تحقيقاتمقالات أساسية

الجامعات العربية ورحلة البحث عن المعايير الأكاديمية

أسباب كثيرة وراء غياب البحوث العلمية منها غياب الميزانيات والترهل الإداري والاكتفاء بالنقل عن البحوث الغرب

 العالم الاقتصادي- رصد

ليس خبراً عادياً أن تلجأ جامعة عربية إلى فصل عدد كبير من اعضاء هيئتها التدريسية لسبب علمي فهؤلاء وبحسب بيان الجامعة الأردنية، لم يقدموا طيلة خمس سنوات أي بحث أكاديمي، تشترطه الجامعات على مدرسيها كمعيار للتدرج الوظيفي، ولتأكيد الكفاءة المهنية.

البحث العلمي في الجامعات العربية عموما، أغنية ومعضلة في آن. فلطالما تغنى مدونو التاريخ ودراسوه وقارئوه، بأن الأسلاف كان لهم باع طويل في البحوث العلمية المشهودة والتي أسست عليها أوروبا فتوحاتها الحديثة. لكن بعد هذه الأغنية تدخل الأبحاث الأكاديمية العربية الدائرة الصفرية أو تكاد. يتبرع المبررون في سرد الأسباب: ضعف الإمكانيات وغياب الميزانيات، الترهل الإداري والتسيّب، المحاباة والمحسوبية في تعيين المدرسين، النقل والتلقي من الغرب ما يعفي من عناء البحث، الخ…

كل ذلك صحيح كأسباب، لكن ما قبل السبب تكمن الذهنية التي تقدم التربة الخصبة لتجميع كل تلك الأسباب الخاطئة في بيئة جامعية عربية معتلة… فماذا يقول المعنيون بهذه العلة:

الأردن: مدرسون على محك الكفاءة

باتت عضوية الأساتذة الجامعيين في الأردن وخبراتهم على المحك، فقبل أسابيع فصلت الجامعة الأردنية أكبر الجامعات وأقدمها في المملكة، 21 عضواً من هيئة التدريس لديها، لعدم نشرهم أبحاثاً خلال السنوات الخمس الفائتة، ما أثار الجدل حول شروط تعيين الأساتذة الجامعيين ومدى إسهامهم بتعزيز البحث العلمي في الجامعات، وتنص تعليمات الجامعة على فصل عضو هيئة التدريس الذي لا يقدم أي بحث لمدة خمس سنوات، ويشمل هذا القرار الأساتذة من رتب أكاديمية “أستاذ دكتور، وأستاذ مشارك، ومساعد” ومن كليات متعددة.

يأتي ذلك وسط جدل حول ملف التعيينات في الجامعات، والشروط الأكاديمية لقبول الأساتذة الجامعيين، مع الحديث عن وجود عجز في أعدادهم في مقابل طفرة ملحوظة وحمى للشهادات العليا لدى الأردنيين.

10 آلاف مدرس جامعي

يؤكد مساعد رئيس هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي زيد العنبر، أن عدد أعضاء هيئة التدريس العاملين في الجامعات الأردنية يقدر بـ10785 عضو هيئة تدريس، موضحاً أن عدد الأكاديميين الأجانب في الجامعات الحكومية يقدر بــ171، من أصل 6061 عضو هيئة تدريس، أي ما نسبته 2.8 في المئة، وأن نسبة الأكاديميين الأجانب الذي يدرسون الماجستير والدكتوراه في الجامعات الحكومية تبلغ ثلاثة في المئة، بينما يوجد حوالى 327 عضو هيئة تدريس أجنبياً من أصل 2380 عضو هيئة يعملون في الجامعات الخاصة بنسبة 13.2 في المئة، معظمهم يعملون في التخصصات العلمية واللغات، ويبلغ عدد طلبة الماجستير المنتظمين في الجامعات الأردنية 22 ألف طالب، وعدد طلبة الدكتوراه الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة 4286 طالباً وطالبة.

وفي مقابل وجود مئات من الأساتذة الجامعيين الأردنيين العاطلين من العمل، يرى وزير التربية والتعليم الأسبق إبراهيم بدران أن وجود الأكاديميين الأجانب في الجامعات الأردنية شكل إضافة نوعية للبيئة التعليمية.

مهمة البحث العلمي والنشر

ويعتبر الدكتور مهند مبيضين أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية أن عملية تحفيز الأستاذة الجامعيين على البحث ومراقبة إنتاجهم في غاية الأهمية، ومن المهام الأساسية للأستاذ هي البحث العلمي والنشر، ويبدي تأييده لقرار فصل بعض الأساتذة الجامعيين، على اعتبار أن هؤلاء يعيشون خارج الزمن المعرفي ولا يطورون معارفهم.، ويضيف لـ “اندبندنت عربية”، “اليوم في ظل الحرص على التصنيفات العالمية من قبل الجامعات، فإنها معنية بشحذ همم الأساتذة باتجاه البحث العلمي، ووفقاً للقانون والتعليمات الجامعية، فإن ما ذهبت إليه بعض الجامعات من محاسبة أعضاء الهيئة التدريسية على  النشر، وتحفيزهم باتجاهها كانت واجبة، كون بعضهم قضى سنوات مديدة من دون نشر ولم يترق في الدرجات العلمية المطلوبة”.

ويسوّق مبيضين في معرض حديثه شكوى غير مبررة من قبل بعض المفصولين بأن الجامعات لا توفر لهم المناخ البحثي، معتبراً أنها حجة واهية، مشيراً إلى أن بعضهم من خريجي جامعات غربية ولكن لم يبذلوا الجهد الكافي للإسهام البحثي المطلوب، ولم يكتب بحثاً واحداً باللغة التي درس بها، واتهم بعض الأساتذة الجامعيين في الأردن باللهاث وراء التدريس لأن له مردوداً مالياً مجزياً، وهذا يؤثر في مسعى البحث العلمي، ويعتقد أن الحالة البحثية العربية عموماً، تعاني من انعدام وجود فرق جماعية في الأبحاث، لا سيما في قطاع الإنسانيات، وهذا معناه عدم التعاون بين الباحثين في أكثر من مؤسسة علمية، علماً أن الفرق البحثية تفيد أكثر والملاحظة العلمية التي يشتغل عليها أكثر من أستاذ وباحث، هي أكثر أهمية وقيمة في التقييم من الجهد الفردي.

تضخم في حملة الشهادات العليا

ويقول الوزير السابق صبري ربيحات إنه لم يسبق للأردن أن شهد تضخماً في أعداد من يحملون الشهادات العليا كما نراه اليوم، ففي عشرات الجامعات والمعاهد تمنح درجات الدكتوراه والماجستير والبكالوريوس لأشخاص يصعب أن تصدّق أنهم مروا بتجارب التعليم التي صقلت وشكلت شخصية الباحث والخريج الذي يمتلك أدوات البحث والتحليل.

ويعتبر ربيحات أن ثمة شهوة للألقاب وحمى للشهادات العليا ألمّت بالمجتمع الأردني، على نحو أصبحنا نلمح آثاره على جامعاتنا ومؤسساتنا، مضيفاً “اليوم يمكن أن تجد في أي قرية أردنية عشرات العاطلين من العمل من حملة الدكتوراه في التخصصات كافة، ويمكن أن تجد العشرات ممن أصبحوا مدرسين في جامعاتنا وهم لا يملكون القدرات العلمية والبحثية التي تساعدهم على تعليم وتدريب الطلبة”.

ويرى الأستاذ الجامعي خالد الطراونة أن على الحكومة الأردنية دعم الجامعات وإيجاد السبل لدمجها أو تطويرها ومنع من هبّ ودبّ من التدريس فيها، وتشجيع البحث العلمي وتحديد الجهات اللازم النشر فيها وتشديد معايير الترقية وضمان استمرار البحث العلمي وتقديم حوافز للمبدعين للنهوض بالجامعات والوطن، داعياً في الوقت نفسه إلى مراجعة شاملة وعملية جراحية لمنظومة التعليم العالي برمته.

ندرة في الكفاءة

من جهته، يقول الأستاذ الجامعي إياد النسور إنه إذا تمّ الحديث عن أعضاء هيئة التدريس الكفوءة والمؤهلة في الأردن فثمة ندرة كبيرة جداً، ويرى أن انخفاض المردود الاقتصادي لوظيفة المدرس الجامعي في الجامعات الأردنية، دفع بعضهم إلى التوجه للخارج، ما أثّر في نوعية ومستوى الأساتذة الجامعيين المحليين، كما أن ضعف الموازنات المالية المتاحة أمام الجامعات أدى إلى تقليل أعداد المبتعثين إلى الخارج.

ودعا النسور إلى إغلاق أو تقييد برامج الدكتوراه التي كانت تمنحها بعض الجامعات الحكومية والخاصة في الأردن، بهدف تجويد نوعية الخريجين من حملة الدكتوراه، كما دعا إلى إعادة النظر في متطلبات الجودة التي تفرضها هيئة الاعتماد الوطنية والتي أصبحت تنظر إلى أن وجود أعضاء هيئة تدريس من الجنسية الأردنية كمطلب مهم للحصول على شهادة الاعتماد.

مصر: ضوء علمي خافت وسط الأدراج المتخمة

الأدراج متخمة، وأقسام الأرشيف مثقلة، ومكاتب الجمع والتدقيق مشبعة بالأوراق والأغلفة المبهرة، حيث مشكلات الكوكب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والصحية وما قد يستجد تعثر على حلول لها في هذه الأوراق المتراكمة أو السحب الإلكترونية الهائمة. إنها الأبحاث العلمية في شتى فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبية والهندسية والدينية التي يضخها آلاف المعيدين والأساتذة المساعدين والأساتذة في الجامعات بجدوى غير معلومة الأبعاد. أما الأهداف، فالمعلن منها يندرج تحت بند الشق الثاني من اسم وزارة التعليم العالي حيث “والبحث العلمي”؛ في حين غير المعلنة لكن المعلومة علم اليقين، فهي سد خانة وإيفاء بشروط الترقي من معيد لمدرس مساعد لمدرس لأستاذ مساعد لأستاذ.

شر لا بد منه

البعض من أساتذة الجامعات يعتنق ثقافة وفكر البحث العلمي، والبعض الآخر، يعتبرها شراً لا بد منه، أو خيراً لا طائل منه. وفريق رابع، لا يعيرها انتباهاً أو بالأحرى لا تعيره هي التفاتاً، حيث تعارض في الرؤى  وتناقض في الأولويات.

عدد كبير من أستاذة الجامعات المصرية الذين تحدثت معهم “اندبندنت عربية” أجمعوا على أن “ثقافة” البحث العلمي تعاني الأمرين. لكن الميل للبحث موجود وبخير، والاضطرار للبحث – أو ما يشبهه – موجود وبكثرة. وقبل ساعات، احتفت مصر بأستاذ في كلية العلوم بجامعة الأزهر هو الدكتور عبد الشافي فهمي عبادة، وذلك بعد ضم اسمه لموسوعة “سانت أندروز” العالمية لعلماء الرياضيات والتي تصدرها جامعة “سانت أندروز الاسكتلندية”. يتردد اسم العالم المصري عشرات المرات في وسائل الإعلام حالياً. ويحتفي كثيرون بذكره بعد ما أصبح اسمه مجاوراً لغاليليو وابن سينا والدكتور مصطفى مشرفة وغيرهم من كبار علماء الرياضيات في الكوكب على مر العصور. لكن أحداً لا يتطرق إلى ما أنجزه العالم المصري من بحوث أهلته للانضمام إلى الموسوعة ذات الاسم العريق. وجاء في الأخبار المحتفية بتكريم العالم المصري إشارات متكررة إلى أعداد الباحثين والباحثات الكبيرة في شتى الكليات الجامعية.

أقسام الأرشيف

لكن أدراج وأقسام أرشيف الكليات الجامعية تحكي القصة بطرق مغايرة، منها ما تكتنفه أتربة السنين، ومنها ما ينضح بقصص كفاح أغلبها فردي للسباحة ضد التيار. التيار السائد يخلو من ثقافة البحث العلمي. وفي هذا الصدد، تقول أستاذ مساعد الأدب الإنجليزي والمقارن في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة الدكتورة لبنى إسماعيل، إن “مفهوم البحث العلمي موجود في الجامعات المصرية، ولكن يغلب عليه هدف الترقي، إضافة إلى الضغوط التي تمارسها إدارات الجامعات حتى تحصل على الاعتماد والجودة. وحين يترقى الأستاذ الجامعي غالباً ما يشطب على خانة البحث العلمي ليتفرغ لمواجهة أثقال الحياة المادية والاجتماعية التي لا تترك مجالاً لاستمرار واستدامة البحث العلمي”. وتشير إسماعيل إلى الظروف التي يجب توافرها لضمان خروج بحث علمي جيد وأهمها الهدوء والاستقرار النفسي والتفرغ التام للبحث، وهما عملتان نادرتان في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية لغالبية أساتذة الجامعات.

أقلية شغوفة

أساتذة الجامعات بينهم “أقلية” شغوفة بالبحث، فإن نجم عن الشغف ترقية مهنية، فخير وبركة، وإن لم ينجم عنه ذلك تظل فكرة البحث شغفاً لا يموت. من جهتها، تقول الدكتورة لبنى إسماعيل إن “هذه نماذج نادرة الوجود لكنها موجودة. لكن هذا لا ينفي أن الجامعات المصرية وكلياتها المختلفة لديها آلاف المجلات العلمية التي تنشر أبحاثاً بصفة دورية لأساتذتها وطلابها، لكن العبرة بالمحتوى والجودة وليس بالعدد فقط”. وتشير إلى معضلة أخرى تحول دون الاستفادة من هذه الأبحاث، حيث غياب منظومة أو خطة البحث التي ينبغي أن تسن قبل بداية الأبحاث حتى تكون ذات قيمة وفائدة تؤدي إلى أبحاث يتبخر الكثير منها في الهواء أو يتلف تحت وطأة الأتربة”.

جهود عاتية لمقاومة كل من الأتربة والتبخر في الهواء يبذلها أستاذ جراحة المسالك البولية في كلية الطب جامعة المنيا الدكتور محمد صلاح البدري (والذي ترقى قبل أيام إلى درجة أستاذ بعد جهود مضنية بذلها في ثمانية أبحاث علمية عن جراحات المثانة). يقول البدري إن “غالبية الأبحاث في الجامعات مآلها الدرج للتخزين، وذلك باستثناء التخصصات المختلفة في كليات الطب، لا سيما الجراحة. لماذا؟ لتوافر أرضية البحث حيث يقوم الباحث بالعمليات الجراحية فيتمكن من الحصول على المعلومات اللازمة من أرض الواقع إذ إنه في غرفة العمليات”. ويشير البدري إلى أنه حتى هذا المجال الثري للبحث العلمي يظل حكراً على تخصصات بعينها، “فمثلاً مصر رائدة في مجال الأبحاث العلمية لجراحات المثانة نظراً لانتشار الأمراض المرتبطة بها في مصر”. لكنه يقول إن “الأقسام الأكاديمية تعاني الأمرين نظراً لضعف الإمكانيات البحثية المتوفرة لباحثيها”.

وتر مؤلم

وبهذا يكون البدري دق على وتر مؤلم. وفي ذات الشأن تقول الأستاذ المساعد في قسم التشريح بكلية طب جامعة عين شمس الدكتورة مريم أسعد أمين إن “البحث العلمي في تخصصها يقتصر على أبحاث الفئران، وذلك لضعف الإمكانيات المتاحة من معامل وأدوات. وهذا يجعل نشر مثل هذه الأبحاث في دوريات طبية دولية مرموقة (وهو شرط الترقي) أمراً بالغ الصعوبة، حيث شروط النشر حداثة الموضوع والنتائج البحثية، إضافة إلى كلفة النشر الباهظة والتي يتكفل بها الباحث بصفة شخصية وليس الجامعة، باستثناءات بسيطة جداً”.

مثل هذا الوضع الصعب يضع الباحث في وضع لا يحسد عليه. فالجامعة تمارس ضغطاً عليه ليبحث وينشر حتى يتحسن ترتيب الجامعة في الترتيبات الدولية، والباحث لا حول له ولا قوة لأن الإمكانيات غير متوفرة.

القطاع الخاص غائب

أحد الحلول الغائبة في الجامعات المصرية هو تمويل ودعم وتبرع القطاع الخاص للبحث العلمي الجامعي. ففي هذا الاتجاه، يقول الدكتور محمد صلاح البدري إن “العديد من المراكز البحثية في الجامعات في الخارج يمول بالكامل أو جزء منه من خلال القطاع الخاص، فهذا واجب قبل أن يكون منحة أو منة. كما أن هذا التمويل يرتبط بالصناعة والربح وسوق العمل، وهذا يعني أن الجميع رابح: الجامعة والبحث والقطاع الخاص”.

ويضيف “إلا أن إقامة مثل هذه التحالفات المفيدة لصالح البحث العلمي مسألة غائبة عن الأولويات، ربما لغياب ثقافة وقيمة البحث العلمي نفسه”. من جهتها تقول الدكتورة مريم أسعد أمين إن “الثقافة نفسها غائبة، والشغف شبه منعدم”. وتتحدث عن “بيت الفأر” وهو الاسم الذي يطلقه أطباء الكلية على المركز البحثي فيها والذي يعاني شح الأدوات وأنيميا الإمكانيات، ورغم ذلك ما زال “المعافرون” يجاهدون من أجل الخروج بأبحاث بشكل أو بآخر.

العلم و”بشكل أو بآخر”

البحث العلمي مناقض بطبيعته لعبارة “بشكل أو بآخر”. فثقافة البحث العلمي الحقيقية تعلم الصغار أن البحث ليس سد خانة أو وجاهة أو تحصيل حاصل. لكنه شغف وابتكار وإصرار، وجميعها قابل للوقوع ضحية للإحباط. في هذا الأمر، يتحدث الدكتور البدري عن “نحت في الصخر الجامعي من أجل الخروج ببحث علمي جيد”. من جانبها تشير الدكتورة لبنى إسماعيل إلى “سير عكس التيار من أجل مواجهة مقاومي التغيير”. والدكتورة مريم أسعد أمين تشير إلى “أستاذ جامعي في القسم تقاعد قبل ثلاث سنوات وهو الوحيد المحتفظ بشغف للبحث العلمي”.

وما دام الشغف والثقافة غائبين، فسيبقى البحث العلمي في مهب الريح، فإن تصادف ووجد من هو شغوف به اشتد عوده، وإن شاءت الأقدار أن ترسل له من يؤمن بقيمة البحث وجودة المحتوى على رأس مؤسسة أكاديمية تحسن وضعه. وستظل الظروف والتحولات تتجاذبه والأفراد لا المؤسسات ترفعه سابع سماء أو تطرحه أرضاً إلى أن تصبح له خطة سليمة ورؤية شاملة وربط بأرض الواقع وسوق العمل ومتطلبات العصر. هنا يصبح البحث العلمي ثقافة وأسلوب حياة.

لبنان: ريبة وشكوك حول اختفاء ميزانيات التعليم

في وقت ترصد الدول المتقدمة ميزانيات ضخمة للبحوث العلمية والتنمية الشاملة، تتفق آراء التربويين على أن تراجع مستوى التعليم في العالم العربي عائد إلى لامبالاة تشجيع إنتاج البحوث العلمية من خلال عدم تخصيص ميزانية مستقلة ومحفزة لها وتدني مستوى الوعي بأهمية الأبحاث العلمية.

ففي لبنان مثلاً، الذي كان يُعدّ منارةً للعلم وأحد روّاده في العالم العربي، ها هي اليوم جامعته الرسمية تنازع بسبب افتقارها إلى التوجهات الإستراتيجية التربوية، وخصوصاً اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل الأزمات المتتالية التي شهدها هذا البلد منذ مطلع العام الحالي، بدءاً بانتشار وباء كورونا إلى النقص في الموارد المادية نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي. ونظراً إلى أهمية هذا الموضوع جالت “اندبندنت عربية” على الجامعات الخاصة والرسمية في لبنان وطرحت أسئلة عدة حول رؤية الجامعات في مجال البحث العلمي.

بين الأميركية واللبنانية

الدكتور يوسف صيداني من كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، صرح في حديث خاص إلى “اندبندنت عربية”، أن “قانون الجامعة يراعي الأساتذة ويقيّمهم بناء على ثلاثة عناصر أساسية وهي: أولاً، التعليم وجودته من حيث الكفاءة. ثانياً، خدمة الجامعة والمجتمع والمهنة. ثالثاً، موضوع البحث العلمي والذي يُعد أهم العناصر الأساسية في الجامعة الأميركية. إذ أن ذلك يؤثر في عملية ترقية الباحث من أستاذ مساعد إلى مشارك إلى بروفيسور أو مثبت. أما في حال لم يكن بحثه ناجحاً لا يُجَدد عقده عملياً بل يتم التجديد لمدة سنة واحدة إلى حين أن يجد وظيفة أخرى”.

وشرح صيداني “من المتعارف عليه عالمياً، أنه في كل الجامعات هناك مساران: الأول تعليمي والثاني بحثي. ويتم تعيين الأستاذ في المسار الذي يثبت جدارته فيه. لذا وفي حال لم يتم إصدار بحث علمي تصبح مرتبته أقل من غيره. أما في حال كان متخصصاً في المجال البحثي وليس قادراً على التعليمي، لا يتم التجديد له تلقائياً”.

غياب التسهيلات

من جهة أخرى، عبّر الدكتور علي حدادة الذي يدرّس مادّة الاقتصاد في الجامعة اللبنانية (تابعة للدولة) عن استيائه من غياب التحفيزات المادية والبيئة العلمية الملائمة للأستاذ مما يعيق إنتاجيته. وقال “منذ خمس سنوات تقريباً قدّمت بحثي العلمي الثالث إلى الجامعة، غير أنني لم أجد جواباً ولا أعرف حتى اليوم أين هو. من المؤسف أن هناك أبحاثاً تعتمد فقط على سرد الأحداث التاريخية ويتم مكافأتها بمبالغ خيالية. وبالتالي، بعد هذه التجربة مع الجامعة قررت أن أتوقف عن العمل البحثي”، معتبراً أن “الأجواء غير مشجعة في ظل غياب البيئة العلمية والدعم المادي”.

وعما إذا كانت الجامعة اللبنانية تتخذ الإجراءات اللازمة في فصل الأساتذة إذا لم يقوموا بنشر أبحاثهم كما حدث أخيراً في إحدى الجامعات العربية، قال “من حقهم أولاً كأساتذة في مؤسساتهم أن يحصلوا على كل التسهيلات المادية واللوجستية والمعنوية ومن ثم محاسبتهم. لذا أرى أنه في هذه الحالة، من الظلم أن نضيّق عليهم خصوصاً أنهم يفتقرون إلى الإمكانات اللوجستية والتقنية البسيطة كحقهم في الإنترنت ومكتبة لائقة تسهّل عملهم”.

أما صيداني فأكد بدوره، أنه “على عكس الجامعة اللبنانية، تولي الجامعة الأميركية الأستاذ أهميةً قصوى وترعاه من خلال توفير البيئة الداعمة والتسهيلات على أنواعها، كأن يُطلب منه تدريس مواد أقل، ويتمّ تمويله لتوظيف مساعدين له وشراء تقنيات حديثة وإشراكه في المؤتمرات وتغطية كل تكاليفه”، معتبراً أنه “بعد تأمين كل المستلزمات ليس أمام الباحث أي حجة للتأخر في بحثه”.

بحوث ذات فائدة اجتماعية

من جهة ثانية، غالباً ما ترتبط مسارات البحث العلمي بشكل وثيق بميول الأستاذ إلى مادة معينة أو إلى شبكة علاقاته في الداخل أو الخارج، إلّا أن ميول الجامعات الخاصة في لبنان بدأ يركز في الآونة الأخيرة على الأبحاث ذات الفائدة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، أوضح صيداني أن “هدف الجامعة الأميركية هو أن تجعل البحوث العلمية منسجمة مع حاجات المجتمع ولكن هذا يختلف من مجال إلى آخر. مثلاً، إذا تكلمنا عن موضوع التمييز ضد المرأة في المؤسسات، فهذا موضوع اجتماعي يحوز على اهتمام الأساتذة. أما إذا تكلمنا عن موضوع الذكاء الاصطناعي، فعلى الأستاذ أن يجري اتصالاته مع دوائر البحث الغربية في الولايات المتحدة وأوروبا”، معتبراً أن “هذا لا يتلاءم مع احتياجات المجتمع المحلي”. وأضاف “بينما في بلدان أوروبية أو أميركية، تتحكم الوزارات أو الدول بمواضيع الأبحاث وتخصص لها ميزانيات. مثلاً وزارة الدفاع الأميركية تصرح بأنها بحاجة إلى أبحاث عن القيادة في القطاع العام ومن هنا يتم تخصيص مبالغ بحثية، لذا يحصل نوع من الانسجام بين حاجات المجتمع والبلد وبين توجهات الباحثين، وهذا أمر نفتقده في لبنان والعالم العربي، لأن جهود دعم البحوث العلمية قليلة، ونفتقر إلى التوجهات الإستراتيجية من قبل الدولة”.

 مسار نحو الترقية

يتطلب المسار الأكاديمي المحترف إنتاجيةً في مجال البحث العلمي والتطوير، وبناءً على ذلك يتم تقييم الأستاذ، شرط أن لا يتم بمبادرة فردية، أي أنه من مسؤولية الجامعة أن تؤمن كل المستلزمات المعنوية والمادية. وفي حال نجح الأستاذ تُفتح له أبواب الترقيات وربما يصبح أستاذاً مثبتاً في جامعته.

وعن المسار الذي يخضع له تقييم البحث، أشار صيداني إلى أنه “بعد أن ينهي الأستاذ بحثه العلمي يرفعه الى إدارة الجامعة مع تقديم تقرير مفصّل عن عمله خلال المدة الزمنية المعطاة له. ومن ثم يخضع هذا البحث الى إجراء معقّد على خطى الجامعات العالمية، أي يذهب الملف الى سبعة أو ثمانية أساتذة في جامعات عالمية، وبعدها ننتظر قرارهم الذي يذهب إلى لجان متعددة في الجامعة داخل الكلية وخارجها لدراسته بشكل عميق لإعطاء الأستاذ حقه في الترقية أو تثبيته”، مؤكداً أن “الإجراء دقيق جداً ولا يخضع لرأي شخص واحد بل ورشة عمل كبيرة وشاملة”.

 توجه إستراتيجي ضعيف

من جهة أخرى، تبقى الجامعة اللبنانية مفتقرة إلى التوجهات الإستراتيجية لتعزيز إنتاجية البحوث العلمية وذلك بسبب مروحة من العوامل أبرزها: لامبالاة الحكومات، الفساد الإداري، وتدني مستوى الوعي إلى أهمية الأبحاث العلمية. لذلك فإن غياب خطة إستراتيجية كاملة تضمن التسهيلات والدعم المادي وخلق بيئة مشجّعة ستكون له تداعيات عكسية على المجتمع في المدى البعيد إذ إنه سيعمل على زيادة الجهل والفقر ما سيؤدي إلى المزيد من الإنفاق على شراء الإبداعات الأجنبية وبالتالي هجرة الطاقات اللبنانية إلى الخارج.

وفي هذا الصدد، اعتبر حدادة أن تقدمه العلمي جاء “نتيجة جهدي الفردي الخاص وذلك بعد حيازتي على شهادة الدكتوراه من فرنسا”، مؤكداً “الاستمرارية في مواكبة طرق الأبحاث في الخارج التي سبقتنا بأشواط من حيث اعتماد التقنيات الحديثة”، محملاً “إدارة الجامعة المسؤولية إذ عليها مواكبة التطورات، وفصل المحسوبيات والتدخلات السياسية عن الأبحاث العلمية لما تحمله من فوائد اجتماعية وعلميّة وحياتية”.

وعن سبب اختفاء الدعم المادي البحثي في الجامعة اللبنانية، رأى حدادة أن “هناك بعضاً من الغموض في عقود الأساتذة، إذ إن الأستاذ مكلَّف بمهمتين، التعليم والبحث، إلا أنه لا يتم تحديد مدةً زمنية لتسليم البحوث، وهذا الأمر يثير الريبة والشك”، متسائلاً “أين تذهب الميزانية البحثية ومَن يستفيد منها؟”.

تونس: ضعف الإمكانات ترهق الباحث

يعتبر تخصيص نسبة واحد في المئة فقط للبحث العلمي في تونس من ميزانية الدولة، مؤشراً واضحاً إلى عدم الاهتمام بهذا المجال، على الرغم من توفّر الكفاءات البشرية.

في المقابل، صادق مجلس نواب الشعب في إطار ميزانية الدولة لعام 2020 للمرّة الأولى على منحة الإنتاج العلمي، التي تشمل مباشرة وبصفة شخصية الباحثين والمخترعين، ولن تقتصر على الهياكل أي مختبرات البحث، كما كان معمول به سابقاً.

وكانت الاعتمادات المرصودة للبحث العلمي التي ارتفعت بنحو 50 في المئة في السنتين الأخيرتين، توجّهت إلى مختبرات البحث في الجامعات والجمعيات المشاركة، كما أن 95 في المئة من تمويل البحث العلمي تأتي من الدولة، في حين يسهم القطاع الخاص بأقل من 5 في المئة على عكس الدول المتطوّرة التي يتوزّع فيها تمويل البحث بين الدولة والقطاع الخاص على التوالي بنسبة 60 و40 في المئة.

من جهة ثانية، تقول أستاذة الإعلام والاتصال في الجامعة التونسية صباح المحمودي، إنّ أبرز ما يعترض الباحث في تونس ويرهقه، المشكلات المادية والإدارية.

وتفسّر أنه “توجد وحدات بحث في الجامعات التونسية ومختبرات للعلوم، لكن للأسف من دون تشجيع مادي مما يجعل الباحث يبحث عن حلول أخرى منها الهجرة”.

وتضيف “تزخر البلاد بالكفاءات، لكن المشكلة مادية بامتياز، ويظهر هذا من خلال توجّه الدولة التي لا تعير اهتماماً كبيراً  للبحث العلمي، وهذا يبرز أساساً في ضعف الميزانية المرصودة”.

تهميش البحث العلمي

وتضيف المحمودي أن ساعات التدريس الطويلة، تسهم في الإرهاق الفكري والجسدي ممّا يؤدي مباشرة إلى تقليص القدرات البحثية لدى الأستاذ الجامعي.

وتدعو المحمودي في حديث لـ”اندبندنت عربية” إلى تمكين الباحث التونسي من التفرّغ عن الوظائف الأخرى، من أجل إعداد بحوثه، كما تحضّ الباحثين على تأمين مصادر تمويل أخرى من دون الاعتماد على الدولة.

وتضيف أستاذة الإعلام والاتصال “إذا لم يتوفر مناخ جيد للبحث، لا يمكن للأستاذ الباحث أن يقدم إنتاجات محترمة ومفيدة لبلده”، مبيّنة في السياق ذاته، أن “البحث العلمي يجب أن يرتبط بواقع البلد ولا يُترك فوق الرفوف، من أجل مساعدة الدولة في إثراء مشاريعها وتصوراتها وربما إيجاد حلول للمشكلات على غرار الاجتماعية منها”.

وترى صباح المحمودي أن “إنعاش الجامعة التونسية يكون بضخّ الأموال لإعداد المشاريع البحثية وإحياء وحدات البحث وتوفير الإمكانات واحترام الباحث مادياً وإعطائه حقّه حتى لا يفكّر في ترك البلاد التي كوّنته مثلما يحدث اليوم، فبسبب ضعف أجور الأساتذة الجامعيين، تشهد تونس موجة هجرة غير مسبوقة، بالتالي تفرغ الجامعات من الكفاءات”.

وتوضح أن “انعدام سياسة التسويق للبحوث العلمية وتجاهل الكفاءات الشابة ومحاولة تقزيمها وعدم تثمين البحوث المتقدمة تسهم في تهميش البحث العلمي في تونس”.

تتويج عالمي 

على الرغم من الأوضاع الصعبة التي تعيشها الجامعة الوطنية، إلّا أن جامعة تونس المنار، تمكّنت وللمرة الثالثة على التوالي أن تكون ضمن قائمة أفضل ألف جامعة في العالم بحسب تصنيف شنغهاي الدولي للجامعات، استناداً إلى مؤشرات، منها جودة المضمون وعدد ونوعية البحوث المنشورة في أرقى المجلات العلمية.

 – إندبندنت-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق