فوضى عارمة تسود السفينة، حيث يجري الناس في كل مكان، وتبدأ المياه في الارتفاع داخل السفينة التي تميل تدريجيًا لتغوص في المياه، إلا أن الفرقة الموسيقية للسفينة لا تزال تعزف ألحانها، ويبدو أفرادها منعزلين تمامًا عما يحدث من حولهم.
ولا شكّ أن مشهد الفرقة الموسيقية في فيلم “تايتنك” يمثل ذروة انحياز الشهرة المرتبط بالثقة المفرطة في السفينة، والتي كانت سمعتها الطاغية بأنها “غير قابلة للغرق“، وقد جعلت هذه الشهرة وتلك الثقة الفرقة لا تغادر مكانها حتى مع كثرة الشواهد التي تدعوها للهرب.

تأثير أوبرا وينفري
وفي الحقيقة تشير أيضًا روايات الناجين من السفينة إلى أن شهرة السفينة جعلتهم يتأخرون في التوجه إلى قوارب الإنقاذ، على الرغم من جميع الظواهر التي تؤكد أن السفينة كانت بالفعل تغرق.
ولا يقتصر تأثير تحيز الشهرة على “تايتنك“، بل يمتد وبقوة إلى عالم الاستثمار، حيث يميل بعض المستثمرين إلى التركيز على الأصول التي تجذب انتباههم بشكل لافت.
ومن تأثيرات تحيز الشهرة في سوق الأسهم ما حدث عندما دخلت المذيعة الشهيرة “أوبرا وينفري” سوق الأسهم في أغسطس 2015 باقتناء 10% من أسهم “وايت ووتشرز ” (Weight Watchers)، وهي شركة تعمل في مجال برامج خفض الوزن، وهو الحدث الذي اعتُبر بداية تحول تاريخي للشركة.
وكانت الشركة تعاني من تراجع المشتركين وتآكل النمو، وأدى ظهور أوبرا، بما لها من شهرة، إلى إعادة الثقة لدى المستثمرين فورًا، حيث نما سعر سهم الشركة بنسبة 35% في أربعة أشهر فحسب وحتى نهاية 2015، بل وتضاعفت قيمة السهم بنسبة 1300% في ثلاث سنوات مع تحسن في مبيعات الشركة بفضل شهرة “أوبرا“، ليصبح التأثير مضاعفًا.
واستمرت “أوبرا” خلال هذه السنوات في الظهور الإعلامي كمستخدمة ومروّجة لبرامج الشركة لخفض الوزن، وبالتالي كانت شهرتها تُترجم إلى زيادة عضوية المستخدمين، ثم تُترجم بدورها إلى ارتفاع السهم.
تراجع تأثير الشهرة
إلا أنه، وابتداءً من 2021، بدأت الصناعة تتغير جذريًا بسبب ظهور أدوية إنقاص الوزن من فئة “جي.إل.بي.1“(GLP-1) مثل “أوزمبيك“، ولذلك انخفض سهم الشركة من مستويات تفوق 40 دولارًا في 2021 إلى نحو 3.18 دولار بحلول مارس 2024.
كما تراجع أداء الشركة المالي، إذ هبطت الإيرادات في 2023 بنسبة 15% إلى 889.6 مليون دولار، وتكبّدت خسارة صافية بقيمة 112 مليون دولار في العام نفسه، مما يؤكد أن تأثير الشهرة، رغم قوته، لا يمكنه وحده مواجهة تغيرات هيكلية في الصناعة.

وفي آذار 2024، أعلنت “أوبرا” أنها ستتنحّى عن عضوية مجلس الإدارة بعد 9 سنوات، وستتبرّع بكل أسهمها، ومع إعلانها جاء التأثير معاكسًا، إذ تراجع السهم بنسبة 17% بشكل فوري.
واللافت أن قيمة حصة “أوبرا” نفسها تراجعت من 43 مليون دولار أنفقتهم للحصول على 10% من أسهم الشركة عام 2015 إلى أقل من 6.5 مليون دولار وقت خروجها من الشركة، بما يعكس تضرر “أوبرا” نفسها من تضخيم قيمة الشركة السوقية ثم تراجعها الحاد لاحقًا.
“ماسك” و”تسلا”
ولا شكّ أن المثال الأوضح في وقتنا الراهن هو شركة “تسلا”، والتي تستمد قوتها السوقية من قدرة مساهمها الأبرز ورئيسها التنفيذي “إيلون ماسك” على خلق “زخم إعلامي” مستمر، حيث تحظى تغريداته وتصريحاته بمتابعة واسعة وآنية، مما يجعل سهم الشركة حاضرًا بشكل مستمر في ذهن المستثمر الفردي والمؤسسي على حد سواء.
وهذا الانتباه المستمر لـ”ماسك” وشركته أدى إلى تضخيم قيمة العلامة التجارية، إذ يرى بعض المستثمرين في ماسك “مبتكرًا” أكثر من كونه مجرد مدير تنفيذي لشركة سيارات، ما يجعل أي خبر متعلق به مؤثرًا بشكل مباشر على حركة السهم صعودًا أو هبوطًا.
وانعكس هذا الانحياز بوضوح على جميع المؤشرات المتعلقة بسهم الشركة، وبالأخص مضاعف الربحية الذي وصل في فترات ذروته إلى مستويات فلكية تجاوزت الألف في أوائل عام 2021، حيث كان المستثمرون مستعدين لدفع مبالغ طائلة مقابل كل دولار من الأرباح الحالية.
وعلى الرغم من تراجع مضاعف ربحية السهم لاحقًا، فإن تسلا لا تزال تُتداول بمضاعف ربحية مرتفع جدًا مقارنة بمنافسيها، إذ بلغ نحو 400 بنهاية أسبوع التداول الأخير في يناير 2026.
ولتبيان تأثير “ماسك”، يكفي الإشارة إلى أن مضاعف الربحية في “تويوتا” بلغ أقل من 10 في نهاية يناير ذاته، بينما لم يتخط مضاعف ربحية “بي واي دي”، والتي تخطت “تسلا” في المبيعات حول العالم، 22 في التاريخ ذاته.
وحتى عند معاملة “تسلا” كشركة تنشط في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن أكثر الشركات استفادة من هذا المجال هي “إنفيديا”، وبلغ مضاعف ربحيتها 47.34 في التاريخ ذاته، بما يؤكد التضخم الكبير للغاية في مضاعف ربحية “تسلا”.
تأثير مزدوج لشهرة “ماسك”
وما يؤكد تضخم القيمة أن القيمة السوقية لتسلا تجاوزت في بعض الأوقات مجموع قيم أكبر 10 شركات سيارات في العالم مجتمعة، حيث وصلت القيمة السوقية إلى تريليون دولار، رغم أن حصتها من الإنتاج العالمي للسيارات لم تكن تتجاوز 1% إلى 2% حينها.
والشاهد أن سعر سهم “تسلا”، وقيمة الشركة السوقية، لا يزالان ينموان على الرغم من تراجع نتائجها النسبي، حيث شهدت تسلا هبوطًا سنويًا في التسليمات لعام 2025 بنسبة 8.6%، مع تراجع تسليمات الربع الرابع بنحو 16% على أساس سنوي.
بل وأعلنت الشركة نتائج الربع الرابع والسنة المالية 2025، حيث تبيّن انخفاض الإيرادات السنوية لأول مرة بنحو 3%، وهبوط صافي الربح السنوي بنسبة 46%، رغم نمو أعمال الطاقة والتخزين.
والملاحظ هنا أن “شهرة” ماسك أضرت بـ”تسلا” من ناحية المبيعات في 2025 بسبب الجدل حول دوره السياسي، لا سيما في بداية إدارة الرئيس دونالد ترامب، وحملات المقاطعة لمنتجات الشركة.
وتُظهر ورقة بحثية لجامعة “ييل” أن الاستقطاب السياسي حول “ماسك” خلال 2025 ارتبط بانخفاض مبيعات محتمل لتسلا يصل إلى 1.2 مليون سيارة تراكميًا خلال ثلاث سنوات، مع تراجعٍ أكبر في الولايات والدوائر ذات الميول الديمقراطية.
ومع ذلك، فقد أسهمت شهرة “ماسك” في إبقاء القيمة السوقية لتسلا في يناير 2026 فوق تريليون دولار (حوالي 1.35 تريليون دولار في إغلاق الأسبوع الأخير من يناير)، إذ تعكس هذه القيم استمرار الرهان على مستقبل القيادة الذاتية والروبوتات والطاقة، أكثر مما تعكس مبيعات السيارات الراهنة.
وهذا التباين يوضح قوة “انحياز الشهرة”، إذ يتم تسعير السهم بناءً على “القصة” والابتكار المستقبلي الذي يروج له ماسك، وليس بناءً على المنتجات المبيعة أو هوامش الربح الصافية مقارنة بالمنافسين.

المؤثرون والعلامات التجارية
ولا يقتصر تأثير الشهرة على الأشخاص مثل “أوبرا” أو “ماسك“، بل يمتد إلى مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تؤثر تغريدات “مشاهير عالم الأسهم” على منصة “إكس” باستمرار، وقد تدفع سلسلة من التغريدات المستثمرين في اتجاه البيع أو الشراء.
وكانت الحالة الأشهر مع عملة “دوج كوين”، التي ارتفعت بنسبة 7000% في عام 2021 بسبب الدعاية المكثفة لها من جانب عدد كبير من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، كما جاءت حملة أخرى للعملة نفسها في نهاية 2024، لكنها لم تتمكن هذه المرة إلا من رفع قيمتها بنحو 400% تقريبًا.
وهناك بعض التغيرات الأخرى المرتبطة بالشهرة وسوق الأسهم، مثل قيام “كريستيانو رونالدو” بإبعاد زجاجة “كوكاكولا” في عام 2021 وقوله إنه يفضل المياه، مما أدى إلى هبوط سهم الشركة بنسبة 1.6%، أو عندما تسببت تغريدة لنجمة تلفزيون الواقع “كايلي جينر” حول استيائها من “سناب شات” في انخفاض أسهم الشركة بنسبة 8%.
ولكن مثل هذه التغيرات تكون مؤقتة غالبًا، وسرعان ما يتدارك السوق أثرها، غير أنه في تجارب مثل تأثير “أوبرا” أو “ماسك”، أو في التأثير الجمعي لمشاهير “إكس” أو “ريديت“، فإن التأثير كثيرًا ما يكون أطول، ونتيجته أفدح.
بل إن شهرة بعض العلامات التجارية تسهم أيضًا في تغطية بعض العيوب وتضخيم قيمة بعض الشركات، وهو ما يشير إليه بعض المحللين في حالة “أبل”، التي يصل مضاعف ربحيتها إلى قرابة 35، على الرغم من تصاعد حدة المنافسة في مجالها.
كما أن أكثر من نصف إيرادات الشركة يأتي من “آيفون” فقط، وهو عنصر مقلق للغاية لأي مستثمر، لا سيما أن باقي الإيرادات تأتي أيضًا من أجهزة أخرى (مثل آيباد، والساعات، وأجهزة ماك)، في حين يأتي ربع الإيرادات من خدمات مرتبطة أساسًا بهذه الأجهزة.
ولتلافي مصير “تايتنك” وفرقتها الموسيقية، فإن على المستثمر أن يحاول دومًا عزل نفسه عن “الضجيج الإعلامي”، وتجنب الانبهار بالشهرة لما لها من بريق ذي تأثير نفسي، فالأهم من ثلث الجبل الجليدي الظاهر هما الثلثان المختفيان تحت الماء.
المصادر: أرقام – بيزنيس إنسايدر – فوربس – وول ستريت جورنال – بيهيفريال إيكونوميكس – سي.إن.بي.سي


































