كنز من الليثيوم يكفي لصناعة 500 مليار هاتف ذكي.. في هذا البلد

زمن القراءة: 6 دقائق

كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عن وجود احتياطات ضخمة من الليثيوم داخل جبال الأبلاش شرقي الولايات المتحدة، في اكتشاف قد يعيد رسم خريطة المعادن الإستراتيجية عالمياً ويمنح واشنطن فرصة لتقليل اعتمادها على واردات الليثيوم الأجنبية.

وبحسب الدراسة، تحتوي جبال الأبلاش، التي تُعد من أقدم التكوينات الجيولوجية في أمريكا الشمالية، على ما يُقدّر بنحو 2.5 مليون طن من الليثيوم القابل للاستخراج، وهي كمية تكفي لإنتاج نحو 500 مليار هاتف ذكي، أو 180 مليار حاسوب محمول، إضافة إلى بطاريات تكفي لتشغيل حوالي 130 مليون سيارة كهربائية.

الليثيوم في قلب التحول التكنولوجي والطاقة النظيفة

ويُعتبر الليثيوم أحد أكثر المعادن طلباً في العالم خلال السنوات الأخيرة، نظراً لاعتماده بشكل أساسي في تصنيع بطاريات أيونات الليثيوم المستخدمة في الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، فضلاً عن استخداماته في الصناعات العسكرية والفضائية ومواد التشحيم وبعض الأدوية.

ويأتي هذا الاكتشاف في وقت تتصاعد فيه المنافسة العالمية على المعادن النادرة والإستراتيجية، مع سعي الدول الكبرى لتأمين سلاسل توريد مستقلة تدعم خطط التحول نحو الطاقة النظيفة وتقنيات المستقبل.

جبال الأبلاش تتحول إلى مركز محتمل للثروة المعدنية

تمتد سلسلة جبال الأبلاش عبر شرق الولايات المتحدة من ولاية ألاباما جنوباً حتى ولاية مين شمالاً، وتشتهر بقدمها الجيولوجي وطبيعتها الجبلية الواسعة، إلا أن الدراسات الجديدة أظهرت أن هذه السلسلة قد تخفي واحدة من أكبر احتياطات الليثيوم داخل الأراضي الأمريكية.

وأوضح الباحثون أن الليثيوم يتركز داخل صخور تُعرف باسم “البيغماتيت”، وهي صخور نارية خشنة الحبيبات غالباً ما تحتوي على معادن غنية بالليثيوم، ورغم أن العديد من هذه الرواسب يبدو محدود الحجم عند دراسته منفرداً، فإن مجموعها عبر امتداد السلسلة الجبلية يمثل احتياطياً هائلاً ذا قيمة إستراتيجية.

توزيع الاحتياطات بين شمال وجنوب الأبلاش

قسمت الدراسة المنطقة إلى قطاعين رئيسيين هما الأبلاش الشمالية والأبلاش الجنوبية.

وفي شمال الأبلاش، الذي يشمل ولايات مين ونيوهامبشير وفيرمونت ونيويورك وماساتشوستس وكونيتيكت ورود آيلاند وبنسلفانيا ونيوجيرسي وديلاوير، قُدرت الاحتياطات بحوالي 990 ألف طن من الليثيوم.

وتركزت أبرز الرواسب في ولايتي مين ونيوهامبشير، حيث أشار الباحثون إلى وجود معدن الإسبودومين عالي التركيز بالليثيوم داخل بعض التكوينات، ومن أبرزها رواسب “بلومباغو نورث” في ولاية مين، وهو معدن معروف بإمكانية استخراجه عبر تقنيات تعدين معتمدة تجارياً.

أما في جنوب الأبلاش، الذي يضم أجزاء من ولايات ماريلاند وفيرجينيا وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية وجورجيا وتينيسي وألاباما، فقدرت الدراسة وجود نحو 1.57 مليون طن من الليثيوم، مع تركّز النسبة الأكبر في ولايتي كارولاينا الشمالية والجنوبية، اللتين شهدتا سابقاً نشاطاً واسعاً في تعدين الليثيوم خلال العقود الماضية.

تشكلت قبل أكثر من 250 مليون سنة

وأوضحت الدراسة أن أصول هذه الاحتياطات تعود إلى أكثر من 250 مليون عام، عندما تشكلت صخور البيغماتيت من صهارة غنية بالليثيوم خلال عمليات جيولوجية عميقة صاحبت تكوين جبال الأبلاش.

واعتمد الباحثون في تقديراتهم على تحليل بيانات جيولوجية وجيوكيميائية وجيوفيزيائية، إضافة إلى مراجعة سجلات الرواسب المعدنية والتاريخ التكتوني للمنطقة، واستخدام نماذج عالمية متخصصة في تقييم رواسب البيغماتيت الغنية بالليثيوم.

الولايات المتحدة تسعى لتقليل الاعتماد على الصين وأمريكا الجنوبية

ويحمل الاكتشاف أهمية إستراتيجية خاصة للولايات المتحدة، التي تعتمد حالياً بشكل كبير على واردات الليثيوم من دول مثل الصين والأرجنتين وتشيلي، في وقت تمتلك فيه البلاد منجماً واحداً فقط عاملاً لاستخراج الليثيوم، يقع في وادي كلايتون بولاية نيفادا.

ويرى خبراء أن تطوير احتياطات جبال الأبلاش قد يمنح واشنطن قدرة أكبر على تأمين احتياجاتها من المعادن الحيوية محلياً، وتقوية صناعة البطاريات الأمريكية، وتقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد الخارجية.

مخاوف بيئية من عمليات التعدين

ورغم الفوائد الاقتصادية الضخمة المحتملة، أثار الاكتشاف مخاوف بيئية متزايدة بشأن آثار التعدين في منطقة الأبلاش، المعروفة بتنوعها البيئي وغاباتها الواسعة.

وأشار مختصون إلى أن استخراج الليثيوم من صخور البيغماتيت يتطلب عمليات تعدين واسعة النطاق، قد تؤدي إلى إزالة مساحات كبيرة من الغابات وتدمير المواطن الطبيعية والتأثير على مصادر المياه والتنوع الحيوي.

كما أن معالجة الليثيوم تتطلب استخدام مواد كيميائية ومعدات ثقيلة، ما قد يؤدي إلى انبعاثات كربونية مرتفعة وتلوث محتمل للتربة والمجاري المائية إذا لم تُطبق معايير بيئية صارمة.

سباق عالمي جديد على المعادن الحرجة

ويؤكد هذا الاكتشاف أن المنافسة العالمية على الليثيوم لم تعد تقتصر على دول أمريكا الجنوبية أو سلاسل التصنيع الآسيوية، بل باتت تمتد إلى مناطق جديدة داخل الولايات المتحدة نفسها.

ويرى مراقبون أن جبال الأبلاش قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى محور رئيسي في صناعة المعادن الحرجة عالمياً، وسط تزايد الطلب على البطاريات والسيارات الكهربائية وتقنيات تخزين الطاقة.

لكن في المقابل، يبقى التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة في كيفية تحقيق التوازن بين استغلال هذه الثروة المعدنية الضخمة والحفاظ على البيئة والأنظمة الطبيعية الحساسة في المنطقة، في ظل تصاعد الجدل العالمي حول التكلفة البيئية للتحول نحو الطاقة النظيفة.

رضا أبو العينين

المصدر: البيان

آخر الأخبار