة تساندها”. مشيراً إلى أن النقابة رفعت تقريراً لوزير الصحة بضرورة غلق 192 مركز تجميل وعيادة وهمية غير مرخصة، بعضها يمارس العمل الجراحي من دون موافقات رسمية. ويلفت الشمري إلى أنه لا يمكن إخضاع العاملين في هذه المراكز لقانون الانضباط الذي تعتمده النقابة، كونهم ليسوا مسجلين بالأساس فيها، وبالتالي لا يخضعون لضوابطها التي تتمثل على سبيل المثال في سحب إجازة ممارسة المهنة.

مراكز لطب وجراحة الأسنان من دون أطباء

لا تختلف مراكز طب وجراحة الأسنان عن المراكز الصحية الأخرى، إذ توجد جهات تستثمر في هذه القطاعات من دون وجود أطباء تخصص.

ويوضح نقيب أطباء الأسنان أبو بكر زياد الراوي، أن نقابة أطباء الأسنان في العراق رصدت 17 مركزاً متخصصاً للأسنان، تعمل بها جنسيات غير عراقية، وهم ليسوا أطباء أسنان، وغير مسجلين في النقابة ووزارة الصحة. وأوضح أن هذه المراكز تعمل بطريقة غير صحيحة، مما يؤدي إلى فشل أغلب الحالات التي تعالجها، فضلاً عن استخدامها مواد مسرطنة، فهي بعيدة عن الرقابة.

وخاطبت نقابة أطباء الأسنان منذ أربع سنوات الجهات التنفيذية، ومنها مجلس الوزراء والنواب ودائرة الإقامة ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية ودائرة التفتيش في وزارة جهاز المخابرات العراقي والأمن الوطني ودائرة الإقامة ووزارة المالية ومكاتب المحافظين في المحافظات، لغلق هذه المراكز، “لكنها ما زالت مستمرة في العمل”.

الأدوية المهربة وجه آخر للفساد

وتشكل الأدوية المهربة وجهاً آخر لمافيات القطاع الصحي العراقي، فتجارة العلاج تسيطر عليها جهات مدعومة تختص بإدخالها من المنافذ الحدودية، وكثيراً منه يدخل عن طريق التهريب، ولا يخضع للرقابة والفحوص الدوائية. وقال مصدر أمني مطلع، إن هيئة المنافذ الحدودية تمكنت خلال يومين فقط من ضبط عجلتين محملتين بأدوية منتهية الصلاحية، كما جرى ضبط عجلة محملة بالملابس، تحوي أدوية بشرية معدة للتهريب، وغالباً ما تكون هذه الأدوية غير صالحة للاستعمال.

ويوضح نقيب الأطباء الشمري، أن مافيات الأدوية ترتبط بشبكات مع الدول المصنعة للعلاج، غالباً ما تتلاعب في نسبة المادة الدوائية، أو تغير أغلفتها لتضع ماركات شركات عالمية، أو تغير صلاحيتها لتباع بأسعار تنافس التي تخضع للضوابط الرقابية.

السياحة العلاجية فخ جديد

وانتشرت في الآونة الأخيرة شركات السياحة العلاجية التي تنامت مع وجود مستشفيات استثمارية، همها الأول إرسال المريض من العراق للعلاج في إيران أو تركيا أو الهند، وغالباً ما يجري استغلال المريض من طريق وكلاء هذه الشركات، التي تكسب عمولة تقارب 3 آلاف دولار عن كل مريض.

ويوضح الشمري أن 80 في المئة من الحالات التي تذهب للسياحة العلاجية يمكن معالجتها داخل العراق، بل إن بعض من أرسلوا عن طريق وزارة الصحة أجريت لهم عمليات أخرى غير المقصودة، وهذا مؤشر إلى استغلال المريض في العراق. ويبدو من الصعب الإلمام بتفاصيل المافيات الطبية في العراق، فهي متعددة الأوجه، ويدفع ثمن هذا الفساد الطبيب والمريض على حد سواء، كما تغيب في البلاد الصناعة الدوائية، ولن تسمح المافيات بتنامي هذه الصناعة التي ستضر بأرباح الجهات المتنفذة من الأدوية المهربة.

القطاع الصحي التونسي يدخل “الإنعاش”

ظلت تونس لسنوات خلت تفاخر بمنظومتها الصحية التي كانت قبلة عدد كبير من طالبي العلاج من دول المغرب العربي والدول العربية والأفريقية. واليوم يعيش القطاع الصحي في تونس تدهوراً لافتاً أدى إلى تردي الخدمات الصحية، ولجوء التونسيين كرهاً إلى القطاع الخاص. فما أسباب تدهور قطاع الصحي في البلاد؟ وهل يتمتع التونسي بخدمات صحية تستجيب لتطلعاته؟

الصحة حق دستوري على الورق

عشش الفساد في مفاصل هذا القطاع لعقود متتالية، من تهريب الأدوية ومقايضة صحة التونسي بالمال، ما أدى إلى تغول المصحات الخاصة التي يبلغ عددها 109 مصحات تحوي 7 آلاف سرير. وبالرغم من نصّ الدستور التونسي الصادر عام 2014 في فصله الـ (38) على أن “الدولة تضمن الوقاية والرعاية الصحية لكل مواطن”، فإنه لم يغير واقع الحال في المنظومة الصحية العمومية بالبلاد. وتصنف تونس في المرتبة الـ49 عالمياً في مؤشر الصحة، وفق تقرير “دافوس” لعام 2020، إلا أنه ترقيم لا يعكس حقيقة الوضع في المستشفيات العامة التونسية.

خريطة صحية غير متوازنة

وتؤكد بيانات إحصائية للمعهد الوطني للإحصاء أن عدد مراكز الصحة الأساسية المستغلة يبلغ 2200 مركز صحي، نصف هذه المراكز يزورها طبيب مرة واحدة في الأسبوع، كما لا يتوافر في تونس إلا 21 ألف سرير في مختلف المؤسسات الصحية العامة، أي ما يمثل 1.8 سرير لكل ألف ساكن، في مقابل معدل عالمي في حدود 2.7 سرير لكل ألف ساكن.

 وتستحوذ تونس الكبرى التي تضم أربع محافظات هي تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة والمدن الساحلية وصفاقس على أكثر من نصف عدد هذه الأسرّة، ما يعكس هوة واضحة في الخريطة الصحية للبلاد، ويجعل آلاف التونسيين يتحملون أعباء إضافية للتنقل خارج مناطقهم باتجاه العاصمة أو المدن الساحلية من أجل العلاج.

فضيحة وفاة 11 رضيعاً

ومن مظاهر الإهمال التي شهدها القطاع الصحي العام تلك الفاجعة، التي هزت الرأي العام التونسي بوفاة 11 رضيعاً دفعة واحدة في مارس (آذار) عام 2019 بأحد مستشفيات العاصمة جراء تسمم الدم، ودفعت وزير الصحة وقتها عبدالرؤوف الشريف إلى الاستقالة.

 800 سرير إنعاش لمواجهة كورونا

وأفاد ممثل منظمة الصحة العالمية في تونس إيف سوتيراند، أن نحو مليون شخص في تونس لا يتمتعون بالتأمين الصحي المجاني.

وبينما نفى المدير العام للهياكل الصحية بوزارة الصحة محمد مقداد في ندوة صحافية أن تكون تونس استنفدت طاقة الاستيعاب في عدد أسرّة الإنعاش المخصصة لمصابي كورونا، إلا أن مواقع التواصل الاجتماعي تداولت صوراً لعدد من مصابي “كوفيد-19” يفترشون الأرض ويتكدسون في بهو أحد مستشفيات العاصمة. يشار إلى أن عدد أسرّة الإنعاش في القطاعين العام والخاص في البلاد لا تتجاوز 800 سرير، أي بمعدل سرير واحد لكل 15 ألف ساكن.

الفقراء وحدهم يموتون بلا علاج

يقول رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة منصف بالحاج يحيي لـ”اندبندنت عربية”، إن أكثر الناس عرضة للتدهور الصحي هم أولئك الذين يعانون الفقر والبطالة، مشدداً على أن الموازنة المخصصة للصحة في تونس ضعيفة، ولا تتجاوز اليوم خمسة في المئة من الموازنة العامة للدولة، بينما كانت في الستينيات والسبعينيات في حدود 10 في المئة.

أدوية مفقودة وأخرى مهربة

وفي شأن تهريب الأدوية، أكد بالحاج أن عدداً من الأدوية المدعومة من الدولة مثل “الأنسولين” المستخدم في علاج السكري، التي تباع في الصيدليات بأقل من سعر الكلفة، أصبحت مغرية للمهربين الذين يعمدون إلى اقتنائها بكميات كبيرة وتهريبها إلى الدول المجاورة، مشيراً إلى فقدان عدد من الأدوية بالأسواق.

وأطلق المجلس الوطني لعمادة الأطباء صيحة فزع بسبب استمرار نقص الأدوية في تونس، داعياً الحكومة إلى تسريع اقتناء حاجات السوق من الأدوية. وأكد المتحدث باسم الديوانة التونسية هيثم زناد، أنه تم خلال عام 2019 حجز 58 ألف علبة دواء بقيمة 531 ألف دينار (177 ألف دولار)، بينما تم في عام 2020 حجز 69 ألف علبة بقيمة 765 ألف دينار (255 ألف دولار).

الفساد أقوى من وزارة الصحة

ويعاني قطاع الصحة العمومية في تونس ضعف هياكل الرقابة، والإفلات من المحاسبة وغياب الحوكمة الرشيدة والشفافية.

ويقول أستاذ القانون ورئيس الجمعية التونسية لمساعدة ضحايا الأخطاء الطبية صابر بن عمار، إن فساد وزارة الصحة أقوى من الوزارة نفسها، بالرغم من وجود ترسانة قوية من القوانين والتشريعات التي لا تطبق بالطريقة المثلى، مما يسهل عمليات الإفلات من العقاب.

وتكريساً للشفافية، شدد بن عمار على ضرورة ضبط معالم التدخلات الطبية بمختلف أنواعها وسحبها على كل المصحات، داعياً المواطن التونسي إلى الإبلاغ عن كل التجاوزات، والتظلم لدى الأجهزة القضائية أو لدى وزارة الصحة، في حال تعرضه إلى الاستغلال من قبل المصحات الخاصة.

كما دعا وزارة الصحة إلى تكثيف الرقابة على هذه المصحات التي تمتص دماء التونسيين وتتلاعب بصحتهم من خلال استعمال أدوية مستوردة وغير مرخصة من الجهات الرسمية، ومشاركة المجتمع المدني في عمليات الرقابة على المصحات والصيدليات، محملاً المسؤولية بشكل مباشر إلى الديوانة التونسية، التي اعتبرها متورطة في “توريد هذه السموم للتونسيين”، على حد قوله.

وأشار إلى وجود جهات لا علاقة لها بقطاع الصحة أصبحت تتحكم في القطاع، وتستفيد منه. قائلاً، “لقد انتقلنا من مرحلة الأخطاء الطبية العابرة، إلى مرحلة الجرائم الصحية المنظمة، والخاضعة لمافيات وعصابات تعتاش على المرضى.

لوبيات نافذة في المغرب

ويعاني المغاربة من تردي النظام الصحي الذي يعرف باختلالات كبيرة، يتسبب في جانب منها بعض اللوبيات المتحكمة بشكل مباشر في عدد من القطاعات على رأسها مجال الأدوية والأجهزة الطبية.ويعتبر مراقبون أن الفساد الذي يعرفه القطاع الصحي في المغرب نتيجة تداخل جهات عدة لها مصالح مشتركة، إذ يشدد علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل على تعدد جوانب هذه الآفة في القطاع الصحي، في ظل وجود

فساد أولياء أمور المستشفيات والمديريات الجهوية والمندوبيات التابعة لوزارة الصحة، إضافة إلى اللوبي المتحكم في قطاع الصحة والمتكوّن من لوبي الأدوية والتجهيزات الطبية، اللذين يحكمان قبضتهما على توجّه هذا القطاع وأسعاره. ويشير إلى غياب مبدأ الشفافية في مجال الصفقات العمومية على الصعيد المحلي والجهوي والوطني، في الوقت الذي يتم تغييب قانون الصفقات العمومية، بحيث توجد حالات وفضائح كثيراً ما ترِد في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، كما أن القضاء اليوم بصدد معالجة الكثير من القضايا من هذا القبيل، وعلى سبيل المثال الفضيحة التي عرفتها أخيراً مدينة طنجة، حيث تم في أحد مستشفياتها شراء معدات قديمة وطرحها على أساس أنها جديدة.

التهريب  الأسود

ويعاني المغرب منذ عقود ظاهرة تهريب الأدوية إلى أراضيه، منها ما هو فاسد أو منتهي الصلاحية، ومنها ما يعبر الحدود بشكل قانوني لكنه يعتمد الاحتيال. ويؤكد أبو عزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، وجود نوعين من التهريب، الأول يعرف بالتهريب الأسود، يتم عبر إدخال الأدوية إلى المغرب بشكل غير قانوني عبر الحدود، بالتالي لا تخضع تلك الشحنات لأي نوع من المراقبة، وتشكّل تهديداً كبيراً على صحة المواطن باعتبارها قد تحتوي على مواد خطيرة، بخاصة تلك الآتية من الهند والصين، التي يتوجّه إليها المواطن الفقير هرباً من غلاء الأدوية في الصيدليات. ويوضح، أن النوع الثاني المعروف بالتهريب الأبيض يتم من خلاله تصدير الأدوية الى البلاد بشكل قانوني، لكنه يعتمد التحايل على القانون بخصوص الوثائق المصاحبة للحمولة بما فيها الثمن الحقيقي للدواء، ما يضمن للمصدرين والموردين نسبة ضخمة من الأرباح عبر الزيادة في ثمن الأدوية، التي تفوق أضعاف سعرها الحقيقي.

سطو الشركات العملاقة

يرجع مراقبون جانباً من الاختلالات التي يعرفها قطاع الأدوية في المغرب إلى جشع الشركات العالمية لتصنيع الأدوية وتوزيعها، وتواطؤ بعض الجهات المحلية.

ويشير الخراطي إلى أن الوضعية تتزامن مع مرحلة أصبحت فيها سلطة شركات الأدوية العملاقة أكبر من سلطة الحكومات، ففي الوقت الذي يشكو المواطن من قدرة شرائية ضعيفة، تعرف أسعار الأدوية ارتفاعاً هائلاً، وذلك نتيجة جشع شركات الأدوية التي تعمل جاهدة على ضمان أكبر هامش ممكن من الربح، في حين أكدت وزارة الصحة، في وقت سابق، على وجود أدوية تباع في المغرب بثمن مضاعف بنسبة 4000 في المئة عن سعرها الأصلي.

كما يرى رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك أن تواطؤ جهات “قوية” عدة ضد المواطن “الضعيف” يسهم في استمرار هذه الاختلالات وتفشيها بشكل كبير، بالتالي تستمر معاناة المواطن في مجال الصحة، الذي يعرف أصلاً مشكلات بالجملة.

مافيا الأدوية

ويعتبر الناشط في مجال التواصل الاجتماعي ابراهيم صريح أن قطاع الصحة تديره مافيات عالمية تتمثل في شركات عملاقة تحتكر السوق، وأن لوبيات الفساد تنهك جيوب المواطنين عبر رفع ثمن الأدوية بشكل هائل، لأنها لا تكترث لحالهم، في الوقت الذي تحصل تلك التجاوزات من دون أدنى مراقبة.

ويضيف أن لوبيات الأدوية تلك تحكم قبضتها على المجال عبر منع وصول بعض المستلزمات الطبية إلى المستشفيات العمومية، لكي تجبر المواطن على شرائه من الصيدليات بالثمن الذي تحدده، وذلك من أجل ضمان أكبر نسبة من الأرباح التي تقدّر بملايين الدولارات.

كشف المستور

وكان تقرير للقناة الإسبانية السادسة، كشف العام الماضي خبايا تهريب الأدوية إلى المغرب من الجارة الأيبيرية، الذي يستفيد العاملون به، وهم أطباء وصيادلة، من الزيادة في ثمن الأدوية المصدّرة، إذ تحدث التقرير عن دواء يبلغ ثمنه في إسبانيا نصف يورو، يباع في المغرب بـ 60 يورو.

كما أفادت تقارير صحافية بأن مشاركة أطباء وصيادلة إسبان في عمليات التهريب عبر وصفات مزوّرة، تؤدي إلى إلحاق ضرر اقتصادي بالمواطنين المغاربة، كما ينتج منها نقص الأدوية في الصيدليات الإسبانية بفعل استنزافها من السوق المحلية.

اختلالات بالجملة

إن التجاوزات التي يعرفها القطاع الصحي في المغرب لا تقتصر على تهريب الأدوية أو التلاعب بصفقات المعدّات الطبية، إذ يشير علي لطفي إلى أن التقارير الوطنية وتقرير البنك الدولي، إضافة إلى تقرير منظمة الصحة العالمية، كلها تؤكد بشدة وجود اختلالات كثيرة في النظام الصحي المغربي.

ويوضح أن المشكلة الأبرز تتمثل في ضعف الموازنة المخصصة للقطاع التي لا تتجاوز خمسة في المئة، وضعف الموارد البشرية خصوصاً الأطباء والممرضين، الأمر الذي أكدته منظمة الصحة العالمية في تقريرها الذي أشار إلى أن المغرب يعدّ من بين الدول الـ57 التي تعاني من ضعف أو قلة الموارد البشرية الطبية.

ويشدد على أن التدهور مستمر في جودة الخدمات وقلة التجهيزات والأدوية في المستشفيات العمومية، إلى درجة أنه حتى الفقراء من حاملي بطاقة الرميد (نظام المساعدة الطبية) أصبحوا يفضّلون الذهاب إلى القطاع الخاص، لأن المستشفيات العمومية لم تعد تقدم لهم خدمات مجانية، على الرغم من حملهم تلك البطاقة.

يذكر أن الحكومة المغربية قامت خلال عام 2014 بتطبيق قرار يقضي بتخفيض ثمن عدد من الأدوية تراوحت نسبته بن 20 و80 في المئة.

قلة الاهتمام بـ “الوباء” تهزم عصابات التهريب في مصر

في إطار هيمنة جائحة كورونا وعجرفتها التي ألقت بظلالها الوبائية المتفردة على عالم النصب والاحتيال والمافيا والتهريب في مصر، لتتمثل في استغلال حاجة المواطنين، وتحفر لنفسها اسماً كبيراً في عالم الجريمة قبل أن تتم عامها الأول، تتصدر عناوين مثل “سقوط مافيا الكمامات”، “إلقاء القبض على عصابة تدوير النفايات”، “تجار الآلام صنعوا الملايين من احتكار أدوات التعقيم”، “مصانع تحت بئر السلم لصناعة الكمامات المميتة”، “بلطجية الدواء يتاجرون بآمال المصابين بكورونا”، “أطباء يبيعون الوهم في روشتة علاج كورونا”، مع قائمة كثيرة ومتنوعة تطول، من المستجدات الطبية والوقائية والصحية في عوالم الجريمة والنصب والاحتيال.

ابتكار واحتيال

تنوع الأفكار وتعدد مصادر النصب والاحتيال تنضحان بها ملفات جهاز حماية المستهلك، وكذلك حكايات الناس وتجاربهم اليومية. القائم بأعمال رئيس جهاز حماية المستهلك ومديره التنفيذي أحمد سمير فرج قال في بيان، “إن بعض ضعاف النفوس يحاولون استغلال ظروف جائحة كورونا لترويج منتجات مغشوشة وغير مطابقة للمواصفات، مستغلين حركة الطلب الزائدة من المواطنين على مستلزمات الوقاية والمطهرات”، مؤكداً أن “الجهاز يتصدى لتلك المحاولات لصون وحماية حقوق المستهلكين وصحتهم وسلامتهم”.

في الوقت نفسه، ناشد فرج جموع المستهلكين “بضرورة التأني والتروي في شراء السلع والمنتجات، لا سيما الطبية، والتأكد من شرائها من مصادر موثوقة تتم مراقبتها ومتابعتها دورياً من الجهات الرقابية لضمان تحقيق الغرض الذي تم الشراء من أجله، وهو الحماية والوقاية، والابتعاد عن المنتجات مجهولة المصدر وغير المطابقة للمواصفات، لأنها قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، وتعرض صحتهم للخطر”.

حكايات الناس

حكايات الناس وتجاربهم اليومية أيضاً كثيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر سماح، 39 عاماً، وشقيقتها سلوى، 34 عاماً، وبنات الخالة والخال، كن يعملن في مصنع كبير للأدوات الطبية، على حد قول سماح.

المصنع أغلق أبوابه، أو بالأحرى تهشم بابه الخشبي على رؤوس مالكيه “الحاج أحمد” و”عم صلاح” وابن الأخير “الأسطى حازم”، فقد دهمت الشرطة المكان وصادرت ما فيه من كمامات كانت سماح وقريباتها يصنعنها بأيديهن بعد غسلها بالماء! الصابون المفتقد على باب المصنع كان يرقد في مكان آخر، وتحديداً في سوبر ماركت كان يتم بيعه باعتباره “يقضي على الفيروس في خمس دقائق”.

مصنع وهمي وصابون مختلق

المصنع الوهمي والصابون المختلق نصب واحتيال على مستوى محدود، لكن التقرير الأممي الذي صدر عن مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة في يوليو (تموز) الماضي، ووقت الذروة الأولى لوباء “كوفيد-19” في العالم، يشير إلى أن تهافت الدول على شراء أدوات الوقاية الشخصية أثناء تفشي الوباء أتاح الفرصة لجماعات إجرامية لبيع أدوات حماية طبية مخالفة للمواصفات. التقرير أشار كذلك إلى أن مجرمين تحركوا بسرعة للاستفادة من فرصة الوباء، “لدرجة أن عمليات الاحتيال لا تنطوي على توريد أية أدوات بالأساس”.

الأصل في تفكير بعض التجار وأصحاب المحال والصيدليات في أوقات الأزمات، هو إخفاء بضائع حيوية بعينها لإعادة طرحها بعد الإيحاء بأن هناك نقصاً حاداً فيها، أو لاقتصار بيعها على “زبائن” بأعينهم مستعدين لدفع أضعاف السعر الأصلي في مقابل الحصول عليها.

وبالرغم من أن المادة رقم (8) من قانون حماية المستهلك في مصر تنص على “تجريم احتكار السلع وتحظر منع المنتجات الاستراتيجية المعدة للبيع من التداول بإخفائها أو عدم طرحها للبيع أو الامتناع عن بيعها أو بأي صورة أخرى”، وبالرغم من جهود عدة يبذلها جهاز حماية المستهلك، لا سيما منذ بداية الوباء في مصر لتتبع عمليات إخفاء السلع أو التلاعب في أسعارها، أو طرح بدائل غير مطابقة للمواصفات لها، فإن عمليات الكر والفر لا تتوقف.

السوق السوداء واقع

توقف السوق السوداء تماماً أمر شبه مستحيل، لكن تقليصها وتكبيلها وتعقب القائمين عليها أمور بالغة الأهمية، لا سيما في ظل انتشار وباء يهدد حياة الملايين. يقول شاب طلب عدم ذكر اسمه، يعمل في صيدلية بوسط القاهرة، إنه في بداية الموجة الأولى من “كوفيد-19” قررت إدارة الصيدلية تقليل عدد العبوات المعروضة من قوائم أدوية أعلنتها وزارة الصحة تحت مسمى “بروتوكول علاج فيروس كورونا”، وتحوي مجموعة أدوية تستخدم في علاج أمراض أخرى، لكن “ثبتت فعاليتها في علاج الإصابة بفيروس كورونا”، بحسب بيان الوزارة. ويضيف الشاب أنه حين سئل عن سبب خفض أعداد هذه الأدوية، قيل له لأن الناس ستقبل بغزارة على شراء الأدوية، سواء كانوا مصابين أم غير مصابين.

يشار إلى أن عصابات تتخصص كذلك في شراء السلع والبضائع بكميات كبيرة من الأسواق والمحال في أوقات الأزمات، لتطرحها في السوق السوداء بأضعاف أسعارها بهدف الربح السريع. ويضاف إلى ذلك أن أغلب الأدوية في مصر متاحة للبيع من دون إذن طبيب معالج، مما يسهّل الحصول عليها.

حق أريد به باطل

لكن الحق الذي أريد به باطل اتضح بعد ذلك، إذ علم الصيدلي الشاب أنه يجري بيع الأدوية لعملاء الصيدلية “الأوفياء”، بأسعار مختلفة عن تلك المدونة على علب الدواء.

وبالرغم من ذلك، يظل هناك ما يعرف بـ “النقص الكاذب للدواء”، الذي أشار إليه قبل أسابيع رئيس لجنة تصنيع الدواء في الغرفة التجارية محفوظ رمزي. ويقصد به إقبال المواطنين على شراء الأدوية بشكل مبالغ فيه، ومن دون داعٍ طبي، لتأمين أنفسهم حال إصابتهم أو أفراد أسرهم بمرض ما، وهو ما يؤدي إلى نقص الأدوية في الصيدليات، ولكنه نقص ناجم عن سحب الكميات المطروحة وليس بسبب قلة المنتج. ووجه رمزي لوماً شديداً إلى كل من يعلن عن أسماء أدوية، ودعا إلى رفع وعي المواطن في ما يختص بتخزين الدواء.

بروتوكولات وهمية

شكل آخر مبتكر من أشكال النصب والاحتيال، انتشر في مصر خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ يتم الترويج لبعض بروتوكولات علاج كورونا، بلا مرجعية أو أصل طبي لها. وتحفل مواقع التواصل الاجتماعي بإعلانات مموهة تعرض “توصيل البروتوكول العلاجي للمنازل”، من دون الإفصاح عن أصله، مما دعا وزارة الصحة والسكان المصرية إلى التحذير من أن ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من بروتوكولات علاج لفيروس كورونا أو بروتوكولات العزل المنزلي ليست تابعة للوزارة وغير دقيقة، مشيرة إلى أنها تختلف تماماً عن تلك المطبقة داخل المستشفيات وخارجها، محذرة من خطورة تطبيقها على حياة المرضى، وإرباك الفرق الطبية العاملة في مجال “كوفيد-19”.

ويقول مستشار وزيرة الصحة والسكان لشؤون الإعلام والمتحدث الرسمي للوزارة خالد مجاهد، إن البروتوكولات العلاجية المتبعة لعلاج مرضى فيروس كورونا تم وضعها من قبل اللجنة العلمية المشكّلة بقرار وزيرة الصحة والسكان، ويجري تحديث البروتوكول بحسب ما يستجد من معلومات طبية وصحية موثقة. وعاود التحذير مما يرد على مواقع التواصل الاجتماعي من بروتوكولات وهمية.

وبين ادعاء البروتوكولات الوهمية وتخزين الدواء وتهريبه وغش الكمامات، يبزغ واقع يضحك ويبكي في آن، ألا وهو تقلص اهتمام جموع المصابين بالوباء وأخباره وتطوراته وعلاجاته وكماماته بشكل واضح، ما أسفر عن توفر الأدوات الطبية والأدوية والكمامات المطابقة للمواصفات، مع انكماش واضح في عمليات التهريب والغش لانتفاء الحاجة إليهما، ووصل الأمر لدرجة أن وزارة الصحة والسكان باتت تستجدي المواطنين العودة إلى الاهتمام واتباع سبل الوقاية والاحتراز عبر إعلانات توعوية في وسائل المواصلات العامة وشاشات التلفزيون.

إندبندنت عربية-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق