اقتصاد السوق.. مسار التحول ومتطلبات الحماية الاجتماعية

زمن القراءة: 13 دقائق

يشهد الاقتصاد السوري تحولات تدريجية منذ التحرير، تتجه نحو إعادة صياغة بنيته وهيكليته بما يتلاءم مع واقع البلاد وموقعها الجيوسياسي، وما تمتلكه من موارد وإمكانات يُعوَّل عليها في تحسين الواقع المعيشي.

وفي ظل هذا التحول، لا تزال النقاشات مستمرة حول طبيعة النموذج الاقتصادي الأنسب في هذه المرحلة، وحدود الانتقال نحو اقتصاد السوق، وما إذا كان هذا التحول سيأخذ شكلاً كاملاً أو نموذجاً مختلطاً يجمع آليات السوق ومتطلبات الحماية الاجتماعية.

ويأتي ذلك في سياق اهتمام متصاعد بإعادة دمج الاقتصاد السوري في المنظومة الاقتصادية الدولية، وفتح الباب أمام الاستثمارات، ضمن مسار تدريجي يُبنى على إصلاحات هيكلية وسياسات مالية ونقدية جديدة.

ومؤخراً، عُقد منتدى “آفاق التعاون الاقتصادي الألماني السوري” في برلين بمشاركة وفد سوري ضم وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، والحاكم السابق للمصرف المركزي عبد القادر الحصرية.

وركز المنتدى، الذي نُظم بالتعاون مع غرفة التجارة والصناعة العربية الألمانية، في جلسته الرئيسية على الانتقال إلى اقتصاد السوق في سوريا، بما يعكس رغبة وحاجة البلاد إلى الانفتاح الاقتصادي وإعادة الاندماج في النظام المالي الدولي، وجذب الاستثمارات اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار، وذلك بعد رفع العقوبات الغربية تدريجياً في عام 2025.

وأكد المشاركون خلال المنتدى أن سوريا الجديدة تتبنى نموذجاً اقتصادياً قائماً على التحرر التدريجي، حيث يسعى القطاع الخاص ليصبح المحرك الرئيسي للنمو، فيما تعيد الدولة تنظيم دورها لتكون مشرفاً ومنظماً عبر السياسات النقدية والمالية، بدلاً من التدخل المباشر في الإنتاج، عبر إتاحة الفرص للقطاع الخاص للمشاركة في الاستثمار وتأهيل الشركات الحكومية المتعثرة، بما يهدف إلى رفع الكفاءة والإنتاجية وإصلاح القطاع العام وتحويل الشركات العامة من خاسرة إلى منتجة، أو إشراك القطاع الخاص في إدارتها ضمن إطار زمني واضح، بما يخفف العبء عن الموازنة العامة.

كما تحدث المنتدى عن السعي إلى استقطاب الخبرات والتكنولوجيا الألمانية إلى سوريا في مجالات الطاقة (النفط والغاز والكهرباء)، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، باعتبار سوريا بوابة استراتيجية للعالم العربي، وتوقع المشاركون أن يتحول الاقتصاد السوري خلال الفترة المقبلة إلى مركز رئيسي للخدمات اللوجستية والإنتاج، مع التركيز على الصناعات التحويلية وتكنولوجيا المعلومات.

وأشار الوزير الشعار إلى تدفق رغبات استثمارية من مئات المستثمرين، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد توقيع اتفاقيات استراتيجية تعزز الشراكة السورية الألمانية.

اقتصاد تفاعلي

حول الانتقال إلى اقتصاد السوق وآليته، يؤكد المحلل الاقتصادي حسام عايش، لصحيفة “الثورة السورية”، ضرورة التمييز بين اقتصاد السوق واقتصاد السوق الاجتماعي.

ويضيف عايش أن اقتصاد السوق هو الاقتصاد الذي يخضع للعرض والطلب، وتكون فيه الليبرالية الاقتصادية في أعلى درجاتها، فيما تعمل الأنظمة والقوانين والسياسات على خدمة هذا الاقتصاد بمعناه الواسع.

أما اقتصاد السوق الاجتماعي فالمقصود به هو الاقتصاد الذي لا يأخذ بعداً اشتراكياً واضحاً ولا بعداً رأسمالياً كاملاً، لكنه مزيج بين الاقتصاد الحر أي اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية، ويهدف إلى تحقيق توازن بين الحرية الاقتصادية وهذه العدالة.

ويمكن تصنيفه باعتباره نظاماً مختلطاً يدمج بعض ملامح الرأسمالية أو اقتصاد السوق مع آليات لضمان رفاهية المجتمع والعدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية وحماية الفئات الاجتماعية المختلفة حسب نظرية التكافل والتضامن، فيما يتعلق بتخفيض تكاليف المعيشة أو حماية الفئات الأقل في المجتمع، وبالنتيجة حماية المجتمع أيضاً اجتماعياً.

بهذا المعنى يمكن القول إن اقتصاد السوق له دوره في تحويل الاقتصاد من نموذج مجرد يركز على العرض والطلب، وعلى الربح والخسارة، وعلى الكلفة والعائد، إلى اقتصاد يركز أيضاً، وهو يعمل وفق هذه الأدبيات، على مفهوم الحماية، وفق عايش.

ويرى عايش أن من الضروري بالنسبة لسوريا بعد التحرير، كدولة تعيد تنظيم أدائها الاقتصادي من جديد وترتب لعملية اقتصادية مبنية على قواعد السوق من جهة، وعلى الحماية أيضاً من جهة ثانية، أن تأخذ بالاعتبار أن التحول إلى هذا الاقتصاد يعني أنه اقتصاد يضمن الحد الأدنى من الحماية من جهة، ويكرس مفهوم التضامن الاجتماعي من جهة ثانية، ويعلي مفهوم الحرية الاقتصادية والملكية الفردية.

ويشير إلى أن قواعد هذا النموذج هي قواعد اقتصاد السوق، لكن مظلته مندمجة مع الحماية الاجتماعية، وبالتالي يمكن لسوريا أن تنهض بهذا النوع من الاقتصاد التفاعلي وليس الاقتصاد الجامد أو الاقتصاد الدعائي كما كان يُروَّج له، إلى اقتصاد يعمل فيه المجتمع بكامل طاقته الإنتاجية والاستثمارية والاستهلاكية، مع وجود حد أدنى من الحماية الذي يوفره هذا الاقتصاد للمواطنين.

دور الدولة

يشكل الانتقال إلى اقتصاد السوق مرحلة مهمة لكنها مكلفة لجهة متطلبات هذه الحماية. ويقول عايش إن من الممكن التعثر في الانتقال، لكن في حال إرساء القواعد منذ البداية ستكون الأمور أكثر تقبلاً، وسيصبح جزءاً من السلوك الاقتصادي والاجتماعي العام للمجتمع، وبالتالي سيوفر نوعاً من الحد الأدنى من الرفاهية الاجتماعية لكل الناس وفقاً لمتطلبات وتكاليف.

ويضيف أن الضرائب ربما ستكون أعلى قليلاً، وقد تُسجَّل ارتفاعات في بعض المؤشرات، لكن هناك ضمانات بأن مثل هذه الاقتطاعات الضريبية سيستفيد منها المتقاعدون في المستقبل على شكل خدمات وعلى شكل ضمان لحد معقول من الرفاهية بالمعنى الفعلي وليس الشكلي.

لذلك، يكون التركيز في اقتصاد السوق على الحرية الاقتصادية، وعلى المنافسة، وعلى السوق الحر، وعلى الشركات الخاصة باعتبارها المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، ويعتمد توزيع الثروة إلى حد كبير على آليات السوق، ويكون للدولة هنا دور محدود في التدخل الاقتصادي، حيث يتم التركيز على تأمين النظام القانوني وضمان حقوق الملكية.

أما في النظام الاشتراكي أو الاشتراكية، فتهدف السياسات إلى دعم الملكية العامة للموارد ووسائل الإنتاج، ويعتبر القطاع العام هو المسؤول عن التخطيط الاقتصادي وتوزيع الثروة، والهدف الرئيس هنا هو تقليص الفجوة الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء من خلال التوزيع العادل للموارد وإعادة توزيع الدخل.

وعلى عكس نظام اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يجمع بين آليات السوق مثل الحرية الاقتصادية والمنافسة والقطاع الخاص والملكية الفردية، مع تدخلات للدولة لضمان العدالة الاجتماعية وفق أنظمة وقوانين وسياسات متفق عليها، حيث البرلمان هو الذي يقر الأنظمة والقوانين والسياسات ذات الصلة، بما يضمن أن يكون تدخل الدولة فقط للإشراف على تنفيذ القوانين والسياسات التي تضمن عمل اقتصاد السوق والاقتصاد الحر، وتعمل على تنفيذ متطلبات واحتياجات الحماية الاجتماعية، ومن ضمنها التدخل في السوق من أجل المنافسة العادلة، ومن أجل منع الاحتكار ورفع جودة المنتجات والخدمات، والتأكد من أن الجميع يحصل بعدالة على حقوقه.

كما أن للدولة في هذا النظام دور مهم في تأمين الحقوق الاجتماعية مثل الصحة العامة والتعليم والإعانات الاجتماعية، وفي الوقت ذاته ترك السوق يعمل بشكل حر في القطاعات الاقتصادية المختلفة.

بين الرأسمالية والاشتراكية

يشير الباحث عايش إلى أن اقتصاد السوق الاجتماعي يتميز بعدد من الخصائص، أبرزها الحرية الاقتصادية، إذ يشجع على المنافسة ويدعم القطاع الخاص ويسمح للأفراد بتحديد مسارهم الاقتصادي، إلى جانب تركيزه على العدالة الاجتماعية. ولا تتدخل الدولة إلا في حدود توفير الخدمات الاجتماعية، مثل التعليم والرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية، بما يضمن مستوى عيش لائقاً وكافياً لجميع المواطنين، لا سيما الفئات الضعيفة.

كما يُعدّ التنظيم الحكومي من خصائص هذا الاقتصاد، إذ لا تملك الدولة جميع وسائل الإنتاج كما في النظام الاشتراكي، لكنها تضطلع بدور في تنظيم الأسواق وضمان عدم الاحتكار، إلى جانب وضع سياسات مثل الحد الأدنى للأجور وغيرها من الإجراءات التي تحمي الفئات الأقل دخلاً.

ويقوم بذلك توازن بين آليات السوق والرفاهية الاجتماعية في اقتصاد السوق الاجتماعي، حيث يظل السوق المحرك الرئيس للإنتاج والتوزيع والأداء الاقتصادي والنمو والاستثمارات والحراك الاقتصادي، فيما تتدخل الدولة لضمان ألا تكون الفرص الاقتصادية أو توزيع العوائد محصورة بفئة دون أخرى، أو أن تستأثر بها جهة دون أن تحصل بقية الأطراف على نصيب من العائد الاقتصادي.

ويعمل هذا النظام على تقليص الفوارق الاجتماعية. أما الاقتصاد الحر فيتحقق فيه مستوى من العدالة، مع تدخل الدولة في ما يتعلق بمنع الاحتكار وضمان المنافسة. وبالتالي فهو اقتصاد رأسمالي “بنكهة اشتراكية”، لكنه ليس اقتصاداً اشتراكياً، وإنما اقتصاد رأسمالي منضبط.

ويبرز هنا الفرق بين الاقتصاد الرأسمالي في الولايات المتحدة، غير المنضبط بقواعد السوق الاجتماعي، وبين الاقتصاد في ألمانيا حيث يسود اقتصاد سوق اجتماعي منضبط، مع جهود لتقليص الفجوات بين فئات المجتمع، بما يعزز شعوراً عاماً بالطمأنينة سواء على مستوى المعيشة أو المستقبل، وفق عايش.

متطلبات اقتصاد السوق

يقول عايش إن الأمثلة على اقتصاد السوق الاجتماعي كثيرة في العالم، حيث يعتمد مثلاً النظام الألماني على الاقتصاد الحر، مع ضمانات اجتماعية قوية تشمل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والتعليم المجاني. كما أن بعض الدول الإسكندنافية مثل السويد والنرويج والدانمارك تعتمد أيضاً على هذا النموذج، الذي يطلق عليه أحياناً اسم نموذج دول الرفاهية الاجتماعية.

بصورة عامة، يُعد هذا الاقتصاد نموذجاً يجمع بين عناصر الرأسمالية، أي الحرية الاقتصادية والسوق المفتوح والمنافسة الكاملة، مع إدخال بعض التدخل الحكومي لضمان العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الضعيفة. ويأتي هذا التدخل ضمن إطار قانوني ونظامي يقرّه مجلس النواب أو البرلمان، بهدف تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي دون إلغاء دور آليات السوق، بحيث تبقى الفاعلية الأساسية للسوق ضمن اقتصاد حر رأسمالي منضبط بقواعد الحماية الاجتماعية.

أما في الحالة السورية، فإن متطلبات اقتصاد السوق تتمثل بوجود حد أدنى للأجور، وكفالة التعليم، الذي يكون مجانياً في بعض الدول أو منخفض الكلفة في دول أخرى، إضافة إلى ضمان الحصول على الرعاية الصحية الأولية ومستويات أخرى من الرعاية الصحية. كما تشمل هذه المتطلبات ضمان حق العمل للعاملين والموظفين، وحقهم في المطالبة بتحسين الأجور وزيادتها. ويستدعي ذلك أيضاً وجود نظام ضريبي تتحمل فيه الفئات المكلفة نسباً قد تكون أعلى من المعدلات الضريبية المعمول بها.

في المقابل، تشير تجارب دول أخرى إلى أن مستوى الحماية الاجتماعية لا يكون مكتمل البناء بالصيغة نفسها المعتمدة في ألمانيا أو الدول الإسكندنافية، حيث تتحول الضرائب في هذه الحالات إلى أداة مزدوجة تؤدي دور الضمان الاجتماعي من جهة، وتغطي احتياجات الصحة والتعليم من جهة أخرى خلال فترة العمل، إضافة إلى كونها تشكل إطاراً لتأمين العاملين والموظفين في مرحلتي التقاعد والشيخوخة.

وانطلاقاً من هذا التصور، فإن تكريس هذه المفاهيم في السياق السوري يعني الانتقال من مستوى حماية اجتماعية شكلية إلى حماية اجتماعية فعلية، مع عمل الاقتصاد وفق قواعد السوق بما تتضمنه من تحقيق الربح وترسيخ الملكية الفردية والجماعية ضمن الأطر القانونية، من دون قيود على مبدأ الحرية الاقتصادية، ولكن ضمن ضوابط اجتماعية تعكس متطلبات اقتصاد السوق الاجتماعي واحتياجات مرحلة إعادة البناء والتعمير.

ويؤدي ذلك إلى إيلاء أهمية خاصة لحماية الفئات الشعبية المهمشة، باعتبارها ركيزة أساسية في بناء الثقة بين الدولة والاقتصاد، بما ينعكس على تعزيز الإحساس بالشراكة الاقتصادية، وترسيخ فكرة أن جميع الأطراف أصحاب مصلحة في تحسين الأداء الاقتصادي. كما أن هذا النموذج يرفع من العائد الاقتصادي والاجتماعي، ويعزز الاستقرار الحالي والمستقبلي من خلال توفير قدر أكبر من الحماية، وتثبيت الثقة في المجتمع.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن البيئة السورية، في ظل ظروفها الراهنة وبداياتها الجديدة، تمتلك إمكانية تأسيس قواعد اقتصاد السوق، لاسيما مع توفر عدد من أدواته الأساسية بالفعل.

ويشير عايش إلى أن الحديث عن الحد الأدنى للأجور، والضمان الاجتماعي، ومجانية التعليم، إضافة إلى الرعاية الصحية وضمان المنافسة ومنع الاحتكار، يندرج ضمن المدخلات الأساسية لاقتصاد السوق الأكثر تطوراً. ويرى أن هذا النموذج يُعد الأكثر عمقاً من حيث البناء المؤسسي، كونه ينطلق مع مرحلة اقتصادية جديدة تقوم على الحرية الاقتصادية بدلاً من التقييد، وعلى أداء اقتصادي يُفترض أن يعمل ضمن بيئة منظمة تقل فيها التدخلات غير المنضبطة أو مظاهر الفساد التي تؤثر في فاعلية هذا الأداء.

عزة شتيوي

المصدر: الثورة السورية

آخر الأخبار