تواجه إدارة مدينة عدرا الصناعية تحديات متعددة في ملف صناعيي القابون بدمشق، بعد ظهور حالات استغلال ومضاربة وخلط بين المتضررين الحقيقيين وغير الحقيقيين.
وتعود القصة إلى عام 2018، حين تمّ تكليف مجلس إدارة المدينة بتقديم تسهيلات لأصحاب المنشآت الصناعية المتضررة في القابون لنقل منشآتهم واستكمال نشاطهم الإنتاجي في عدرا الصناعية.
غير أن استحواذ بعض المتنفذين على مساحات واسعة وبيعها بأسعار مرتفعة أدى إلى تفاقم المشكلة، ما دفع المسؤولين اليوم إلى السعي لمعالجتها عبر تأمين حقوق أصحابها الفعليين، مع اللجوء إلى القضاء لضمان الفصل بين الأطراف المعنية.
آخر التطورات في ملف صناعيي القابون، تحدث عنها مدير مدينة عدرا الصناعية سامر السماعيل، لصحيفة “الثورة السورية”، كاشفاً عن الإجراءات المتخذة في هذا الملف، والتحديات التي واجهت تطبيقها، إضافة إلى الرؤية الحالية للإدارة في تنظيم الاستثمار ومعالجة الاختلالات السابقة، بما يحقق التوازن بين دعم الصناعة وحماية المال العام.
حزمة تسهيلات
يوضح السماعيل أنه في عام 2018، وبناء على توجيهات رئاسة مجلس الوزراء بحكومة النظام المخلوع، عُقدت عدة جلسات تنظيمية هدفها متابعة الإجراءات المتخذة من قبل الجهات المعنية لمعالجة أوضاع المناطق المتضررة، لا سيما المناطق الصناعية المتضررة، وتركزت هذه الاجتماعات بشكل خاص على الصناعيين المتضررين في منطقة القابون.
وقال السماعيل: بناء على التوصيات الصادرة عن تلك الاجتماعات، تم تكليف مجلس إدارة مدينة عدرا الصناعية بإصدار القرارات اللازمة لتقديم تسهيلات لأصحاب المنشآت الصناعية المتضررين، بما يسمح لهم بالانتقال إلى مدينة عدرا الصناعية.
وأضاف: على هذا الأساس، عقد مجلس الإدارة اجتماعاً سابقاً أُقرت فيه حزمة من التسهيلات، أبرزها تأجيل تسديد الدفعة الأولى لمدة أربع سنوات من تاريخ الاكتتاب أو التخصيص، وتقسيط باقي الأقساط على عشر سنوات، شريطة البدء بإنشاء المنشأة والدخول في العملية الإنتاجية.
استغلال المتنفذين
أشار السماعيل إلى أن مجلس مدينة عدرا الصناعية اجتمع في عام 2018، وأقر مقترح الحكومة وقتها، إذ تم الاستماع إلى المستثمرين، وتقدم نحو 31 شخصاً بطلبات اكتتاب، خُصص منهم 24 شخصاً، إلا أن المشكلة برزت لاحقاً نتيجة استغلال بعض المتنفذين وأعضاء مجالس الإدارة السابقة لهذا القانون، ما أدى إلى خلط بين المتضررين الحقيقيين وغير الحقيقيين، واستحواذ بعض الأشخاص على مساحات كبيرة من الأراضي وصلت إلى نحو 100 دونم.
وأوضح أن هذا الواقع خلق مشكلة كبيرة لاحقاً، لأن إيرادات بيع المقاسم تُستخدم عادة لتنفيذ البنى التحتية داخل المدينة الصناعية، إلا أن تأجيل دفع الأقساط لمدة أربع سنوات خلق فراغاً مالياً كبيراً بين تخصيص المقسم وتنفيذ المشروع والبنية التحتية اللازمة له.
وكشف عن أنه من أصل 24 مكتتباً، كان نحو 10 فقط من المتضررين الحقيقيين، وقد حصلوا على مساحات محدودة ومستحقة، في حين ذهب النصيب الأكبر من الأراضي إلى أشخاص متنفذين.
وأضاف: بعض هؤلاء الأشخاص اكتتبوا على الأراضي بشكل قانوني ظاهرياً، ثم باعوها لاحقاً لأشخاص آخرين، مستفيدين من انهيار سعر صرف العملة خلال الفترة ما بين عامي 2019 و2025، وأدى ذلك إلى اختلال كبير في التوازنات العقدية، لأن الأقساط التي كانت ستُستخدم لإنشاء البنى التحتية فقدت قيمتها الفعلية، في حين بيعت الأراضي بقيم سوقية مرتفعة لا تعكس السعر الذي دُفع للإدارة.
استحواذ غير مشروع
أفاد السماعيل أن بعض الأراضي بيعت بسعر يقارب دولاراً واحداً للمتر عند الاكتتاب، في حين أن قيمتها الحقيقية كانت تقارب 30 دولاراً للمتر، ما حرم الإدارة من تنفيذ مشاريع بنى تحتية مخططة، وأدى إلى استحواذ غير مشروع على مساحات واسعة تحت مسمى متضررين غير حقيقيين، وهو ما يُعد خرقاً للقانون واستغلالاً للسلطة، وحقق إثراء غير مشروع لبعض الأشخاص.
و مثالاً على ذلك، أن أحد الأشخاص حصل على 45 دونماً باسم متضرر، وسدد ثمنها بما يقارب 45 ألف دولار، في حين أن قيمتها الفعلية اليوم تتجاوز مليوني دولار، ما حرم المدينة من تنفيذ بنى تحتية كاملة لبقية المقاسم.
وأكد أن نظام الاستثمار لا يجيز بيع المقسم قبل تنفيذ المنشأة والدخول بالإنتاج، إذ إن المكتتب يُعد متملكاً جزئياً فقط بقدر ما سدده من أقساط.
وبالتالي، فإن بيع الأرض قبل استكمال الشروط القانونية يُعد مخالفة صريحة.
وتابع: أدى ذلك إلى ظهور إشكالية جديدة تمثلت بأشخاص اشتروا الأراضي خارج إطار الإدارة، ما وضعهم في مأزق قانوني لعدم قدرتهم على نقل الملكية أو استكمال الإجراءات.
القضاء يحسم
أوضح السماعيل أن الإدارة تجد نفسها اليوم أمام هذه المشكلة، وتسعى لإيجاد حل عادل لها، مؤكداً أن التوجه الحالي هو اللجوء إلى القضاء ليفصل بين الأطراف المعنية ويضمن حقوق المتضررين الحقيقيين.
كما أشار إلى التعامل حالياً مع ثلاث فئات: المكتتب الأصلي، والمشتري اللاحق، والإدارة، وسط مساع للتوفيق بينها قدر الإمكان وحفظ حقوق الجميع.
وفيما يخص من استغلوا القانون وحققوا إثراء غير مشروع، أكد السماعيل أن الإدارة تتجه بالتعاون مع لجنة كسب غير المشروع إلى إحالة هذه الملفات إلى القضاء، لمحاسبة كل من استفاد من منصبه أو نفوذه بطريقة غير قانونية.
تجارة عقارية
أشار السماعيل إلى أن المدينة الصناعية ليست ملزمة قانونياً بمتضرري القابون، إلا أن توجيهات غرفة الصناعة دعت الصناعيين الراغبين باستكمال منشآتهم إلى التوجه نحو المناطق الصناعية، وكانت مدينة عدرا الصناعية الخيار الأقرب، حيث جرى استقبال الطلبات وتخصيص الأراضي لمن يرغب بمتابعة نشاطه الصناعي.
وأوضح أن غالبية المكتتبين السابقين لم ينفذوا أي منشآت إنتاجية، واتجهوا نحو بيع المقاسم، ما حوّل الموضوع إلى تجارة عقارية بدلاً من كونه مشروعاً صناعياً.
كما لفت إلى أن ثمن الأراضي سُدد بالليرة السورية وفق أسعار عامي 2018 و2019، حيث كانت قيمة الاكتتاب نحو 20 ألف ليرة، أي ما يعادل قرابة 48 دولاراً آنذاك، في حين أصبحت قيمتها اليوم أقل من دولارين، ما أدى إلى خسارة كبيرة في قيمة الإيرادات المخصصة للبنى التحتية.
اكتتاب 500 شركة
أكد السماعيل أن نظام الاستثمار الجديد أُطلق لتجاوز هذه الإشكاليات، حيث اكتتبت نحو 500 شركة في مدينة عدرا الصناعية خلال العام الحالي، بمساحة تقارب 2500 دونم، مع تقديم تسهيلات أبرزها تمديد التقسيط إلى خمس سنوات وتخفيض الدفعة الأولى من 30 بالمئة إلى 5 بالمئة.
وأشار إلى صدور نحو 300 رخصة صناعية جديدة، ووصول قرابة 25 منشأة إلى نهاية الهيكل الإنشائي، معظمها في القطاع الكيميائي، إضافة إلى نشاط ملحوظ في قطاع مواد البناء، وبدء عدد من المنشآت الكبيرة بالعمل.
300 مقسم جديد
فيما يخص الرؤية المستقبلية، أعلن السماعيل عن قرب إطلاق اكتتاب جديد بمساحة 750 دونماً، تضم نحو 300 مقسم في منطقة التوسع الجديدة، تشمل مختلف الاختصاصات الصناعية. كما أكد وجود استثمارات خليجية عربية وأجنبية، إلى جانب حضور قوي للمستثمرين السوريين المغتربين.
وختم السماعيل حديثه بالإشارة إلى أن إجمالي إيرادات المقاسم المتوقعة خلال خمس سنوات تقارب 45 مليون دولاراً، سيتم توظيفها في تنفيذ بنية تحتية عصرية وحضارية تخدم الصناعة الوطنية.
وتعد مدينة عدرا الصناعية إحدى الركائز الأساسية للقطاع الصناعي في سوريا، إذ تمتد على مساحات واسعة وتضم آلاف المقاسم الصناعية المخصصة لمختلف الأنشطة الإنتاجية، وتُدار وفق أنظمة تنظيمية واستثمارية تهدف إلى تأمين بيئة مستقرة وجاذبة للصناعيين.
وقد لعبت المدينة دوراً محورياً في استيعاب المشاريع الصناعية القائمة والجديدة، ودعم استمرارية الإنتاج في ظل الظروف الاقتصادية والتنظيمية المتغيرة.
رولا عيسى
المصدر: الثورة السورية



































