حين تعيش الإدارة في عالمٍ والموظفون في عالم آخر

زمن القراءة: 9 دقائق

في كثير من المؤسسات، لا تبدأ الأزمات بانهيارٍ مفاجئ، بل بفجوة صغيرة لا يلاحظها أحد.

يعتقد المديرون أن خطط التحول تسير كما ينبغي، فيما يقضي الموظفون يومهم في تجاوز الأعطال، وابتكار حلول مؤقتة، وإصلاح أخطاء لا تظهر في التقارير الرسمية.

ومع الوقت، يتشكل داخل المؤسسة عالمان مختلفان: عالمٌ على العروض التقديمية يبدو منظماً وناجحاً، وعالمٌ آخر على الأرض تحكمه الفوضى والضغوط والعمل غير المرئي.

فجوة الواقع

هذه هي «فجوة الواقع»؛ المسافة بين ما تظنه القيادة يحدث، وما يحدث فعلياً أثناء إنجاز العمل، وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبحت خطط التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أكثر عرضة للتعثر، ليس بسبب رفض الموظفين للتغيير، بل لأن القرارات تُبنى على صورة مثالية لا تشبه الواقع الحقيقي للعمل.

لا يمكن إصلاح ما لا يتم فهمه. وقد تكررت هذه الظاهرة في مؤسسات عديدة أثناء تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي أو تنفيذ برامج التحول الرقمي، تبدأ المشاريع بحماس كبير، تُعتمد الميزانيات، وتُطلق الوعود، ثم يصطدم الجميع بالواقع ويتباطأ الزخم.

عند حدوث ذلك، يكون من السهل اتهام الموظفين بـ«مقاومة التغيير». لكن المشكلة غالبًا أعمق من ذلك، وتتعلق بما يسمى «فجوة الواقع»، أي الفرق بين ما يعتقد القادة أنه يحدث، وما يواجهه الموظفون فعلياً من قيود تنظيمية واحتكاكات يومية ومشكلات لا تصل إلى دوائر القرار.

وتُعد معالجة هذه الفجوة عنصراً أساسياً في قيادة التغيير، لأنها تبدأ أولًا بالاستماع إلى الواقع كما هو، لا كما ترغب الإدارة في رؤيته.

كيف تبدأ فجوة الواقع؟

تنشأ فجوة الواقع غالباً بسبب ما يعرف في علم النفس بـ«الواقعية الساذجة»، وهو انحياز يجعل الإنسان يعتقد أن نظرته للأمور تمثل الحقيقة الموضوعية، وأن من يختلف معه إما غير مطلع أو متحيز.

داخل المؤسسات، تتفاقم المشكلة لأن الموظفين الأقرب إلى العمل هم أول من يكتشف الأعطال والمشكلات، لكن هذه الحقائق لا تنتقل بسهولة إلى الإدارة العليا، فكثير من الموظفين يفضلون الصمت إذا شعروا أن الحديث عن المشكلات سيُقابل بالتجاهل أو العقاب أو اتهامهم بالسلبية.

والنتيجة أن القيادات تسمع نسخة «منظفة» ومتفائلة من الواقع، بينما تبقى الأعطال اليومية والحلول المؤقتة مخفية داخل فرق العمل، وهكذا تتسع المسافة بين الصورة الرسمية وما يجري فعلياً على الأرض.

لماذا تمثل فجوة الواقع خطراً؟

تُعد فجوة الواقع بمثابة إشارات إنذار مبكرة، لأنها تكشف أن خطط التغيير بدأت تنفصل عن الطريقة الحقيقية التي يُنجز بها العمل.

وغالباً ما تظهر المؤشرات الأولى في شكل «حلول التفافية» تبدو بسيطة في البداية، مثل خطوة إضافية مؤقتة أو إجراء جانبي سريع، لكن عندما تصبح الأنظمة غير متوافقة مع الواقع، تتحول هذه الحلول إلى ممارسة يومية.

مع الوقت، يبدأ الموظفون في استهلاك طاقتهم في الالتفاف حول النظام بدلًا من استخدامه كما صُمم، وهنا يظهر نوع آخر من العمل غير المرئي: إصلاح الأخطاء قبل أن تصل إلى العملاء، وتهدئة العملاء الغاضبين، وتصحيح البيانات بعد ساعات العمل، أو معالجة أعطال العمليات يدوياً.

ومع اتساع الفجوة، تتكاثر «الأنظمة الظلية»، حيث تبني الفرق ملفاتها الخاصة وجداولها المنفصلة ومجموعات التواصل الجانبية لأنها تحتاج إلى نسخة من الواقع يمكن العمل بها فعلاً.

ورغم أن هذه الأدوات تساعد مؤقتاً، فإنها تخلق مخاطر إضافية، مثل تضارب البيانات، وفقدان التنسيق بين الفرق، والثغرات الرقابية، والضغط الذهني المستمر على الموظفين.

في النهاية، تظهر حالة من الإرهاق وفقدان الثقة، فعندما تستمر الإدارة في إعلان نجاح المشروع بينما يعمل الموظفون لساعات إضافية لإنقاذه، يبدأ الناس في فقدان الثقة بالرسائل الرسمية، ويتوقفون تدريجياً عن الإبلاغ عن المشكلات لأنهم لا يتوقعون أي استجابة حقيقية.

كيف تعامل بعض القادة مع فجوة الواقع؟

عندما تولّى آلان مولالي قيادة شركة فورد موتور، ركز على تقليص فجوة الواقع داخل الشركة.

كان يؤمن بأن «لا يمكن إدارة الأسرار»، لذلك دفع باتجاه كشف المشكلات بدل إخفائها، وفرض مراجعات أسبوعية تسمح بظهور الحقائق من الموظفين الأقرب إلى العمل.

الهدف لم يكن البحث عن أخبار جيدة، بل خلق بيئة تجعل قول الحقيقة أكثر أماناً، وتجعل الإدارة أكثر قدرة على سماع ما يحدث فعلياً.

كيف يمكن اكتشاف فجوة الواقع؟

الاستماع لفجوة الواقع يعني الانتباه إلى الفرق بين الافتراضات الإدارية والواقع الذي يعيشه الموظفون يوميًا. ويتطلب ذلك التركيز على:

 ما يفعله الناس فعلياً، لا ما يقولون إنهم يفعلونه.
 – التعديلات التي يضطرون إليها أثناء العمل.
 – الفجوة بين الإجراءات الرسمية والممارسات الحقيقية.
– المشكلات التي تُحل بصمت بعيدًا عن الأنظمة الرسمية.

وتظهر فجوة الواقع عادة في ثلاثة مجالات رئيسية:

مجالات ظهور فجوة التوقعات

أولًا: فجوة الأولويات

تظهر عندما تعتقد الإدارة أنها حددت اتجاهاً واضحاً، بينما يشعر الموظفون بأنهم مطالبون بتحقيق أهداف متضاربة في الوقت نفسه.

ومن المؤشرات الشائعة:
 – كل شيء عاجل الآن

عندما تصبح جميع المهام أولوية، تفقد الأولويات معناها الحقيقي، وتتحول جهود التطوير التقني إلى مبادرات مشتتة وضعيفة التأثير.
لماذا نقوم بهذا أصلاً؟

هذا السؤال يكشف انفصالاً بين التقنية الجديدة والأهداف الفعلية للمؤسسة.

ثانيًا: فجوة العمليات

حتى عندما تكون الأولويات واضحة، تصطدم التقنيات الجديدة بالأنظمة والإجراءات القديمة المتجذرة داخل المؤسسة.

ومن العلامات المتكررة:
 – أضطر إلى نسخ البيانات يدوياً من نظام الذكاء الاصطناعي إلى ملف إكسل قديم، وهذا مؤشر واضح على وجود فجوة تشغيلية واسعة.
 – الأداة ممتازة، لكن العملية ما زالت تتطلب ثلاث موافقات يدوية، أي أن الإجراءات القديمة تُفرغ التقنية الجديدة من قيمتها الحقيقية.

ثالثًا: فجوة المشاعر

وهي أخطر الفجوات وأكثرها تجاهلاً، لأن تجاهل البعد النفسي أثناء التحول المؤسسي يؤدي غالباً إلى مقاومة خفية وفقدان الحماس وربما التخريب الصامت.

ومن العبارات التي تعكس هذه الفجوة:

هل ستجعلني هذه التقنية أعمل أكثر؟ أم ستستبدلني مستقبلاً؟

هذا النوع من القلق، سواء تم التصريح به أو إخفاؤه، يمثل عائقاً قوياً أمام التغيير.

أخشى تجربة الخاصية الجديدة حتى لا أتسبب في خطأ، وهو ما يعكس غياب الأمان النفسي داخل بيئة العمل، حيث يخشى الموظفون التجربة والتعلم.

كيف يمكن تقليص فجوة الواقع؟

كل عملية تغيير تخلق تلقائيًا فجوة بين نوايا القيادة وتجربة الموظفين اليومية، وفي مشاريع التحول التقني تظهر هذه الفجوة بسرعة من خلال زيادة الحلول المؤقتة، وتباطؤ الإنجاز، وتراجع الثقة في البيانات، وعودة الموظفين إلى «الطريقة القديمة» عند أول ضغط حقيقي.

ولتقليص الفجوة، لا يكفي جمع الملاحظات في بداية المشروع، بل يجب اتباع دورة مستمرة تقوم على ثلاث مراحل:

خطوات تجنب فجوة الواقع

1- الاستماع إلى الواقع الحقيقي

على القيادات النزول إلى أرض الواقع وفهم تفاصيل العمل كما تحدث فعلًا، لا كما تُعرض في التقارير.

ومن الأسئلة المفيدة:
– أرني آخر مرة تسبب فيها النظام في تعطيل عملك.
– في أي مرحلة تضطر لمغادرة النظام لإنجاز المهمة؟
– ماذا تفعل عندما تبدو البيانات غير صحيحة؟
– أي الخطوات يتم تجاوزها عند زيادة الضغط؟

الهدف هو تحديد مواضع التعطيل، ومصادر إعادة العمل، والنقاط التي يضطر فيها الموظفون للاختيار بين السرعة والالتزام والجودة.

2- التحقق من صحة ما يُقال

التحقق لا يعني الموافقة الكاملة، بل التعامل مع تجارب الموظفين باعتبارها بيانات حقيقية عن طريقة عمل النظام.

وأسرع طريقة لتوسيع فجوة الواقع هي التقليل من شأن ما يسمعه القادة، عبر عبارات مثل:

– هذا لا يفترض أن يحدث.
 – أنتم تستخدمون النظام بطريقة خاطئة.
– الناس فقط لا يحبون التغيير.
 بدلًا من ذلك، يجب توضيح ما تمت ملاحظته وتأثيره الفعلي، مثل: 

 هذا ما لاحظناه.
– هنا يزداد الوقت المطلوب.
– هنا تبدأ الثقة في التراجع.

فعندما يشعر الموظفون أن الواقع يُؤخذ بجدية، يصبحون أكثر استعداداً للاستمرار في كشف المشكلات بدل إخفائها.

3-  البناء على ما ينجح

ينبغي تحويل أكثر المشكلات إلحاحاً إلى قائمة واضحة من الأولويات، والعمل على تحقيق إصلاحات صغيرة وسريعة.

فالإنجازات الصغيرة مهمة لأنها ترسل رسالة واضحة مفادها أن المؤسسة لا تطلب من الموظفين «بذل جهد أكبر» فقط، بل تعمل أيضاً على إصلاح النظام نفسه.

ومع الوقت، لا يصبح الهدف مجرد معالجة الأعطال، بل مراجعة الافتراضات التي أدت إلى ظهورها أصلاً، وهو ما يعرف بـ«التعلم المزدوج»، أي تصحيح الأخطاء وإعادة التفكير في القواعد والافتراضات التي بُنيت عليها العمليات.

كما أن الشفافية في توضيح ما تم إصلاحه، وما يجري العمل عليه، وما لن يتم تنفيذه ولماذا، تساعد في بناء الثقة والحفاظ على استمرارية التغيير.

وفي النهاية، تبقى القاعدة الأساسية بسيطة: الاستماع إلى الواقع، الاعتراف به، ثم البناء على ما ينجح فعلاً.

المصدر: أرقام – سايكولوجي توداي

آخر الأخبار