يشكل شهر رمضان المبارك موسماً استثنائياً للعطاء والخير، تتنوع فيه أشكال تقديم المساعدة، لكن في ظل التحديات الاقتصادية الكبرى التي تواجهها البلاد، تبرز أهمية مفهوم “العطاء من أجل التنمية” كبديل استراتيجي عن المساعدة الإغاثية المؤقتة، ليحوّل العطاء الرمضاني إلى استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري والمشاريع الإنتاجية.
إعادة تعريف العمل الخيري
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي، أن الموسم الرمضاني فرصة ذهبية لإعادة تعريف مفهوم العمل الخيري، والانتقال به من دائرة “المساعدة الإنسانية الإغاثية المؤقتة” إلى فضاء أرحب وأكثر استدامة، هو “الاستثمار الاجتماعي”.
ويؤكد خربوطلي أن هذا التحول لا يتعارض مع روح العطاء، بل يحقق أهدافه النبيلة في محاربة الفقر وتحسين مستوى المعيشة بشكل أكثر جذرية وفعالية.
ويضيف: “يكمن جوهر العطاء التنموي في إحداث تغيير مستدام في حياة الأفراد والمجتمعات، فبدلاً من النمط التقليدي القائم على تقديم المساعدة الآنية، يدعو هذا المفهوم إلى توجيه الموارد نحو مشاريع استراتيجية تعالج الأسباب الجذرية للفقر والبطالة”.
ويوضح أن المتبرع يتحول في هذا النمط إلى “مستثمر اجتماعي” طويل الأمد، يسعى لتحقيق أكبر أثر لمبادرته، سواء عبر التمكين الاقتصادي، أو دعم التعليم، أو تمويل المشاريع الصغيرة.
وضمن فكرة “عطاء تنموي مستدام”، يقدم خربوطلي نماذج عملية لتحويل التبرعات إلى أدوات إنتاجية، تساعد على التمكين الاقتصادي عبر “وقف النقود”.
وبحسب خربوطلي، يعتمد هذا النموذج على حبس مبلغ نقدي من قبل المتبرع واستثمار أرباحه، أو إقراضه كنقود دوارة عبر “القرض الحسن”.
وتهدف هذه الآلية إلى تمويل مشاريع صغيرة ومتناهية، ما يدعم النمو الاقتصادي ويسهم مباشرة في خلق فرص عمل دائمة.
ويشير خربوطلي إلى النموذج الثاني يرتكز على الاستثمار في رأس المال البشري، إيماناً بأن التنمية الحقيقية تبدأ من العقل، ليتحول العطاء إلى رعاية وتعليم متطور لأبناء الأسر المحتاجة، لكسر حلقة الفقر عبر إكساب الأفراد المهارات والطموح اللازمين ليصبحوا منتجين وفاعلين في مجتمعهم.
أما النموذج الثالث، فيركز على العلاج الفردي للوقاية الجماعية، فبدلاً من شراء الطعام لأسرة فقيرة، يمكن المساهمة في تدريب أحد أفرادها على مهنة تضمن له دخلاً دائماً، وبدلاً من التبرع لعلاج مريض، يمكن دعم حملة توعية أو برنامج صحي وقائي يخدم آلاف الأشخاص.
حشد منهجي للموارد
يواجه الاقتصاد السوري تحديات عدة، أبرزها: ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتضخم.
ويؤكد خربوطلي أن حجم هذه التحديات يتطلب حشداً للموارد بشكل منهجي وفاعل، مشيراً إلى أن الحكومة وحدها لا يمكنها تحمل هذا العبء، وهنا يأتي دور “العطاء التنموي” بصفته رافداً قوياً لسد الفجوة التمويلية والتنموية.
وتقع المسؤولية الكبرى في نشر هذا المفهوم على الجمعيات والمؤسسات الخيرية الأهلية، فهي مدعوة، خاصة في شهر رمضان، لأن تكون رائدة في تقديم خطط تنموية طويلة الأمد وقابلة للقياس، تنتقل بالمجتمع من ثقافة “المساعدة العاجلة” إلى ثقافة “الاستثمار في الإنسان”.
وعليه، فإن العطاء من أجل التنمية ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة، لاستثمار زخم العطاء في شهر رمضان، من أجل بناء مجتمع أكثر تماسكاً واقتصاد أكثر قوة، عبر تحويل الأموال إلى مشاريع، والمحتاجين إلى منتجين، والمساعدات المؤقتة إلى تنمية مستدامة.
عبد الحميد غانم
المصدر: الثورة السورية



































