دراساتمقالات أساسية

استعادة غربية لمفاهيم الرأسمالية لفهم أزماتها المتجددة

الباحث الفرنسي بيار- إيف غوميز: أهي حضارة أم قيم استهلاك؟ قديمة أم حديثة، زائلة أم متحولة؟

العالم الاقتصادي- رصد

يستعيد الغرب اليوم، في مستهل العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، عبر عدد من الأبحاث والكتب القيّمة، ظاهرة الرأسمالية، بل النظام الرأسمالي بمختلف أوجهه وآثاره على كل صعيد. ومن هذه الأعمال، كتاب الباحث والأكاديمي الفرنسي بيار-إيف غوميز الصادر حديثاً (2022) في سلسلة “ماذا أعرف” الفرنسية (المنشورات الجامعية الفرنسية)، وقبله كتب كل من ميشال ريفيه ودومنيك بليهون وجيرار دومينيل وغيرهم. ولا غرابة في ذلك الإلحاح على مساءلة الرأسمالية، والتنبّه من تحولاتها العنيفة والمفاجئة، ما دامت أزماتها ماثلة للعيان، وترسل حممها من براكينها المتفجرة والهامدة حيناً بعد آخر، وعلى التوالي: في ما بين أعوام 1873-1896، وقد عرفت هذه الحقبة ركوداً اقتصادياً شاملاً في الولايات المتحدة الأميركية، ثم عام 1929، لما طاول الإفلاس معظم العالم المنتج، على الرغم من بلوغ الإنتاج ذروته، مما أفضى إلى تداعيات كارثية على الصعيدين الاجتماعي والإنساني. ولم تمضِ سبعون عاماً، تحديداً عام 2007، حتى حلّت الأزمة المالية المصرفية في الولايات المتحدة الأميركية، وامتدت إلى عام 2008، غير أنها لم تخرج عن نطاق المألوف والمتداول في أزمات الرأسمالية الحاصلة سابقاً، لكنها اتّخذت مظاهر مختلفة تماماً عن تلك الماثلة في الأزمتين السابقتين، المتباعدتين زمنياً، نظراً إلى اختلاف البنى الاقتصادية والاجتماعية التي استجدّت، والمناخات المصاحبة، لا سيما التغيّر المناخي وتداعياته الخطيرة على البيئة، والتحولات البنيوية على صعيد العوامل الجديدة المؤثرة في أزمة الرأسمالية العالمية.

ولكن السؤال الأهم الذي دأب الباحثون والمفكرون، وسائر المواطنين ذوي الرأي، على طرحه هل أن الرأسمالية إلى زوال، بدليل أزماتها المتلاحقة، والمتزامنة مع أزمات كبرى على صعيد التغيّر المناخي وتكاثر الجائحات؟ بالتالي، هل أن أشكالاً من الاقتصاد الجماعي أثبتت فاعليتها، في المدى الزمني الحالي، وأمكن لها أن تكون بديلاً عن الأولى؟

للإجابة عن السؤال الأول، يجري الباحث والمضارب بيار-إيف غوميز في كتابه الجديد، دراسة تعاقبية للاقتصاد في الغرب الأوروبي، عائداً بالقارئ إلى القرن العاشر، بل الثالث عشر، حين تضافرت ثلاثة شروط لقيام نوع من سوق اقتصادية أوروبية أولية، وهي: سلطة سياسية مركزية قوامها الإمبراطوريات القائمة في حينه، تقابلها سلطة مشتتة تتوزّعها الإقطاعيات ذوات الأنظمة البدوية، وقيام الجامعات في المدن الأوروبية الكبرى، والشروع في تعليم الناشئة وتمهينها وتلقينها صنوف المهن الحرّة غير الأعمال الزراعية، واحتكار وسائل الإنتاج يقوم به أرباب السلطة حيثما كانوا، وما ينجم عن هذا الاحتكار المفروض بالقوة غالبية الأحيان، من مراكمة الثروات لدى هؤلاء.

ويخلص غوميز من مطالعته هذه إلى القول إن الرأسمالية ليست قدراً نهائياً، ينبغي نسخه وتعميمه على أقطار المعمورة، وإن تكُن منتصرةً على ما عداها من الأنظمة الاقتصادية الجماعية. وإنما هي نظام اقتصادي، وشكل حضاري متعدد الأبعاد، كانا حصيلة تحولات غير مقصودة بذاتها، ونتيجة لمسار من الأحداث السياسية والاجتماعية الخاصة في إطار جغرافي معين، هو أوروبا الغربية، الذي تشكّل تباعاً من الدول-القوميات منذ القرن السادس عشر، وهي: إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وإيكوسيا، ومن ثم بولونيا وهنغاريا، لحقت بها ألمانيا ثم إيطاليا.

تحولات سياسية واقتصادية

وإذ يتابع غوميز تحليله التاريخي للتحولات الاقتصادية-السياسية التي أفضت الى نموذج الرأسمالية الغربية في القرن التاسع عشر، يتبيّن له أن الآليات الاجتماعية -الاقتصادية تغيّرت، وحلت بنية اجتماعية بديلة قوامها خمسة فاعلين وهم: الرأسمالي والمقاول والعامل والمستهلك والتكنوقراطي، بديلاً عن البنية التقليدية والقروسطية القديمة التي كان قوامها ثلاثة فاعلين وهم: الفارس (الأمير، الملك، الإمبراطور)، والكاهن والفلاح. أما السمة الأظهر في البنية الرأسمالية (الأولى)، فهي أن بمقدور أي طرف أو عامل فيها من الفاعلين الخمسة، أن يحوز دورَين في الآن ذاته (رأسمالي ومستهلك، مثلاً)، والسمة الثانية المتصلة بطبيعة الأزمات التي تتوالى على الرأسمالية، وهي أنها قد تقع لدى أحد الفاعلين ويتم استيعابها من قبل الفاعلين الآخرين، وذلك بأن تدعمهم الدولة- القومية بما تملكه من صلاحيات تشريعية وقدرات مادية.

ويختم غوميز مقاربته التاريخية باستخلاص مفاده بأن الرأسمالية، الحاملة في تكوينها بعداً حضارياً ينطوي على قيمة حرّية التعامل ومراكمة الربح، صامدة إلى حينه في وجه الأزمات، وأنها أثبتت قدرتها على تخطّي هذه الأزمات، من خلال التحولات، بل التحويرات التي تحدثها في وظائف كل من الفاعلين وإسهاماتهم في الاقتصادات المحلية والعالمية. وإن كان غوميز لم ينكر مثالب ثلاثة كبرى على الرأسمالية، من حيث احتكار فئة صغرى رؤوس أموال هائلة وموارد عظيمة ولكن عرضة للنفاد، وما يحدثه هذا الاحتكار من ردود أفعال المظلومين الكثر، وسعي محموم إلى إنتاج مفرط من دون النظر إلى إمكان استهلاك المنتج، ومن حيث تلويث الطبيعة ومواردها والتسبب بكوارث بيئية ناجمة عن التغيّر المناخي، فإنه يعود إلى يقينه الخفر بأن للرأسمالية القدرة على تطويع أزماتها المستجدة وابتكار الحلول المناسبة لكل حالة على حدة.

تحديات كبرى

في المقابل، يرى جيرار دومينيل أن أخطر ما في الرأسمالية – بغضّ النظر عن بعض التسميات- أنها تضع العالم كله أمام تحديات كبرى، ليس أقلّها الاحترار المناخي العالمي، بسبب حلقة الإنتاج الجهنمية التي لا تعرف الإشباع ولا التراجع حتى استنفاد الموارد الطبيعية. كما تضعه أمام تحدّي اشتداد الصراع بين الطبقات بسبب ازدياد الفوارق في ما بينها، وما تخلّفه في نفوس المقهورين من ظلم لا حدّ له، يضاعفه ازدياد القمع وبروز الفساد واندثار المثاليات، لصالح روحية الربح، التي سبقت الإشارة إليها.

ولئن يقرر الباحث دومينيك بليهون بأن الأزمات المالية الحديثة في زمن العولمة الرأسمالية الحالية، لم تكُن ثلاثية الأبعاد (مالية وجتماعية واقتصادية، على غرار ما يعيشه لبنان بدءًا من عام 2019)، فإنه يعزو أحد أهم أسبابها إلى عدم المساواة بين طبقات المجتمع، في الأنظمة الرأسمالية الليبرالية، وذلك نقلاً عن الباحث ب. كروغمان، الحائز نوبل في الاقتصاد لعام 2008. وبناء عليه، يرى بليهون لزوم أن تبادر الدول (الرأسمالية) إلى اتّباع سياسات اقتصادية منصفة، تقوم على مزيد من الضرائب التصاعدية، وتوسيع هامش الفوائد التي تجنيها الطبقات الاجتماعية المهمّشة من التقديمات الاجتماعية والصحية والتعليمية وغيرها.

في مقابل الباحثين الاقتصاديين والمضاربين من أنصار الرأسمالية المعولمة، ينهض الفيلسوف الفرنسي إدغار موران ليقول كلمته الفصل في معضلات الرأسمالية التي لا ترى لها اليوم نظاماً منافساً جديراً بالاعتبار، ومؤدّى كلمته ورؤيته أن على الإنسان المعاصر، مطلع القرن الواحد والعشرين، أن يعاود النظر إلى نفسه وإلى العالم من حوله، وأن ينظر إلى الأمور من منظار مركّب لا أحادي، وأن يبطل نظرة التملّك والاستحواذ على الطبيعة باعتبارها كائناً مستقلاً له حرمته وكينونته وله الحق في الديمومة. كما أن على من يرعى الرأسمالية المعاصرة، التي حظيت من القوة والسلطان ما لم تحظَ به منذ كانت، أن يولي ضميره العناية المستحقة له لكونه بشراً ذا قيم كبرى، فيلحظ الانتفاضات المجهضة وجمعيات التضامن الأهلي الهزيلة الموارد والاقتصادات الاجتماعية القليلة الاعتبار، ويأسى لها، ويجهد في إبدالها بما يوجبه ضميره الحي. ولعل خير ما يورثه الفكر المركّب، إن أفلح في النفاذ إلى نفوس غالبية السياسيين والتكنوقراط والمقاولين والعمال والمواطنين، هو ذلك الضمير الذي يعيد إلى الإنسان كرامته، وإلى الطبيعة ديمومتها، وإلى الدول سلامها ورفاه شعوبها، وبقدر مقبول من الربحية!

إندبندنت عربية-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى