كانت الحكومة السورية قبل سقوط النظام تعتمد خطة زراعية تقدم فيها زراعة المحاصيل التي تصفها بالاستراتيجية على غيرها. فالقمح والشعير ومن ثم القطن تعدّ محاصيل أساسية، ولا أهمية ضمن الخطة الزراعية السورية قبل سقوط النظام للزراعات الصناعية مثل الذرة وعباد الشمس والشوندر السكري، ما أجبر معامل الزيوت النباتية والسكر على الاستيراد أو التوقف عن الإنتاج.
كما إن النظام السابق كان يضع الزراعات العطرية في آخر أولوياته، بزعم أنّها غير استراتيجية لخططه، على الرغم من كون زراعة محاصيل مثل الزعفران وريش العصفر والكمون، تحقق أرباحاً عالية نتيجة للهوة الشاسعة بين تكاليف الإنتاج والتسويق الذي يعتمد في عملية البيع على سعر بالدولار الأمريكية والوزن بالغرام الواحد.
ويقول خبير الاقتصاد الزراعي المهندس مهند الأصفر خلال حديث لـ”المدن”: الزراعات البديلة زراعات مهمة جدًا وتتمحور حول شيئين أساسيين: الاقتصاد الزراعي والاقتصاد المنزلي، حيث تشجع الدولة هذه الزراعات، لكن سوريا وكالكثير من الدول كانت تركز في القطاع الزراعي على المحاصيل الأساسية أو الاستراتيجية، كالقمح، والشعير، والقطن، والشوندر، فمن المهم أن تؤمن الدولة احتياجاتها كأمن غذائي من هذه المحاصيل، لكن دون تعارض بيئي أو زراعي مع الزراعات الأخرى، لأن أغلب الزراعات البديلة أو الاقتصادية تُزرع بعد هذه المحاصيل، مثل الكزبرة، مشيراً إلى أن انتاج الكزبرة في سوريا وصل إلى أزيد من 100 ألف طن، ما يعني أنه استهلك نحو 300 ألف هكتار لانتاج هذه الكمية.
الأصفر يشير في حديثه لـ”المدن” إلى أن الزراعات البديلة متشعبة، وأهمها “الكمون، الكزبرة اليابسة، الزعفران، العصفر”، وغيرها من النباتات التي تعتبر ذات أهمية كبيرة لاقتصاد الدولة، كما أنها ذات مردود اقتصادي جيد على المستوى المنزلي.
المطلوب اليوم أن تتضافر جهود وزارة الزراعة والمنظمات لتشجيع زراعة هذه المنتجات ذات المردود الاقتصادي العالي. وقد عملت بعض المنظمات، مثل الفاو، على تشجيع هذه الزراعات لسنوات، واهتمت بمنظومة الزراعات الأعلى مردودية، والتي تشمل الكمون، والزعفران، إضافة إلى الكزبرة. كما أن هناك صناعات تعتمد على هذه الزراعات، فتشغّل العوائل في الزراعة، ثم توفر لهم فرصًا في الصناعات المرتبطة بها، مما يجعلها زراعات اقتصادية مهمة بالفعل.

الزراعات البديلة مهمة للغاية، ومنها النباتات الطبية، مثل الكزبرة والبابونج والروزماري والميرمية والورد الشامي، الذي يُزرع بكميات كبيرة في منطقة “المراح بقسطل”، وتُستخرج منه الكريمات الدوائية، المشروبات، والزيوت، لافتاً إلى أن سعر ليتر زيت الورد الشامي يتجاوز 45-50 ألف دولار، ويحتاج الليتر الواحد إلى كميات ضخمة من الورد، وهي من النباتات المناسبة جداً للبيئة السورية من حيث التربة والمناخ، كما أن نسبة الري التي تحتاجها أقل من غيرها من المحاصيل.
يؤكد الأصفر أن من الضروري إلغاء دور الوسيط في تسويق المنتجات الزراعية، لأنه يأخذ جزءًا كبيرًا من أرباح الفلاح. وكذلك يجب البحث عن حلول لتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعي، نظرًا لأن سوريا بلد زراعي بالأساس.
في السنوات الماضية، كان هناك ضعف في الإمكانيات، ونقص في موارد الري، ما أثر على الأمن الغذائي. كان الهدف تأمين الأمن الغذائي، ولكن في السابق، كان الفلاح يواجه مشكلات عديدة، مثل نقص المازوت، والأسمدة، والمياه للري، فلماذا يزرع محصولًا استراتيجيًا إذا كانت الدولة تشتريه منه بأقل من تكلفة إنتاجه؟.
ويلفت خبير الاقتصاد الزراعي إلى أن الحكومة السورية في زمن النظام السابق كانت تظلم فلاحي الزراعات التقليدية. فعلى سبيل المثال كانت تكلفة طن القمح مثلًا 6-7 مليون ليرة، بينما كانت الدولة تشتريه بـ4 مليون، ما أدى إلى خسائر متكررة للفلاح.
لذلك، يجب إنصاف الفلاح ودفع تكاليف عادلة للقمح، والآمال معقودة على أن تكون هناك سياسات حكومية جديدة توفر أسعارًا مناسبة وتقدّر جهود الفلاحين، كما يجب التوسع في الزراعات البديلة لصالح الزراعات الاستراتيجية، ولكن يجب التوسع فيها واتخاذ قرارات واضحة من وزارة الزراعة لدعمها، لأنها مفيدة للجميع، ولها استخدامات جيدة، كما أنها قابلة للتصدير للدول التي تعتمد عليها في صناعاتها.
الذهب الأحمر
وتقول المختصة بالمحاصيل الحقلية، د. رزان عبان لـ”المدن” إن زراعة الزعفران بدأت في سوريا خلال العام 2013 من خلال اللجنة الوزارية، التي عملت على زيادة عدد الكورمات الموجودة في سورية نتيجة لقلة عددها، والتي كانت تنتشر لدى عدد من المزارعين.
وكان الهدف الاولي الحفاظ على المادة الخام الأولية، ومن ثم إنتاج المياسم السورية ببصمتها الخاصة، وبعد إكثار الكورمات، أطلقت عملية زراعة الزعفران في قرية “التلة”، في محافظة طرطوس، من خلال توزيع فورمات بشكل مجاني على المزارعين في العام 2021، وإعطاء الفلاحين المعلومات الأساسية والضرورية للتعامل مع هذا المحصول.
وتم اختيار منطقة “التلة” التي ترتفع حوالي 800 متر عن سطح البحر، وبالتالي فإن مناخها البارد يساعد على إكثار الزعفران وإزهاره.
د. شعبان، وهي تشغل منصب عضو لجنة اكساد للاشراف على زراعة الزعفران، تضيف في حديثها لـ”المدن” : الزعفران هو نبات بصلي معمر يزرع في منتصف شهر أيلول وحتى أوائل تشرين الأول، ويبدأ الإنبات بعد شهر من الزراعة.
أما الإزهار فيكون بعد شهر ونصف الشهر من الزراعة، ويعد موسم الإزهار هو الموسم الاقتصادي للزعفران، ويجب تفقد النبات في وقت مبكر من النهار لقطاف الأزهار ومن ثم عزل المياسم. ويتسبب تعرض الأزهار لأشعة الشمس لفترة طويلة إلى فقدان المياسم للمواد الفعالة فيها، ويمتد موسم الأزهار إلى ما يقارب الشهر، ليبدأ بعدها النبات في موسم الإكثار، والتي تعني إنتاج كورمات ملتصقة بـ الكورما الأم.

تعتمد كمية إنتاج الزعفران المعروف بـ “الذهب الأحمر”، على المناخ وخصوبة التربة، كما أن الزعفران من الزراعات التي تعتمد على الأسمدة العضوية دون استخدام الأسمدة الكيميائية، وهو من النباتات التي تعتمد على الأمطار في عملية الري، على الرغم من تقديم الري لمرتين من قبل الفلاحين خلال المرحلة الأولى من الزراعة.
ويمكن اعتبار أن زيادة الأمطار وانخفاض درجات الحرارة من العوامل الأساسية في جودة عملية الإزهار وفي هذا الصدد تقول د. شعبان لـ”المدن”: “خلال السنوات الماضية كانت معدلات البرد قليلة في سوريا ما أدى إلى تأثر الزعفران سلباً، ويستمر النبات بتكوين الكورمات حتى منتصف آذار، وتبدأ أوراق النبات بالإصفرار والتي تصل لمرحلة القطاف في الصيف، ويفضل الاحتفاظ بالكورمات خلال فصل الصيف دون ريّ إذا ما لم يكن الفلاح راغباً بتسويق الكورومات، ومع بداية شهر تشرين الأول تبدأ عملية الري من جديد، ليبدأ موسم إزهار جديد”.
وتختلف كمية الأزهار ونوعيتها بحسب حجم الكورمات. فبعد أربع سنوات من زراعة الزعفران في منطقة التلة، تمكن كل فلاح حصل على 300 كورما من الوصول إلى كمية 2000 كورما، علماً أن كمية انتاج المياسم تبلغ بمعل 1 غرام من كل 150 زهرة، وكان سعر الغرام الواحد خلال الموسم الماضي يتراوح بين 40-45 ألف ليرة سورية (4-4.5 دولار أمريكي)، ويعد الزعفران من الزراعات الواعدة جداً في سوريا خاصة في مناطق الساحل التي تعد فيه هذه الزراعة من الزراعات الرديفة (ضمن الأراضي المشجرة)، وهناك أمال بدعم هذه الزراعة.
وفي حديث لـِ “المدن” يقول المزارع رياض عزام الذي يمتلك أرضاً زراعية بريف السويداء: “يزرع الزعفران من خلال تقسيم الأرض إلى خطوط مرتفعة قليلاً عن مستوى الأرض، والمسافة الفاصلة بين الخط والآخر تصل لنحو متر ليتمكن العمال من إتمام عملية الزراعة مثل التعشيب والقطاف، وتكون المسافة الفاصلة بين البصلة والأخرى حوالي 20 سم، ويحتاج الزعفران للسقاية بمعدل كل عشرة أيام.
يوضح عزام أن كل زهرة تحتوي على ثلاثة مياسم، ومن ثم يوضع على قماش أبيض ليتم تجفيفه في الظل بعيداً عن الشمس والضوء، والتوجه إلى زراعة الزعفران لأنها من الزراعات المربحة. لكن هناك مشكلة في توزيع الإنتاج لعدم دعم الدولة لتسويق الإنتاج، ما يضع الفلاحين تحت رحمة التجار، ونأمل أن تقوم الحكومة الجديدة بدعم زراعة الزعفران ويعد التسويق وانعدام وجود اليد العاملة الخبيرة، من أهم معوقات الإنتاج، علماً أن هذه الزراعة سهلة ولا تحتاج إلى الأسمدة.
بدوره يقول عضو اتحاد غرف الزراعة السورية سلمان عبد الله الأحمد: يجب تسهيل تأمين مستلزمات زراعة الزعفران للمزارعين مثل الأبصال وحيويتها مضمونة من خلال مشاركة الجامعات، ومن الضروري إنشاء قنوات تسويقية وتشجيع على الصناعات التحويلية المرتبطة بزراعة الزعفران لزيادة القيمة الإضافية على هذه الزراعات، وهي زراعة واعدة جدًا في سوريا.
من جانبه يعتبر خبير الاقتصاد الزراعي مهند الأصفر أن “الزعفران على وجه الخصوص، يعتبر من الزراعات الحديثة، والمنظمات بالتعاون مع وزارة الزراعة تعمل على تنفيذ مساحات واسعة منه، وقد ساهمت منظمات مثل “أكساد” في توزيع الكورمات على الأهالي وتشجيع زراعتها، لكن يجب الابتعاد عن النمطية في إنتاج الزعفران، والبحث عن مشاريع حكومية ممولة من قبل المنظمات لتوسيع هذه الزراعات، نظرًا لما لها من أهمية اقتصادية عالية، النباتات العطرية والطبية توفر فرص عمل لآلاف العائلات، ولكن لا تزال تفتقر إلى قنوات تسويقية حقيقية، حيث نعتمد على الطرق التقليدية، إذ يجفف المزارع بعض الأزهار ويبيعها للتاجر بأسعار منخفضة، ليقوم الأخير ببيعها بأسعار مرتفعة جدًا.
ويضيف بالقول: ” الزعفران يعد نباتاً منتجاً اقتصاديًا بكل معنى الكلمة، كما أن مفهوم الاقتصاد المنزلي ينطبق عليه، لأنه يُباع بالغرامات بأسعار مرتفعة جداً لذلك من الضروري أن يكون هناك استيراد منظم للكورمات خلال الفترات الأولى، نظرًا لانخفاض الإنتاج المحلي، وأن يكون هناك تعاون وثيق لزيادة انتشاره في سوريا، خصوصاً أن الأراضي الزراعية في البلاد مناسبة جداً لهذا النوع من الزراعة”.
الكمون.. موسم مظلوم
يعتبر الكمون من الزراعات البعلية المتأخرة والتي تبدأ في الشهر الأخير من العام، ويزرع مروياً في بداية شهر شباط ويتم حصاده بعد حوالي 70 يوماً من الزراعة وتشير التقديرات إلى أن كل واحد دونم من الأرض (1000 متر مربع)، يعطي كميات تتراوح ما بين 50-100 كغ من الكمون، والعامل الأساس في تذبذب كميات الإنتاج هو موسم الأمطار، وتراوح سعر الطن الواحد خلال الموسم الحالي ما بين 3000 – 3500 دولار أمريكي في الأسواق السورية وفقاً لما رصدت “المدن”.
ويقول عضو اتحاد غرف الزراعة السورية سلمان الأحمد في حديثه لـ”المدن” إن “الكمون السوري يحظى بشهرة واسعة وهو ذو مردود اقتصادي عالٍ جداً وبالتالي، فإن الكمون السوري يعتمد على الزراعات البعلية، لكن مشكلته أنه يتأثر بالتقلبات المناخية، وللأسف شهدت سوريا خلال السنوات الماضية ظروفًا مناخية صعبة، وتعرض الفلاحون لخسائر فادحة، وكان هناك شح في الأمطار، حتى المناطق التي تمت زراعتها عن طريق الري تعرضت لأمراض، لأن الكمون حساس للرطوبة العالية، مما أدى إلى انتشار أمراض فطرية كثيرة مثل لفحة الكمون وتعفن الجذور، التي يمكن أن تدمر المحصول بالكامل.
ويشرح الأحمد بالقول: تعرض الكمون للإصابة بأمراض رئيسية أثرت على جودته وكميته، مثل مرض الذبول (الفيوزاريوم)، والذي يعتبر من أخطر الأمراض التي تصيب الكمون. وينتج عن فطر يعيش في التربة وينتقل عن طريق البذور، ما يؤدي إلى ذبول مفاجئ للنباتات وموتها، ةيتسبب بخسائر كبيرة للفلاحين وبالتالي العزوف عن هذه الزراعة والبحث عن بدائل والابتعاد عنها، إلا أن الكمون يعد من الزراعات الواعدة في سورية
ويقول الأحمد: بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج لمكافحة الأمراض والآفات وتأثيرات الجفاف، يحتاج المزارعون إلى استخدام الأسمدة والمبيدات التي ارتفعت أسعارها على نحوٍ كبير، وهذا ما يزيد من أعبائهم ويقلل من هامش الربح، لافتاً إلى أن “هذا الأمر ينطبق على النباتات الطبية والعطرية، إذ هناك ضعف في عمليات ما بعد الحصاد والتسويق لضمان جودة المنتج ووصوله بأفضل جودة إلى الأسواق العالمية، كما أن الكمون السوري وعدداً كبيراً جداً من النباتات العطرية والطبية، والتي تصل إلى أكثر من 360 نوعًا، تعتبر من أشهر المنتجات السورية التي أصبحت تحظى بشهرة عالمية كبيرة، وهذه الزراعات تعد فرصاً استثمارية واعدة جداً إذا أحسنّا إدارة القطاع الزراعي”.
ريش العصفر
من جهته، المزارع محمد المصطفى المتحدر من محافظة إدلب، يشير خلال حديثه لـِ “المدن” إلى أن زراعة العصفر تبدأ في الشهر الأخير من العام، وبتكلفة تصل إلى 200 دولار لكل دونم من الأرض (1000 متر مربع)، ويحتاج للأسمدة الكيمائية، وتبدأ عملية قطاف ريش العصفر ومن ثم تجفيفها، ويبلغ سعر تسويق ريش العصفر حوالي 9 دولار لكل غرام، فيما يبلغ سعر الطن الواحد من بذار العصفر حوالي 500 دولار أمريكي.
وتتراوح إنتاجية الدونم الواحد من الأرض (1000 متر مربع)، ما بين 20 و40 كلغ من ‘ريش العصفر’، وما بين 300 و400 كغ من ‘حب العصفر’ بينما تكاليف الزراعة يتم حسابها على عملتين إذ يحتاج الدونم الواحد إلى كيلوغرامين من بذار العصفر ويتم شراؤها بـ10 ليرات تركية (4450 ليرة سورية أي ما يعادل 30-35 سنتاً أمريكياً).
في حين يحتاج الفلاح إلى دفع مبلغ 100 دولار أمريكي لاستئجار كل دونم من الأرض في حال لم يكن من مالكي الأراضي، ولا يوجد تكاليف للسقاية غالباً إذ يعد من المواسم التي تزرع بعلاً، لكن تكاليف الحصاد هي الكبرى”.
المصدر: المدن



































