تتجه برلين إلى توسيع حضورها الصناعي خارج الحدود الأوروبية، مدفوعة بارتفاع تكاليف العمالة والطاقة وتراجع مؤشرات التنافسية خلال الأعوام الأخيرة، وشهدت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس، مطلع العام الحالي، إلى الهند توقيع 27 إعلاناً وتصريح تعاون، في أول جولة رسمية كبرى له إلى آسيا، وتركزت الاتفاقيات على استقطاب العمالة الماهرة إلى قطاع الرعاية الصحية الألماني، وسط ارتفاع عدد العاملين الهنود في ألمانيا من نحو 25 ألفاً عام 2015 إلى 170 ألفاً عام 2025.
كما جرى في نيودلهي بحث إنشاء وحدات إنتاج جديدة وشراكات صناعية طويلة الأمد، بما يضمن استقرار سلاسل التوريد وتعزيز القدرة التصديرية للاقتصاد الألماني، وتُظهر البيانات الصادرة عن مؤسسات اقتصادية ألمانية أن قطاعات صناعية عدة أعادت تقييم تموضعها الجغرافي بحثاً عن كلفة أقل ومرونة أعلى.
وربما يُقرأ التوجه الألماني الجديد بوصفه إعادة تموضع استراتيجية للصناعة الألمانية باتجاه أسواق صاعدة توفر كلفة إنتاج أقل وموارد بشرية أوسع، مع الحفاظ على التفوق التكنولوجي الألماني في حلقات أساسية من سلاسل القيمة، وتعكس تحليلات اقتصادية ألمانية أن برلين تسعى إلى تنويع شركائها الصناعيين وتقليل اعتمادها على مسارات تقليدية في التوريد والتصنيع خارج الحدود، بما يعزز مرونة اقتصادها في مواجهة التقلبات الدولية.
وفي هذا السياق، قال الخبير والمستشار الاقتصادي أسامة القاضي: “إن الاقتصاد الألماني يشهد إعادة تموضع صناعي مدروس تستهدف الحفاظ على قدرته التنافسية عالمياً، والبحث عن مواقع إنتاج جديدة أصبح خياراً استراتيجياً واضحاً”.
وأضاف القاضي في حديثه لصحيفة «الثورة السورية» أن سوريا تملك عناصر جذب حقيقية إذا أُحسن توظيفها، موضحاً أن “وجود جالية سورية واسعة في ألمانيا يمنح فرصة لبناء شراكات تقوم على الثقة والخبرة المتبادلة، ولا سيما في قطاعات تمتلك فيها سوريا تاريخاً صناعياً معروفاً كالغزل والنسيج والتصنيع الزراعي”.
وأشار إلى أن إعادة تأهيل زراعة القطن بأساليب علمية حديثة يمكن أن تشكل قاعدة لصناعة نسيجية متطورة ترتبط بشركات ألمانية من حيث الإدارة والتسويق ونقل التكنولوجيا، مؤكداً أن “القيمة المضافة للإنتاج السوري يمكن أن ترتفع إذا أُدخلت معايير جودة دقيقة وربطت سلاسل التوريد بالأسواق الأوروبية”، ويرى أن تطوير التصنيع الزراعي، عبر تقنيات ري حديثة وأنظمة تعبئة متقدمة، قد يفتح آفاقاً تصديرية جديدة ويعيد الحيوية إلى مناطق إنتاجية واسعة.
الكفاءات السورية في ألمانيا بوابة الشراكة الصناعية
ويستحضر القاضي تجربة الإصلاح الاقتصادي التي قادها لودفيغ إيرهارت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث كانت ألمانيا في حالة انهيار اقتصادي شامل؛ إذ تراجع الإنتاج الصناعي إلى الثلث، وانخفض الإنتاج الغذائي إلى النصف، وفقدت العملة قيمتها، ما دفع الناس إلى المقايضة بدل النقود، وانتشرت الأسواق السوداء في ظل ضوابط حكومية صارمة على الأسعار وتوزيع الموارد.
في هذه الظروف الصعبة برز الاقتصادي لودفيغ إيرهارت كأحد أبرز المهندسين لإعادة بناء اقتصاد ألمانيا الغربية، فساهم في إصلاح العملة الألمانية عبر إدخال عملة جديدة في 21 حزيران 1948، وخفض ضخ النقود المتداولة بنحو 93 بالمئة، مع إلغاء ضوابط الأسعار في اليوم ذاته، وهو قرار كان مثيراً للجدل حينها.
هذه الخطوة أعادت الحيوية للسوق التجارية بسرعة، إذ ملأت المتاجر مخزونها عندما تبيّن أن العملة الجديدة كانت ذات قيمة، وتوقفت المقايضة، وانتهت السوق السوداء، وعاد الألمان إلى العمل والإنتاج بطريقة أسرع مما توقع كثيرون.
إسهامات إيرهارت في إرساء “نظام السوق الاجتماعي”، المستند إلى اقتصاد حر مع ضمانات اجتماعية، تضافرت مع دعم خارجي مثل خطة مارشال الأميركية، وأسهمت فيما عُرف بـ”المعجزة الاقتصادية الألمانية” التي جعلت من ألمانيا الغربية قوة صناعية مزدهرة بحلول نهاية خمسينيات القرن العشرين.
من جهته، قال الصحفي الاقتصادي محمد الشيخ علي: “إن بعض الشركات الألمانية بدأت بتأهيل كوادر سورية مقيمة في ألمانيا لتتولى أدواراً إشرافية في وحدات إنتاج خارجية، وهو مؤشر على وجود تفكير عملي في الاستفادة من هذه الطاقات”.
وأوضح الشيخ علي في حديث مع صحيفة «الثورة السورية» أن هذه الكوادر تمتلك معرفة بالبيئة الإدارية الألمانية وخبرة بالسياق السوري، ما يمنحها قدرة على أداء دور جسري بين الطرفين، مضيفاً أن “تحويل هذه المؤشرات إلى استثمارات فعلية يحتاج إلى ضمانات قانونية واضحة واستقرار إداري يعزز ثقة المستثمرين”.
ويرى أن أي مسار نحو شراكة صناعية ناجحة يستدعي مبادرات عملية تشمل تطوير التعليم المهني، وتعزيز برامج اللغة الألمانية، وتهيئة مناطق صناعية ببنية تحتية ملائمة في مدن كحلب ودمشق، إضافة إلى توفير بيئة تشريعية جاذبة لرؤوس الأموال، كما أن توفير مدارس ثنائية اللغة قد يسهم في تسهيل عودة الكفاءات وأسرهم، بما يضمن استقراراً اجتماعياً يدعم العملية الإنتاجية.
وختم الشيخ علي بالتشديد على أن التحولات الجارية في الاستراتيجية الصناعية الألمانية تضع سوريا أمام فرصة اقتصادية تحتاج إلى رؤية واضحة وخطوات مدروسة، فالمسألة ترتبط بقدرة الاقتصاد السوري على تقديم نموذج شراكة موثوقة يستند إلى كفاءة بشرية وخطة تحديث صناعية شاملة، وإذا ما توفرت الإرادة والإدارة الفعالة، فقد يشكل التعاون الصناعي مع ألمانيا مدخلاً لمرحلة تعاف اقتصادي تدريجي يعيد تنشيط القطاعات الإنتاجية ويعزز الحضور السوري في الأسواق الإقليمية والدولية.
الجدير بالذكر أن وزير الخارجية أسعد الشيباني افتتح الخميس (12 شباط 2026) القنصلية السورية في مدينة بون، واصفاً الخطوة بأنها محطة مهمة من مسار العمل الدبلوماسي، وأكّد الوزير الشيباني أن القنصلية ستكون بيتاً لكل سوري وجسراً لتعزيز التعاون والصداقة بين سوريا وألمانيا.
مختار الابراهيم
المصدر: الثورة السورية



































