مع دخول رمضان، يكثر الحديث عن الفوائد الصحية للصيام، لكن قبل التوسع في هذا الجانب، لا بد من التأكيد على حقيقة أساسية كثيرا ما تُهمَل: الطبيب المعالج هو الجهة الوحيدة المخوّلة بتحديد ما إذا كان الصيام آمنا لكل فرد.
لا يجوز لأي شخص أن يقرّر الصيام أو الإفطار اعتمادا على شعوره الشخصي، أو بناء على فتوى عامة، أو معلومات متداولة عبر الإنترنت، خصوصا عند الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم واضطرابات الغدة الدرقية.
فلكل حالة خصوصيتها، ويجب أخذ نوع الدواء وجرعاته وانتظام المؤشرات الحيوية والحالة العامة للجسم بعين الاعتبار، لضمان أن يكون الصيام تجربة آمنة لا تهدد الصحة.
هذه الحقيقة البسيطة غالبا ما تغيب في ظل الضجة الإعلامية التي تقدّم الصيام أحيانا كأنه وصفة سحرية لكل الأمراض، وهو انطباع يحتاج إلى تصحيح منذ البداية.
الصيام في رمضان ليس مجرد امتناع لساعات عن الطعام والشراب، بل هو تجربة أيضية متكاملة تُحدِث تغيرات فسيولوجية ملموسة داخل الجسم. فبعد استهلاك مخزون الغلوكوز، وهو مصدر الطاقة الأساسي والسريع، يبدأ الجسم بالاعتماد بشكل أكبر على الدهون كمصدر للطاقة، وينخفض مستوى الإنسولين، بما يسمح للخلايا باستعادة حساسيتها له.

شروط للاستفادة
هذا التحول الأيضي يخفف العبء الاستقلابي عن الجسم، ويساهم في تحسين استجابة الخلايا للسكر، وهي نقطة جوهرية في عالم تتزايد فيه معدلات السكري من النوع الثاني ومقاومة الإنسولين.
غير أن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائيا؛ إذ ترتبط بوجبات إفطار وسحور معتدلة، ونوم كافٍ، ونشاط بدني مناسب، بينما قد يؤدي الإفراط في الحلويات والمقليات، والسهر الطويل، واضطراب النوم إلى إضعاف أو إلغاء أثر الصيام الصحي.
كما سجّلت المراجعة انخفاضا في محيطي الخصر والورك ونسبة الخصر إلى الورك، مع تراجع طفيف في كمية الدهون ونسبتها، في حين بقيت الكتلة الخالية من الدهون وإجمالي ماء الجسم دون تغيير يُذكر.
وتؤكد هذه النتائج أن للصيام أثرا ملموسا في بنية الجسم، لكنه غالبا قصير المدى، وأن استمرار أي فائدة إيجابية يتطلب تبني نمط حياة صحي بعد رمضان.

نتائج هذه المراجعة انسجمت مع مراجعة شاملة أخرى نُشرت في العام نفسه، وأعادت تحليل 11 دراسة منهجية تناولت أثر صيام رمضان في مؤشرات متلازمة الأيض، وهي مجموعة من العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري.
وأشارت النتائج إلى انخفاض في الوزن ومحيط الخصر، وتحسن متواضع في مستويات الدهون الضارة والكوليسترول الكلي، وارتفاع في الكوليسترول النافع، إلى جانب انخفاض في ضغط الدم وسكر الدم الصائم، بما يشير إلى دور محتمل لصيام رمضان في خفض خطر متلازمة الأيض وتحسين ضبط سكر الدم لدى بعض الحالات.
تحفيز الالتهام الذاتي
على المستوى الخلوي، تُظهر الأبحاث أن الصيام يحفّز عملية “الالتهام الذاتي”، وهي آلية حيوية تعيد فيها الخلية تدوير مكوناتها التالفة للحفاظ على كفاءتها وتوازنها الداخلي، بما يساهم في تحسين كفاءة إنتاج الطاقة داخل الخلية.
ومع أن معظم الأدلة المتوفرة حول الالتهام الذاتي جاءت من دراسات مخبرية وتجارب على الحيوانات، إلا أن بعض الدراسات تشير إلى أن تحفيزه بشكل واضح قد يتطلب فترات صيام أطول تمتد في بعض البروتوكولات إلى نحو 42–48 ساعة، وهذه المدد لا تنطبق على نمط الصيام اليومي المعتاد في رمضان، بل على أنظمة صيام خاصة تُجرى غالبا تحت إشراف طبي.
لذلك ينبغي التعامل مع فكرة الالتهام الذاتي في رمضان باعتبارها آلية محتملة ضمن سياق التغيرات الأيضية العامة، لا كأثر مؤكد مماثل لما يُرى في تجارب الصيام المطوّل.
تجربة نفسية وروحية
يتجاوز صيام رمضان حدود المؤشرات البيولوجية الصرفة ليشكل تجربة نفسية وروحية متفردة. فممارسة تأجيل الإشباع وضبط الرغبات والالتزام بإيقاع يومي منظم، كلها عناصر تعزز ضبط النفس وتقوي القدرة على الصبر والتحكم في النزوات، وهو ما يجعل رمضان مختلفا عن أي نظام غذائي أو حمية صحية أخرى.
في جوهره، رمضان عبادة تُخاطب الروح قبل أن تخدم الجسد، وتجربة إنسانية شاملة تمس الجسد والعقل والروح في آن واحد، حيث تتداخل الفوائد الصحية المحتملة مع الأثر النفسي والروحي لتصنع تجربة صيام متكاملة وعميقة.
في المحصلة، ليس صيام رمضان مجرد وسيلة لضبط الوزن أو تحسين المؤشرات الصحية، ولا هو علاج سحري للأمراض. فالدراسات السريرية والمراجعات المنهجية الحديثة تشير إلى أن الصيام قد يحمل أثرا إيجابيا ملموسا على مستويات السكر والدهون وضغط الدم، شريطة أن يُمارَس بقدر من الاعتدال والوعي، وتحت إشراف طبي عند الحاجة.



































