بين لبنان وسوريا: تطوير المعابر لا يوقف التهريب

زمن القراءة: 9 دقائق

تسعى الحكومتان اللبنانية والسورية إلى فتح صفحة جديدة في ما يخصّ الترتيبات الحدودية بين البلدين، على قاعدة احترام السيادة ورفع مستوى الاستفادة الاقتصادية من المنافذ البرية الشرعية، وعزّزت الوزارات والإدارات المختصّة بين الجانبين التواصل فيما بينها لضمان حسن النتائج لورشة الإصلاحات التي انطلقت في المعابر، لا سيّما المعبرين الأبرز، معبر المصنع – جديدة يابوس ومعبر العبودية – الدبوسية، لكن هل يكفي تطوير العمل في المعابر الشرعية على المستوى التقني والإداري، لضبط الحدود وتحقيق الإفادة الأمنية والاقتصادية للبلدين؟ وماذا عن المعابر غير الشرعية؟.

ستّ نقاط رسمية

بين لبنان وسوريا الكثير من نقاط الوصل، 6 منها نقاط حدودية رسمية، والباقي معابر غير قانونية، وفي ما يتعلّق بالمعابر الرسمية، فإنّ واقعها الحالي يتفاوت بين المقفل نهائياً أو جزئياً وبين الذي يعمل بشكل طبيعي، وفي مقدّمة تلك المعابر، معبر المصنع – جديدة يابوس، الذي يقع بين بلدة المصنع اللبنانية وبلدة جديدة يابوس في محافظة ريف دمشق،  هو الأقرب إلى العاصمة السورية، ويبعد عنها 40 كيلومتراً، في حين يبعد عن بيروت نحو 100 كيلومتر، والمعبر مفتوح حالياً بعد إقفاله مرّتين، الأولى إثر استهدافه من قِبَل العدوّ الإسرائيلي في تشرين الأول 2024، والثانية في نيسان الماضي، إذ أقفل احترازياً لمدة 4 أيام بعد تهديد العدوّ بقصفه.

المعبر الثاني هو معبر العبودية – الدبوسية، ويربط بين منطقة العبودية في عكار ومنطقة الدبوسية في مدينة حمص، وتم استهداف المعبر في نهاية تشرين الثاني 2024 قبيل دخول قرار وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، وهو اليوم مقفل بسبب أعمال الصيانة من الجانب السوري.

أمّا المعبر الثالث، فهو معبر العريضة، ويربط بين قرية العريضة في عكار ومحافظة طرطوس السورية، ويعدّ المعبر نقطة عبور البضائع من مرفأ طرابلس إلى طرطوس وبالعكس، والمعبر مفتوح حالياً أمام المشاة فقط، إذ يخضع من الجانب السوري إلى أعمال الترميم بعد انهيار الجسر الواصل بين البلدين، ويسهِّل المعبر في وضعه الراهن، عبور السوريين الهاربين من الحرب الإسرائيلية على لبنان.

المعبر الرابع بين لبنان وسوريا هو معبر البقيعة أو جسر قمار، ويربط بين منطقة وادي خالد في عكار وبلدة تلكلخ في ريف حمص، تعرّض المعبر لقصف إسرائيلي في العام 2024، وأعيد افتتاحه مطلع أيار الجاري أمام المشاة المصرّح لهم بالعبور.

وهناك أيضاً، المعبر الخامس، معبر القاع – جوسية الذي يربط بين منطقتيّ القاع اللبنانية وجوسية السورية في ريف حمص، وهو مفتوح أمام المشاة والسيارات، ويبقى المعبر السادس، معبر مطربا الذي يصل بين الهرمل والقصير، الذي افتتح في العام 2022، وهو مقفل بشكل نهائي حالياً، بعد تعرّضه لقصف إسرائيلي.

في المقلب الآخر، هناك الكثير من المعابر غير القانونية التي تستعمل في تهريب البضائع والأشخاص، من بينها 17 معبراً معروفاً، أهمّها معبر البوري، العين، تل حميرة، الحكر ومعبر حكر جانين، وبعض المعابر يسمّى بأسماء الأشخاص والجماعات التي تسيطر عليها، ومن بين طرق التهريب عبرها، البراميل الزرقاء، والتي يُجبَر العابرون على ركوبها والطفو عليها لاجتياز مجرى النهر الكبير الجنوبي بين البلدين، وأيضاً تبرز عملية عبور المنازل المتلاصقة عند الحدود، فتتحوّل المنازل إلى معابر غير رسمية يجري التهريب عبرها من الجانبين، وعند معبر البوري حوَّلَ المهرّبون قسطل نفط قديم إلى جسر للعبور بين الضفتين.

بين الجيوب والخزينة

إن كانت الجهات الرسمية في لبنان وسوريا، تعمل على إعادة تأهيل المعابر الشرعية للاستفادة منها، يسعى المهرّبون إلى ضمان استمرار العمل في معابرهم غير الشرعية لمراكمة المزيد من الأرباح المادية والحفاظ على سلطتهم الاجتماعية، فالمعابر غير الشرعية تنقل الأشخاص من سوريا إلى لبنان بكلفة تتراوح بين 50 و150 دولاراً للشخص الواحد، فضلاً عن تأمين انتقال البضائع.

وحركة التهريب بقيت ناشطة منذ ما قبل الثورة السورية التي انطلقت في العام 2011، لكنها تصاعدت بعد ذلك مع حاجة الكثير من السوريين المعارضين لنظام الأسد، للانتقال إلى لبنان، أمّا تهريب البضائع، فقد زاد بالاتجاه المعاكس، أي من لبنان إلى سوريا، مع دخول لبنان في أزمته الاقتصادية في عام 2019 وصعود الدولار مقابل الليرة، واتخاذ السلطات الرسمية قرار دعم السلع وخصوصاً المحروقات التي بدأت تُهَرَّب إلى سوريا لتُباع بالدولار وبأسعار مرتفعة، كونها تُستَورَد بسعر مدعوم في لبنان.

وبالتهريب في الاتجاهين، تعاظم اقتصاد الظل وخسرت الخزينتان اللبنانية والسورية، إيرادات كبيرة ذهبت إلى جيوب المنتفعين، إن على مستوى المهرّبين أو النافذين الذين يسهّلون التهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية.

وبعد انهيار نظام الأسد والتغييرات التي حصلت في لبنان على مستوى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، شكّلت المعابر محور نقاش مهمّة بين البلدين، بهدف تطوير عملها وتحقيق أكبر استفادة اقتصادية ومادية منها. 

وفي مقابل عمل السلطات السورية على تأهيل المعابر المتضرّرة وتفعيل العمل الإداري في المعابر الفاعلة، يعمل الجانب اللبناني على تأمين التمويل اللازم لتأهيل وتطوير العمل في الجهة اللبنانية.

ومن تلك المساعي، الاجتماع الذي عقد في وزارة المالية في 24 نيسان الماضي، بمشاركة وزارة الأشغال العامة والنقل، وخصص لإعادة تفعيل العمل وتطويره عند المعابر الحدودية الخمسة.

وأكّد وزير المالية ياسين جابر أنّ “التمويل متوافر لمعبر العبودية، أما بالنسبة للمصنع فإن المشروع كبير ونبحث إما بتأمين قرض طويل الأمد أو من دعم يمكن أن نحصل عليه، أو من الخزينة إذا تيسرت مؤونتها المالية”.

وأُعيد طرح موضوع التمويل في اجتماع يوم الإثنين الماضي، حين أكّد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، أنّه يجري البحث في “كيفية تأمين التمويل كي نتمكن في أسرع وقت ممكن، من المباشرة بالعمل”.

أمّا في ما يتعلّق بمعبر العبودية، لفت رسامني النظر إلى أنّه “من المرتقب أن نفتتحه في تموز، والعمل حالياً قائم على تأهيله من مبانٍ وطرقات وسواها، ومن شأن افتتاحه أن يخفف الازدحام عند معبر المصنع”.

على أنّ إعادة تأهيل المعابر وتطويرها، لا تعني بالضرورة القدرة على إقفال المعابر غير الشرعية، بل يعني النجاح فقط في تنظيم الحركة عبر المعابر الرسمية، أي تسريع التفتيش وزيادة الإيرادات الجمركية، وضبط دخول الأشخاص والبضائع، وتسهيل التجارة القانونية.

لكن المهرّبين ينتظرون تحقيق أرباح أكبر بأقل كلفة، ولذلك يبحثون دائماً عن مسارات بعيدة من الرقابة الرسمية، ولذلك، ولضمان أكبر استفادة من المعابر الرسمية، على الجانبين اللبناني والسوري إحكام السيطرة الفعلية على الحدود عن طريق التنسيق الدائم على المستوى الأمني والسياسي.

فمن شأن إغلاق المعابر غير الشرعية، القضاء على التجارة خارج الاقتصاد الرسمي، وتلافي خسارة الخزينة إيرادات من الرسوم والضرائب، وكذلك القضاء على النفوذ الأمني والاقتصادي لجماعات محلية خارج سلطة الدولة.

استقطاب الاستثمارات

التغييرات السياسية بين البلدين، لم تغيّر الواقع الاقتصادي والاجتماعي وأسباب نمو البيئة الخصبة للتهريب بالاتجاهين. فالحرب والأزمة الاقتصادية في لبنان، تشجّع استمرار التهريب، وكذلك فإنّ الأوضاع الاقتصادية في سوريا تشجّع نشاط التهريب، مع أنّ السلطات السورية تسعى إلى تثبيت الاستقرار واستقطاب الاستثمارات الأجنبية والعربية، ولذلك تحتاج إلى استقرار قانوني وأمني على المعابر، يتيح وضوح الإجراءات الجمركية وسلامة سلاسل التوريد واستقرار حركة النقل والتجارة.

ولذلك، قد تنجح الدولة السورية في الحدّ من عمليات التهريب التي تحصل على المعابر الشرعية وتحسّن صورتها أمام المستثمرين، لكنّها قد لا تنجح تماماً في إقفال المعابر غير الشرعية بشكل كامل.

في الوقت عينه، إنّ غرق لبنان في أزماته وعدم الوصول سريعاً إلى مصادر لتمويل تأهيل وتطوير معابره الرسمية، يُبعده عن الاستفادة من مسار الإصلاح واستقطاب الاستثمارات التي تسعى إليه سوريا، فلوّ أنّ الحرب لم تقع وتمّ تأمين التمويل وتطوير المعابر، لتحوّلت المناطق اللبنانية القريبة من الحدود السورية إلى مراكز انطلاق لشركات لبنانية وأجنبية، تساهم في المشاريع السورية.

وكان لبنان على موعد مع استقطاب الشركات الأجنبية، كما حصل مطلع شهر شباط الماضي حين أعلنت مجموعة “GCI” الصينية، التي تضم تحت جناحها 25 شركة عملاقة، اتخاذ منطقة شتورة في البقاع مقراً إقليمياً ولوجستياً لها، وهذا القرار، يثبت حاجة لبنان إلى تطوير معابره سريعاً، إذ إنّها ليست نقاط عبور فحسب، بل شريان اقتصادي وسياسي وأمني يؤثر في التجارة والنمو والاستقرار. 

وعليه، فإنّ المعابر البرية بين لبنان وسوريا ليست مجرد نقاط حدودية، بل عصب اقتصادي وسياسي للبلدين، تترك بصمتها على الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي. 

خضر حسان

المصدر: المدن

آخر الأخبار